الأربعاء 30 سبتمبر 2020 06:44 ص

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" في وقت سابق من هذا الشهر، مقالة افتتاحية حول اتفاقيات "إبراهيم".

لقد تم انتقاد تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين، من خلال السخرية، وربطه بالترويج للانتخابات، وترسيخ الاستبداد، وإشراك الولايات المتحدة في الصراعات الطائفية في المنطقة، وخيانة الفلسطينيين.

لكي نكون منصفين، أقر كتاب الافتتاحيات بأن صفقة التطبيع - رفضوا بشدة مصطلح "اتفاقية السلام"- كانت إيجابية في أضيق الحدود، لكنهم مع ذلك أكدوا أنها كانت نتاج نهج الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" المضلل تجاه الشرق الأوسط.

التطبيع مع اليهودية

تمنح صحيفة "ذ بوست" الكثير من الفضل في الاتفاق إلى البيت الأبيض، لكنها أيضًا لا تمنح الكثير من المصداقية إلى النتيجة، لكن هناك أمر ربما يكون ذا أهمية كبيرة لاتفاقات "إبراهيم"، وهو تطبيع اليهود واليهودية في مجتمع عربي وإسلامي، وهذه صفقة كبيرة.

وإنني هنا ألقي نظرة على الجهود الإماراتية لاستكشاف وفهم العقيدة اليهودية والتواصل معها من وجهة نظر شخص يمكن وصفه بأنه "يهودي ثقافيًا".

فأنا أشعر بالقوة حيال هويتي، ومع ذلك أشتكي بمرارة عندما أضطر للذهاب إلى الكنيس وأتناول وجبة خفيفة في الطريق إلى فعاليات "يوم كيبور" أثناء الصيام السنوي.

كما يجب أن أشير إلى أنني صديق "ليوسف العتيبة"، سفير دولة الإمارات لدى الولايات المتحدة، لقد تناولنا الطعام معا ونتشارك مجموعة من الاهتمامات التي يتشاركها العديد من الرجال في سننا: أطفالنا، موسيقى الثمانينات، الرياضة، السياسة، والطعام الجيد، أنا أقدر صداقتنا، كما أن ذلك ليس له أي تأثير على عملي.

إن التناقض بين ما تفعله الإمارات من خلال اتفاقات "إبراهيم" وجهودها الأوسع في التواصل مع الأديان الأخرى، ولا سيما الروم الكاثوليك، يتجاوز بكثير ما اعتدت عليه منذ أن بدأت السفر إلى الشرق الأوسط والعيش فيه قبل 3 عقود.

خلال الفترة التي قضيتها في القاهرة في أواخر التسعينات وأوائل القرن الحادي والعشرين، لم تذهلني معاداة الصهيونية التي كانت جزءًا من الخطاب السياسي -كان ذلك متوقعًا - ولكن بالأحرى معاداة السامية التي كانت جزءًا من الخطاب الثقافي.

ارتبطت هذه الظاهرة ارتباطًا وثيقًا بتنازل الحكومة عن المجالات الحاسمة مثل التعليم والثقافة لـ"الإخوان المسلمون"، وبالتالي حرب النظام مع الإسلاميين.

تم تعليم أطفال المدارس في السعودية، أن اليهود هم من نسل القردة والخنازير، عندما كنت طالبًا في دمشق، سوريا، قبل 26 صيفًا، أمتعني عملاء النظام في إحدى الأمسيات بسلسلة طويلة وشاملة من الكذبات المعادية للسامية لأنهم شعروا أنه من المهم أن يعلموني ما لم أتعلمه في الولايات المتحدة الأمريكية.

لا أتذكر أن أيًا من هذه الروايات كانت تميز بين الإسرائيليين واليهود، ما يقوض الاعتقاد الراسخ بين المدافعين بأن هناك فرقًا حادًا بين انتقاد سلوك إسرائيل والصورة البشعة لليهود الشائعة جدًا.

مع التوقيع على اتفاقات "إبراهيم"، قلب الإماراتيون الرواية، لقد ولّد وصولهم إلى إسرائيل اهتمامًا باليهود واليهودية.

نشرت صحيفة "الخليج تايمز" باللغة الإنجليزية ملحق "روش هاشناه" وهذه هي الخدمة الأولى (بالرغم من وجود جالية يهودية في دبي احتفلت بالعام الجديد من قبل)، أصدرت الحكومة توجيهات بأن يكون هناك خيار وجبات "كوشير" في الفنادق وشركات النقل الجوي في البلاد.

وتماشيا مع السنوات القليلة الماضية، تمنى وزير الخارجية الإماراتي "عبد الله بن زايد" لليهود "شنا توفا"  أي "سنة طيبة" في تغريدة على "تويتر".

متى كانت آخر مرة فعل فيها وزراء خارجية آخرون ذلك؟ من المهم أن نلاحظ أنه حتى قبل أن يكون هناك ما يسمى باتفاقات "إبراهيم"، كان الإماراتيون يقضون الكثير من الوقت والجهد في بناء مجمع ديني في أبوظبي يربط مسجدًا وكنيسة وكنيسًا يسمى بيت العائلة الإبراهيمية كمركز للتسامح الديني.

ربيع يهودي

في وقت سابق من هذا العام، صادفت أحد الحاخامات المعروفين في واشنطن في المطار في انتظار رحلة طيران من الإمارات إلى الوطن، كان هناك للمشاركة في إحدى مبادرات الحكومة الإماراتية لتعزيز التسامح.

بالنسبة للكثيرين، أنا متأكد من أن تواصل الإماراتيين مع اليهود قد يبدو وكأنه حيلة ساخرة، أستطيع بالفعل سماع الاعتراضات على هذه المقالة ويمكنني أن أتخيل انتقادات "تويتر": "الإماراتيون  يغسلون سجلهم الرهيب في اليمن وملف حقوق الإنسان" ، أو "هذه علاقات عامة ساخرة من قبل دولة تريد أن ترسخ نفسها كنموذج للتسامح، لكنه ليس نموذجًا للتسامح على الإطلاق طالما تم سجن المعارضين السياسيين".

هذه، بالطبع ، مخاوف صحيحة تمامًا، ومع ذلك فإنني على استعداد لتصديق الإماراتيين، لأنهم يبدون مهتمين حقًا بالتطبيع مع اليهودية، وحتى لو كانت علاقات عامة، ما زلت موافقًا عليها، بعد كل شيء، إنه أفضل من العكس، حيث يوجد سباق إلى القاع حول من يستطيع في المنطقة أن يتفوق على الآخر فيما يتعلق بكراهية اليهود.

يبدو أن الإماراتيين قد خلقوا ديناميكية جديدة في جميع أنحاء المنطقة، وفي حين لا يزال السعوديون يقاومون إقامة علاقات مع إسرائيل على الرغم من التقارير عن ضغوط من إدارة "ترامب"، فإنهم يعيدون التفكير في نهجهم تجاه العقيدة اليهودية.

كان لدى المصريين لحظة وجيزة من التأمل في الماضي ودور اليهود في المجتمع المصري منذ عدة سنوات، لكن القضية لا تزال محفوفة بالمخاطر.

 لقد سمعت أن الشباب العراقيين يفعلون الشيء نفسه، وهو أمر قريب من قلبي لأن عمي "أنور" من بغداد، وقد غادر في عام 1947 في منحة دراسية إلى جامعة "دنفر" ولم يعد أبدًا خوفًا على سلامته.

لذلك يمكن للكتاب والصحفيين والمحللين توجيه الانتقادات إلى اتفاقيات "إبراهيم" كما يريدون، قد يتضح أنهم على صواب، والتطبيع بين الإمارات وإسرائيل ليس مجديا، لكن ما يحدث في الحقيقة أكبر بكثير من ذلك.

إنني أتطلع حقًا إلى الذهاب إلى كنيس يهودي في أبوظبي، حتى لو اشتكيت من ذلك في الطريق إلى هناك.

** المقال المنشور يعبر عن رأي كاتبه

المصدر | ستيفن كوك | فورين بوليسي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد