الثلاثاء 8 سبتمبر 2020 12:12 ص

ستؤدي التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين لتداعيات بعيدة المدى على النظام الدولي، ما سيثير مشاكل ليس فقط للقوى الغربية، ولكن أيضًا لدول الخليج التي تعصف بها الضغوط التنافسية لهذه القوى العظمى.

لطالما وقعت دول مجلس التعاون الخليجي تاريخياً في مجال نفوذ الولايات المتحدة، لكنها أصبحت تقيم علاقات أوثق مع الصين، كما تحاول الاستفادة من موقعها الاستراتيجي، والقوى المالية والموارد الهيدروكربونية.

ويوفر الاستفادة من الطرفين المتنافسين فرصة لدول الخليج على الأقل في الوقت الحالي.

ديناميكيات القوة المتغيرة

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، دعمت الولايات المتحدة نظامًا دوليًا ليبراليًا قائمًا على سيادة قانون السوق الحرة، وقد أفاد ذلك الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة وخاصة الولايات المتحدة، لكن الفترة الأخيرة أظهرت تراجع تأثير هذا النظام الليبرالي وقبضة الولايات المتحدة على ديناميكيات القوة الدولية.

عرضت الصين بديلاً للسوق الغربية الحرة، وتحدت تفوق الولايات المتحدة في الصناعات الاستراتيجية عبر الاستثمار المكثف في التكنولوجيا والابتكار، ما أثار قلقا في الولايات المتحدة من تراجع مكانتها كقائدة عالمية للتكنولوجيا، الأمر الذي يهدد هيمنتها العالمية.

ويتفاقم هذا الوضع بسبب انعزالية الرئيس "دونالد ترامب" وموقفه من مواجهة الصين، وتزايد القوة العسكرية الصينية في منطقة غرب المحيط الهادي.

ومع ذلك، فإن كلتا القوتين لا ترغبان في مواجهة بعضهما البعض عسكريا، لأن اقتصاداتهما مترابطة بشكل كبير، كما أن الصين مشاركة بعمق في سلاسل التوريد العالمية.

حتى الآن، أدى هذا إلى نوع جديد ومختلف من الحرب الباردة، يتصادم فيها المتنافسان في ساحات بالوكالة مثل الحروب التجارية، و"كوفيد -19"، وهونج كونج، إلخ.

نفوذ الصين المتزايد

يأتي صعود الصين في الخليج مع تراجع ​​نفوذ الولايات المتحدة، لكن من المرجح أن يظل نفوذ الولايات المتحدة في المجال الأمني ​​كما هو، وذلك بفضل عقود من التدريب العسكري والأسلحة الغربية، كما ستظل المراكز المالية الغربية وجهات رئيسية للاستثمارات الخليجية.

ومع ذلك، فإن نفوذ الصين ينمو بلا هوادة عبر ممالك الخليج، فالخليج يعتمد على الصين لبيع جزء كبير من صادراته الهيدروكربونية بنفس القدر الذي تعتمد فيه الصناعة الصينية على هذه الواردات، وبناءً على هذه النقطة المشتركة، يزداد الاستثمار الصيني عبر الأنظمة الملكية.

ويُعد الخليج مركزًا مهمًا في مبادرة الحزام والطريق الصينية، وهو أمر يعزز المنافسة بين دول الخليج في سعيها للاستثمارات الصينية.

كما تنوعت الاستثمارات الخليجية في السنوات الأخيرة باتجاه الشرق، بعيدًا عن وجهاتها التقليدية المتمثلة في أسواق رأس المال الغربية والاستثمارات العقارية.

وتلعب الصين أدوارًا متخصصة مهمة في المجال الأمني​، حيث تمنع اللوائح الدولية الدول الغربية من بيع معدات مثل الطائرات المسيرة (على الرغم من أن الولايات المتحدة تحاول تخفيف هذه القيود) لذلك تحصل عليها السعودية والإمارات من الصين، وتنشرها في الصراعات، مثل تلك القائمة في اليمن وليبيا.

وفي حين أنه من المرجح أن يزداد هذا النوع من تجارة الأسلحة، فمن غير المحتمل أن يلعب الجيش الصيني دورًا أوسع في المنطقة حاليا.

فالقوات الصينية تفتقر إلى الحجم اللازم لإشراك نفسها في المنطقة بطريقة كبيرة، كما تتضمن العقيدة الصينية إحجامًا عن الانجرار إلى المشاكل الإقليمية؛ لأسباب ليس أقلها أن الصين لا تريد أن تنحاز إلى أي طرف في النزاعات الإقليمية، بما في ذلك النزاع بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، التي تعد موردًا هيدروكربونيًا مهمًا آخر للصين.

الخليج وكيل في الصراع

قد يؤدي الوقوع بين عملاقين إلى مواجهة خيارات صعبة، ومع ذلك، فإن التحول التاريخي الحالي، مع تقلباته الجيوسياسية، يقدم تحديات وفرصًا.

ويبدو موقف أعضاء مجلس التعاون الخليجي أكثر ملاءمة من موقف الدول الأخرى في هذه المرحلة.

وبينما تمثل أوروبا أصلًا جيوستراتيجيًا لا يقدر بثمن ويوفر للولايات المتحدة شريكا غير مكلف لتحقيق التوازن في الخارج، فإن دول الخليج حلفاء مكلفون، ما يجعل من الصعب على الولايات المتحدة الاحتفاظ بأكثر من الوجود الأمني الضروري مع الاستمرار في توفير الأسلحة.

كما أن هناك تحفظات أقل من دول مجلس التعاون الخليجي إزاء إقامة روابط أوثق مع الصين بالرغم من سجلها في مجال حقوق الإنسان، حتى إن دول الخليج وقعت على خطاب للأمم المتحدة يؤيد سجل الصين في شينجيانج، رافضًا مزاعم بأنها تضطهد سكانها المسلمين من الإيجور.

ومع ذلك، قد تتأثر دول الخليج بالتوترات المتزايدة في بحر الصين الجنوبي، نظرًا لإمكانية تأثيرها على التدفق الدولي للنفط.

وفي حين أن الصراع بين الولايات المتحدة والصين له بعض أوجه التشابه مع الحرب الباردة، فإن التوزيع العالمي للقوة لم يعد ثنائي القطب، كما كان خلال الحرب الباردة الأصلية، وإنما أصبحنا في نظام ما بعد الولايات المتحدة الذي يتطور في اتجاه مجزأ وغير مؤكد.

ويمكن لأعضاء مجلس التعاون الخليجي أن يلعبوا على الجهتين، حيث يمكنهم الاستمرار في جني الفوائد الأمنية للوجود الأمريكي المستمر في المنطقة، مع التمتع بالتعاون الاقتصادي الصيني.

ولكن إذا استمرت التوترات بين الولايات المتحدة والصين في التصاعد حول العالم، فقد يتم سحب الخليج كوكيل في هذه الحرب الباردة الجديدة.

المصدر | زينو ليوني و دايفيد ب.روبيرت | ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد