الاثنين 14 سبتمبر 2020 09:45 ص

قبل أشهر من الإعلان عن اعتزام الإمارات الاعتراف بـ(إسرائيل)، وكسر الإجماع العربي الذي يمنع التطبيع مع (إسرائيل) إلا بعد حصول الفلسطينيين على دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، شعر المحللون بالحيرة بشأن "صفقة القرن" التي طرحها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب".

لقد سألوا أنفسهم، لماذا يستثمر الرئيس الأمريكي الكثير من الطاقة في صفقة يقاطعها القادة الفلسطينيون وترفضها الدول العربية ولن تنجح أبدا؟ ولم يمنحهم إعلان أبوظبي الإجابات.

وكافح "ترامب" وصهره "جاريد كوشنر" من أجل إقناع دول أخرى في المنطقة بتطبيع العلاقات مع (إسرائيل).

ولن يخفي أي قدر من الاحتفال في البيت الأبيض الأسبوع المقبل حقيقة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" سيصافح زعماء دولتين عربيتين صغيرتين فقط في حفل سيصفه "ترامب" بالتاريخي.

"ترامب" يرمش أولا

وإذا لم يكن الفلسطينيون أبدا الهدف المقصود من "صفقة القرن"، فمن كان؟ حسنا، يعد هدف "كوشنر" هدفا دينيا قوميا يهوديا، وهو إقامة دولة (إسرائيل) الكبرى كحقيقة دائمة على الأرض.

لكن ما هي الجهة أو الدولة التي يفترض أن يعمل التحالف الإماراتي الإسرائيلي ضدها؟ فقد كانت (إسرائيل) تقول لبعض الوقت للدبلوماسيين العرب إنها لم تعد تعتبر إيران تهديدا عسكريا. وقد أكد رئيس الموساد، "يوسي كوهين"، للمسؤولين العرب أن إيران "قابلة للاحتواء".

وكانت إيران قد أطلقت بشكل علني وابلا من الصواريخ على القوات الأمريكية في العراق ردا على الضربة الجوية التي قتلت الجنرال الإيراني "قاسم سليماني" في بغداد، في يناير/كانون الثاني.

واختبرت الطائرات الحربية الإسرائيلية صبر إيران مرارا وتكرارا في سوريا ولبنان، وضربت أهدافا إيرانية ومقاتلين مدعومين من إيران دون أي رد من طهران ومع رد فعل ضئيل للغاية من "حزب الله".

وهنا يأتي السؤال حول القوة الضاربة التي جمعها "ترامب" في الخليج، إذا لم تكن إيران هدف هذا التحالف الناشئ، فمن الهدف إذن؟

الأتراك قادمون

وجاء الرد هذا الأسبوع في سلسلة من البيانات المنسقة بشدة من القادة العرب المجتمعين في جامعة الدول العربية، والتي تظهر أن العدو الحقيقي هو عضو في الناتو، والذي كان لعقود عديدة حارسا للقنابل النووية الأمريكية المحمولة جوا.

وبحسب وجهة نظر جامعة الدول العربية، فقد أصبح الغازي الأجنبي الجديد الذي يهدد العالم العربي ليس الفارسي ولا الروسي بل التركي.

وكما لو كان تمت إثارته بضغطة على مفتاح كهربائي، فإن الخط الساحلي لشرق البحر الأبيض المتوسط ​​بأكمله، من لبنان إلى مصر، يبدو في حالة حرب ضد جارتهم الشمالية، مع ادعاءات مزعومة بسعي تركيا لاستعادة الحكم العثماني.

وقاد حملة الاتهامات وزير الخارجية الإماراتي "أنور قرقاش"، الذي قال في تصريحات لجامعة الدول العربية: "يعد التدخل التركي في الشؤون الداخلية للدول العربية مثالا واضحا على التدخل السلبي في المنطقة".

ويأتي هذا التصريح من وزير في بلد ساعد في الإطاحة برئيس مصري منتخب، وقصفت طائراته طرابلس الليبية في محاولة للإطاحة بحكومة أخرى معترف بها دوليا.

واتهم "قرقاش" تركيا بتهديد أمن وسلامة الحركة البحرية في مياه البحر الأبيض المتوسط، في انتهاك واضح للقوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة ولسيادة الدول.

تحديد العدو

وتلا "قرقاش" وزير الخارجية المصري "سامح شكري"، الذي قال إن التدخلات التركية في كثير من الدول العربية تمثل أكبر تهديد للأمن القومي العربي.

وقال: "لن تقف مصر مكتوفة الأيدي في وجه الأطماع التركية التي تتجلى في شمال العراق وسوريا وليبيا على وجه الخصوص".

وكان الوفد الفلسطيني الذي حضر الاجتماع مجهزا بمشروع بيان غاضب يدين الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي باعتباره خيانة. ولكن المجلس أسقط بيان الوفد، وقرر تشكيل لجنة فرعية دائمة لمراقبة العدوان التركي وإبلاغ الجامعة بالتقارير في كل اجتماع لاحق.

ولم تمر جوقة التصريحات ضد تركيا الأسبوع الماضي مرور الكرام في أنقرة.

وأرجع مصدر كبير في الحكومة التركية ذلك إلى التحالف الإنجيلي المسيحي الصهيوني في الولايات المتحدة.

وقال المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إن "الإمارات تقوم بمهمة لعزل تركيا على كافة المستويات التشغيلية".

وأضاف: "لقد ساهم الإماراتيون بالتمويل. ومع ذلك، فإن العوامل التمكينية الحقيقية لهذه الاستراتيجية هم (إسرائيل) وبعض السياسيين الأمريكيين المقربين من اللوبي المؤيد لـ(إسرائيل). لقد كانوا جزءا من أي جهد لإقامة تحالف ضد تركيا".

القواعد التركية وحملة "ماكرون"

وللمفارقة توجد بالفعل لجنة فرعية أخرى تابعة للجامعة العربية ضد التطبيع مع (إسرائيل) لا تزال موجودة لدعم مبدأ الأرض مقابل السلام الذي أرسته مبادرة السلام العربية التي أطلقتها السعودية عام 2002.

وتم تجاهل هذه اللجنة. فـ(إسرائيل) لم تعد العدو في جامعة الدول العربية؛ بل تركيا.

ونشرت صحيفة "جوردان تايمز"، الصوت الرسمي للمملكة الهاشمية، مقالا جاء فيه أن "القوات التركية والميليشيات المدعومة من أنقرة تنشط في 3 دول عربية، هي ليبيا وسوريا والعراق. وهذا واقع جيوسياسي يجب على العالم العربي، وكذلك المجتمع الدولي، الاعتراف به والرد عليه".

وتوجد جهات أجنبية أخرى في هذا المسعى لإعلان تركيا بأنها العضو الخارج عن القانون الجديد في شرق المتوسط.

وقد تم توثيق الدعم الفرنسي للجنرال الليبي "خليفة حفتر"، في محاولته المليئة بجرائم الحرب للاستيلاء على العاصمة الليبية، بما في ذلك استخدام الطائرات الإماراتية.

لكن في الآونة الأخيرة، خلال جولاته في بيروت، أشهر الرئيس "إيمانويل ماكرون" الأسلحة الخطابية لفرنسا.

وقال "ماكرون" في أول رحلة للعاصمة اللبنانية الممزقة: "إذا لم تلعب فرنسا دورها، فإن الإيرانيين والأتراك والسعوديين سيتدخلون في الشؤون الداخلية اللبنانية، التي من المرجح أن تضر المصالح الاقتصادية والجيوسياسية للبنانيين".

ونُقل عن مسؤول عراقي قوله إن "ماكرون" توجه إلى بغداد، حيث أطلق "مبادرته السيادية"، في إشارة واضحة إلى تركيا.

وشنت أنقرة هجوما جويا وبريا عبر الحدود على المتمردين الأكراد في شمال العراق في يونيو/حزيران، ما أثار حفيظة بغداد التي وصفت الهجوم بأنه انتهاك للأراضي العراقية.

وفي غضون ذلك، تجري السفن الحربية الفرنسية تدريبات مشتركة مع السفن اليونانية وسط نزاع للتنقيب عن النفط قبالة قبرص، وهو ما ترى تركيا أنه ينتهك حدودها البحرية.

وقال "ماكرون" للصحفيين قبل قمة "كورسيكا" هذا الأسبوع: "لم تعد تركيا شريكا في هذه المنطقة"، مشيرا إلى أن الأوروبيين يجب أن يكونوا "واضحين وحازمين" مع حكومة "أردوغان" بشأن "سلوكها غير المقبول". وأضاف "ماكرون" أن على الدول الأوروبية وضع "خطوط حمراء" لتركيا.

الوحدة التركية

ويؤكد "ماكرون" أن خلافه ليس مع الأتراك، بل مع "أردوغان".

لكنه جرب هذا التكتيك من قبل وفشل. والمشكلة أنه في مواجهته للقوات المدعومة إماراتيا في ليبيا، أو التمسك بحقوق الفلسطينيين في القدس، أو قصف حزب العمال الكردستاني في العراق، أو استهداف قوات "بشار الأسد" في سوريا، يحظى "أردوغان" بالدعم الكامل من الجيش التركي وجميع الأحزاب السياسية التركية الكبرى.

لكن لا يعد هذا الدعم موحدا ولا ثابتا. وقد تم التعبير عن الشكوك محليا حول حكمة دخول القوات التركية إلى ليبيا وسوريا، لكن هذه الشكوك تراجعت بعد ذلك.

ومهما كانت الانتقادات التي يوجهها العديد من خصوم "أردوغان" المحليين حول السياسة الداخلية، فإنهم يدعمون "أردوغان" كقائد وطني في السياسة الخارجية، خاصة في شرق البحر الأبيض المتوسط.

وهنا يجب أن ننظر إلى الرجل الذي يعمل حزبه على تآكل قاعدة "أردوغان" الإسلامية المحافظة أكثر من أي سياسي تركي آخر، "أحمد داود أوغلو"، وهو من المخضرمين في المفاوضات الدولية وشغل سابقا منصب رئيس الوزراء.

وقال "داود أوغلو" مؤخرا: "على ماكرون الالتزام بحدوده والتوقف عن إهانة تركيا ورئيسها.. أدين بشدة تصريحات ماكرون المتغطرسة التي تظهر عقليته الاستعمارية وتتجاهل ديمقراطية تركيا والإرادة الحرة لشعبها".

ويواجه "ماكرون" عدة مشاكل في إعلان حرب صليبية جديدة. فمن ناحية، يصعب عليه التخلص من تاريخ الاستعمار الفرنسي في شمال أفريقيا ولبنان.

ثانيا، تصطدم محاولته لمساواة "أردوغان" بـ"الفاشية الإسلامية" عندما تكون الدولة التركية العلمانية العميقة في تماسك مع مشروع الرئيس. ولقد كانت حكومة يقودها الجيش التركي هي التي غزت شمال قبرص عام 1974 بعد انقلاب يوناني.

مواجهة أنقرة

لماذا يواجه الجميع تركيا الآن؟ حسنا، رغم كل التحفظات الداخلية على دوره كرئيس، فقد أظهر "أردوغان" تركيا كدولة مستقلة تستطيع قواتها المسلحة مواجهة القوات الروسية في سوريا وليبيا، وتحافظ على مكانها على طاولة المفاوضات مع الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين".

ويساوي حجم الاقتصاد التركي حجم اقتصاد السعودية، ولكن الجيش التركي قطعا شوطا كبيرا في الاكتفاء الذاتي. وبدأت تركيا في تصنيع طائرات بدون طيار عالية التقنية عندما رفضت (إسرائيل) والولايات المتحدة توريدها. 

ومع اكتشاف الغاز في البحر الأسود، تمتلك الشركات التركية التكنولوجيا لتطوير الحقول وتزويد السوق المحلية، على عكس مصر، التي يعني اعتمادها على الشركات البريطانية والإيطالية والأمريكية أنها تجني جزءا بسيطا من أرباح حقول الغاز لديها.

وعندما واجه الشعب التركي محاولة الانقلاب عام 2016 والتي تتهم أنقرة الإمارات بالتورط فيها، كان الأتراك فخورون بشدة وهم يقاتلون لدحر محاولة الانقلاب.

ويجب أن يدفع كل هذا السياسيين الغربيين للتوقف قبل خلق عدو آخر وبدء صراع آخر في هذه المنطقة. فمن الواضح تماما أين تنشأ هذه الأجندة، فهي تأتي من (إسرائيل) ودول الخليج، وهي دول ليس لديها أعمال أو مصالح في قبرص.

مغامرة خطيرة

وفي تقديرها الاستخباراتي لعام 2020، أدرجت شعبة المخابرات العسكرية الإسرائيلية تركيا ضمن قائمة المنظمات والدول التي تهدد الأمن القومي الإسرائيلي.

لكن التقديرات استبعدت اندلاع مواجهة عسكرية بين البلدين.

لكن الهواجس لدى النظامين الإماراتي والسعودي الاستبداديين مختلفة.

ويخشى كل من النظامين السعودي والإماراتي سحب تركيا البساط منهما كزعماء للعالم السني. ويدور الصراع حاليا حول قيادة العالم العربي السني، وقد تراجع ادعاء السعودية بهذه الزعامة الآن، فضلا عما خسرته الإمارات عندما قامت أخيرا بتطبيع العلاقات علنا مع (إسرائيل).

وتفتقر فرنسا إلى الجرأة أو القدرة على بدء صراع آخر في الشرق الأوسط. وفي الداخل، أصبح عبقري السياسة الفرنسية أكثر رئيس فرنسي لا يتمتع بشعبية.

وتعاني فرنسا في عهد "ماكرون" من انقسامات مثل أي دولة غربية أخرى وخاصة في ظل وباء "كوفيد-19" والصعود اللافت للجناح اليميني.

ويجب أن يتعلم "ماكرون" من التجارب الجماعية لـ"توني بلير" و"جورج دبليو بوش" و"ديفيد كاميرون" و"نيكولاس ساركوزي"، وأن يبتعد عن هذه المغامرة الأجنبية، التي لن تنتهي بخير بالنسبة له إذا استمر فيها.

المصدر | ديفيد هيرست - ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد