لا تتعلق رحلة "جاريد كوشنر" كبير مستشاري الرئيس الأمريكي وصهره مع وفد إسرائيلي للإمارات فقط بعملية السلام، وإنما أيضا بالسياسة والمصالح الخاصة للاعبين الرئيسيين الثلاثة؛ الولايات المتحدة و(إسرائيل) والإمارات.

بعد اللقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، الأحد، سافر "كوشنر" والوفد الأمريكي، الذي ضم مستشار الأمن القومي "روبرت أوبراين"، إلى أبوظبي، الإثنين، على متن رحلة لشركة "أل عال" تقل الوفد الإسرائيلي أيضا، وهي سابقة تاريخية لطائرة تجارية إسرائيلية.

كما يبدو أن الطائرة طارت في أجواء السعودية؛ وهي سابقة أخرى لطائرة تجارية إسرائيلية.

أُعلن عما يسمى بـ"اتفاقية إبراهيم" (في إشارة واضحة إلى التقاليد الإبراهيمية المشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام) في 13 أغسطس/آب، وإذا تم تنفيذها فستكون أول تطبيع للعلاقات مع (إسرائيل) منذ معاهدات السلام مع الأردن في عام 1994، ومصر عام 1979.

  • تعزيز مصالح الأطراف

على عكس مصر والأردن اللتين خاضتا ما مجموعه 4 حروب مع (إسرائيل)؛ لن يكون للاتفاق الإسرائيلي الإماراتي نفس التأثير الاستراتيجي أو الإقليمي مثل معاهدات السلام لإنهاء الصراع بين الخصوم، ولكن، تكمن المفارقة في أن العلاقة قد تصبح أدفأ بشكل أسرع؛ لأن (إسرائيل) والإمارات لم يكونا أبدا عدوين لدودين.

أجرت الدولتان بالفعل تبادلات سرية متعلقة بالاستخبارات والأمن لسنوات، كما أبرمتا صفقات تجارية أيضا. وتقدر وزارة الاقتصاد الإسرائيلية أن الصادرات إلى الإمارات يمكن أن تزيد من 300 ألف دولار سنويًا إلى ما يتراوح بين 300 مليون دولار و500 مليون دولار، كما تقدر أن يصل الاستثمار الإماراتي السنوي في (إسرائيل) إلى 350 مليون دولار.

لعبت سياسات اللاعبين الثلاثة الرئيسيين دورا مهيمنا في توقيت الاتفاق.

فبالنسبة لإدارة "ترامب"، كان على "كوشنر" الوفاء بوعد مبيعات الأسلحة والصفقات التجارية بالمليارات للشركات الأمريكية عبر تنمية العلاقات مع الإمارات والسعودية.

أما بالنسبة لصنع السلام، فإن أولوية "كوشنر"، كما أوضح للصحفي "آرون ديفيد ميلر" في عام 2017، كانت دائمًا تركز على تنمية العلاقات الاستراتيجية مع دول الخليج، وليس الفلسطينيين، وهو نهج ينال شعبية سياسية أكبر بين المسيحيين الإنجيليين الموالين لـ(إسرائيل) والجمهوريين المحافظين.

وبالنسبة للرئيس "ترامب" الذي آذته جائحة "كورونا"، فإن اتفاق التطبيع بين (إسرائيل) والخليج سيظهر الكفاءة وبعض الأخبار الجيدة.

تهدف مرافقة "كوشنر" بنفسه للوفد الإسرائيلي إلى إظهار مركزية الولايات المتحدة في الصفقة والاستفادة من المزايا السياسية لوالد زوجته المحاصر (ترامب)، مثل خطاب وزير الخارجية "مايك بومبيو" غير الاعتيادي من القدس لمؤتمر الحزب الجمهوري.

كان هذا أفضل توقيت ممكن للاتفاق بالنسبة لـ"نتنياهو"، الذي تضغط عليه عودة ظهور "كورونا"، والركود الاقتصادي، ومواجهة المحاكمة.

لم يكن كل هذا الهرج مجرد إلهاء، بل كان وسيلة للترويج لوجهة نظره بأن (إسرائيل) يمكن أن تصنع السلام مع العرب بدون الفلسطينيين.

وفر له الاتفاق مخرجًا بعد أن ألزم نفسه بضم الضفة الغربية بدون ضوء أخضر من إدارة "ترامب"؛ حيث يحصل على التطبيع التجاري مع الإمارات مقابل إصرارهم على التخلي عن الضم أو على الأقل تعليقه.

تأتي الاتفاقية أيضًا في مصلحة الحاكم الفعلي لدولة الإمارات "محمد بن زايد"؛ فمن خلال إضفاء الطابع الرسمي على مجموعة العلاقات "السرية" المعروفة مع (إسرائيل)، يمكن أن يدعي أن الإمارات أنقذت الفلسطينيين من الضم الإسرائيلي، وإثبات استقلال الإمارات الجريء كلاعب إقليمي، وتسهيل طلبه الذي طال عليه الأمد من الولايات المتحدة لشراء طائرة مقاتلة من طراز "F-35" وإحراز نقاط لدى واشنطن عبر التعامل مع (إسرائيل) بشكل لطيف بغض النظر عما إذا فاز "ترامب" أو "بايدن".

  • عوامل نجاح الاتفاق

سيعتمد استمرار بقاء الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي أو ما إذا كان ليُحدث تأثيرًا مستمرًا على المنطقة على عدة عوامل؛ فهل سيعدل "نتنياهو" سياساته تجاه الفلسطينيين، ويرفض الضم بشكل دائم ويتجنب الإجراءات الفجة على الأرض التي من المحتمل أن تحرج الإمارات؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، فسيقوم "بن زايد" بتغيير وتيرة التطبيع.

هل ستحذو دول عربية أخرى حذو الإمارات؟ من المفترض أن يسافر "كوشنر" إلى عُمان والبحرين والسعودية بعد الإمارات، لدى عُمان والبحرين بالفعل علاقات غير رسمية مع (إسرائيل)، وبالتالي فهما مرشحتان على الأرجح، لكن قد يستغرق ذلك بعض الوقت.

أما السعودية التي تعد جائزة (إسرائيل) المنتظرة، فمن غير المرجح أن تأتي بسرعة؛ فالملك "سلمان بن عبدالعزيز" -على عكس نجله ولي العهد "محمد بن سلمان"- أكثر تقليدية ومؤيد للفلسطينيين، على الرغم من أن الاقتراب من (إسرائيل) قد يساعد في تجميل صورته عديمة الرحمة وعديمة الكفاءة لدوره في قتل الصحفي "جمال خاشقجي".

قد تنتظر الدول العربية نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني قبل تقديم التزامات علنية جديدة بشأن التطبيع مع (إسرائيل).

على الأرجح، سينجح "كوشنر" في حشد التزامات العرب لحضور حفل التوقيع الإماراتي الإسرائيلي الذي تود الإدارة عقده في سبتمبر/أيلول.

لكن، هل سيحدث كل هذه الهرج والمرج فرقًا في انتخابات لم يتبق عليها سوى 60 يومًا؟ على الأغلب لا.

المصدر | آرون ديفيد ميلر/ يو إس توداي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد