الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 08:06 ص

يعيد التوقيع الأخير على صفقات بين نظامين خليجيين و(إسرائيل) الذكريات المريرة لاتفاقيات كامب ديفيد عام 1979.

أعادت مشاهد التوقيع الاحتفالي لصفقات التطبيع بين نظامين دكتاتوريين في الخليج العربي و(إسرائيل) في البيت الأبيض هذا الشهر الحزن والغضب الهائل الذي عصف بنا، كفلسطينيين وعرب، عندما وقّعت مصر اتفاقية كامب ديفيد مع (إسرائيل)  قبل 4 عقود.

لقد تركت الصفقة المصرية الإسرائيلية القضية الفلسطينية دون حل، حيث يرزح الفلسطينيون تحت الاحتلال الوحشي وحدهم، ويواجهون القوة العسكرية القمعية الهائلة لـ(إسرائيل).

أتذكر والدي وأقاربي عندما كانوا غاضبين، وكأن عالمهم كله قد انهار، وكطالب جامعي في السنة الثانية، نظمت أنا والعديد من الطلاب الفلسطينيين مظاهرة غاضبة ضد الرئيس المصري آنذاك "أنور السادات"، الذي اعتبرناه مستسلمًا خائنًا.

لقد تحطمت أحلامنا الكبيرة في تحرير فلسطين، وعودة اللاجئين، والحرية، وعالم عربي موحد ومتقدم.

تحت قيادة الرئيس الأسبق "جمال عبدالناصر"، أصبحت مصر، أكبر دولة عربية، مركز ثقل القومية العربية المناهضة للصهيونية والإمبريالية، وشكلت لسنوات عديدة المصدر الأساسي للأمل في إنهاء الهيمنة الصهيونية والإمبريالية الغربية على المنطقة العربية، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي والسياسي والتنمية.

وهذا يفسر حجم وشدة الرفض العربي لاتفاقيات "كامب ديفيد" عام 1979، التي نصت على انسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء مقابل انسحاب مصر من الجبهة العربية الموحدة ضد (إسرائيل).

أثبت التوجه الجديد لمصر، والذي تضمن الانفتاح على الغرب واعتناق السياسات المالية النيوليبرالية، أنه كارثي على الشعب المصري، وقد أثار رفع الدعم عن المواد الغذائية والضروريات الأخرى، الذي أوصى به صندوق النقد الدولي، انتفاضة شعبية تم قمعها بتكلفة بشرية باهظة.

منذ عقود من دخول الاتفاقية الكارثية حيز التنفيذ، اشتدت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مصر، أصبحت مصر خاضعة للولايات المتحدة ووقفت مكتوفة الأيدي بينما تستمر (إسرائيل) في حصار وإيذاء واحتلال ملايين الفلسطينيين، بالإضافة إلى هجماتها على لبنان ومرتفعات الجولان السورية.

جاءت النتائج الكارثية أيضًا بعد توقيع اتفاقيات أوسلو واتفاق السلام بين الأردن و(إسرائيل) في التسعينات، وبينما بررت مصر والسلطة الفلسطينية والأردن اتفاقياتها الكارثية مع (إسرائيل) بالإشارة إلى التكاليف الباهظة للحرب، يتساءل كثيرون الآن لماذا تشرع البحرين والإمارات - اللتان لم تكونا في حالة حرب مع (إسرائيل) - في خطوات مماثلة، وبينما أثبتت الدول الأخرى فشلها.

لم يكن التطبيع بين (إسرائيل) ودولتي الخليج تطورًا مفاجئًا، مع وجود خطوات نحو هذا الهدف منذ سنوات لكن الأمر المثير للصدمة هو أن طرفي هذا التحالف غير المقدس الجديد - خاصة الإمارات - قد تجاوزا التطبيع، واعتنقا بشكل خطير الرواية الصهيونية ضد نضال الفلسطينيين لاستعادة وطنهم التاريخي.

أدى اندلاع الربيع العربي في عام 2011، والذي أطاح بعدد من الأنظمة الاستبدادية وزعزعة أسس أنظمة أخرى، إلى أن تصبح الإمارات والسعودية القوى الرائدة في الثورة العربية المضادة، لقد ساعدتا في الإطاحة بأول حكومة منتخبة في مصر، وقدمتا الدعم المالي والعسكري للقوى المناهضة للديمقراطية في ليبيا وتونس وسوريا واليمن.

لم يكن عدوهم الرئيسي (إسرائيل)، ولكن مواطنيهم، الذين يُعاملون كرعايا قد يثورون إذا لم يكن من الممكن شراء صمتهم.

كانت (إسرائيل)، التي يعتمد اضطهادها المستمر للشعوب العربية على هذه الأنظمة الاستبدادية وغيرها، مرعوبة منذ بداية الثورات، خوفًا من أن تدفع الجماهير العربية موقفًا مختلفًا من (إسرائيل) إذا أتيحت لها مساحة حرة وديمقراطية.

لقد أعطت هذه الأنظمة الاستبدادية الأعذار لتحالفها مع (إسرائيل)، بما في ذلك خوفها من إيران، وادعاءات نشر السلام، ووعود التنمية الاقتصادية الإقليمية.

لكن خوفهم الأساسي يتركز في الحفاظ على عروشهم ومصالح الأسر الحاكمة، لقد شاهدوا بقلق موجات الاحتجاج الجديدة التي اندلعت في السودان والجزائر والعراق ولبنان.

كان الثمن الذي اُنتزع من هؤلاء الطغاة العرب من قبل الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" هو التنازل عن "التزامهم" بالسلام العربي، وفي الواقع فصل أنفسهم عن أي ارتباط أخلاقي بالقضية الفلسطينية.

وكان زعماء الدول الأربع مدفوعين أساسًا برغبتهم في السلطة، لكن سلوك "نتنياهو"، الذي يواجه تهم فساد خطيرة، تحركه أيضًا أيديولوجية عنصرية استعمارية تهدف إلى ترسيخ الدولة اليهودية على أنقاض الوطن الفلسطيني، وتحقيق الهيمنة على العالم العربي من خلال صفقات مع القادة الدمى.

لقد سعت (إسرائيل)  بلا كلل، بشتى الوسائل، إلى تطبيع مشروعها الاستيطاني العدواني واللاإنساني في قلب العالم العربي، لكن طالما أن الفلسطينيين يركزون على حقوقهم المشروعة، فلن تمنعهم أي صفقات من مواصلة كفاحهم، إن الحل الوحيد هو إنهاء الاستعمار والعدالة والمساواة.

المصدر | عوض عبد الفتاح | ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد