من أرمينيا إلى فرنسا: محور العداء المتصاعد لتركيا

المحور المعادي لتركيا يتشكل من لاعبين يجمعهم قلق من تنامي دورها الإقليمي فنجد حراكا منسقا في كل الأزمات.

التطبيع الإماراتي مع إسرائيل جاء في إطار الأزمات وارتبط بالتوافق الإماراتي الإسرائيلي حول تحجيم دور تركيا بالمنطقة.

لا يمكن قراءة إحدى الأزمات بمعزل عن البقية فالتشابك معقد بين مصالح متضاربة مما يجعل لكل منها تأثيرا مباشرا على الأخرى.

تقلب شبكة المصالح في سوريا يشكل تهديدا أساسيا لتركيا بجوارها الإقليمي رغم توقف الدعم الأمريكي بالكامل تقريباً للأكراد.

تتحرك هذه الدول في فراغ خلفه غياب واشنطن وتقف تركيا أمام تحديات جسيمة لإثبات قدرتها على ممارسة دور القوة الإقليمية الفاعلة.

*     *     *

بين البحرين الأسود والمتوسط يشتعل فتيل أزمات عدة أبطالها شبكة معقدة من الحلفاء والخصوم، هذه الأزمات يجمعها على ما يبدو عنصر واحد فقط وهو محاربة النفوذ المتنامي لأنقرة في نطاقها الإستراتيجي.

فمن ليبيا والصراع بين الحكومة الشرعية وحفتر وداعميه وأزمة شرق المتوسط والخلاف التركي اليوناني والاتفاقيات البحرية المتضاربة، مروراً بالخلافات حول التعاطي مع قضية فلسطين وأزمات سوريا المركبة وانتهاءً باندلاع الحرب بين أرمينيا وأذربيجان، نجد تركيا طرفاً فاعلاً إما بشكل أصيل أو من خلال دعم أحد الأطراف.

ولا يمكن قراءة إحدى هذه الأزمات بمعزل عن البقية، فالتشابك المعقد بين المصالح المتضاربة يجعل لكل منها تأثيراً مباشراً على الأخرى، نحاول في هذا المقال تفكيك هذا التشابك لفهم الانعكاسات والتداعيات بشكل أوضح.

في ليبيا حيث يبدو الاصطفاف واضحاً، تقف تركيا وقطر بوضوح خلف الحكومة الشرعية في طرابلس، بينما تدعم الإمارات وفرنسا حفتر، لكن الأدوار المصرية والروسية الداعمة لحفتر تزيد المشهد تعقيدا.

حيث أعلن الرئيس المصري أكثر من مرة أن سرت تمثل خطاً أحمراً أمام الوفاق المدعومة تركياً رغم أن هذا الوعيد لم يرافقه أي تحرك على الأرض.

روسيا من ناحيتها اكتفت بالدعم من خلال المرتزقة وتجنبت موقفاً صريحاً في دعم حفتر، ومع وقف إطلاق النار الهش يستمر كل معسكر في حشد قواته بانتظار المعركة الحاسمة.

في شرق المتوسط تظهر نفس شبكة اللاعبين ولكن في مشهد أكثر تعقيداً، الخلاف هنا بين اليونان وتركيا حول الحدود البحرية والمنطقة الاقتصادية وحقوق شطري قبرص في المتوسط، ولكن اليونان تستفيد من دعم مصر عبر الاتفاقية البحرية التي تواجهها اتفاقية تركيا مع الوفاق الليبية.

وتعلن فرنسا بوضوح موقفها الداعم لليونان، وهنا أيضاً وبشكل غير مباشر تدعم الإمارات اليونان إعلامياً وسياسياً، وفي هذه الأزمة كذلك يسود الهدوء النسبي مع بداية المفاوضات التركية اليونانية، ولكن مع التزام تركيا بالاستمرار في التنقيب ومطالبة اليونان بدعم أوروبي أكبر تبقى الأزمة في طور التشكل.

التطبيع الإماراتي البحريني مع إسرائيل جاء في إطار هذه الأزمات وإن كان في ظروف مختلفة ولكنه ارتبط بها من حيث التوافق الإماراتي الإسرائيلي حول تحجيم الدور التركي في المنطقة.

لذلك جاءت التصريحات التركية عنيفة في هذا السياق، ويأتي الدفع بدحلان بديلاً للشرعية الفلسطينية استفزازاً خاصاً لتركيا التي تعتبره عدواً صريحاً لها لأدواره السابقة والحالية في العمل ضد المصالح التركية.

ولا شك أن النشاط الإسرائيلي للتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط يمثل عاملاً إضافياً في المواجهة بين الأطراف.

تغير شبكة المصالح في سوريا وتقلبها لا زال يشكل التهديد الأساسي لتركيا في جوارها الإقليمي، فرغم توقف الدعم الأمريكي بشكل كامل تقريباً للأكراد هناك إلا أن المراوغة الروسية التي تنتقل بين التنسيق مع الأتراك واستهداف القوات التركية بشكل مباشر تستنزف أنقرة سياسياً وعسكريا.

وخلف الستار تستمر الاتصالات الإماراتية مع النظام والداعمة لأكراد سوريا ما يمثل تقاطعاً مباشراً مع المصالح التركية، هذه التطورات أخرت الجهود التركية في تيسير عودة اللاجئين السوريين وتثبيت نظام حكم محلي مستقر في المناطق التي ترتبط أمنياً وعسكرياً بتركيا.

اندلاع الحرب بين أذربيجان وأرمينيا يؤكد تشكيلة شبكة خصوم تركيا وحلفائها، فرغم تضارب المصالح أو على الأقل غيابها بين مؤيدي أرمينيا إلا أنهم جميعاً يؤيدونها في مواجهة أذربيجان المدعومة تركيا.

روسيا وفرنسا والإمارات تربطهم علاقات حميمة مع أرمينيا، ورغم المواقف المبدئية التي تبدو متوازنة إلا أن هذه القوى أبدت دعماً سياسياً وإعلامياً وعسكرياً لأرمينيا سابقاً وآخر ذلك كان القرض الروسي لأرمينيا لشراء منظومات دفاعية وأسلحة روسية.

ورغم تواجد فرنسا وروسيا إلى جوار الولايات المتحدة في قيادة مجموعة "منسك" التابعة لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبية وهي الوسيط الرسمي بين طرفي النزاع إلا أن الموقفين الفرنسي والروسي يمثلان انحيازاً سافراً لأرمينيا.

ويشكل الغاز الرابط الأهم بين ما يحدث بين أرمينيا وأذربيجان مع أزمة شرق المتوسط. تركيا عملت خلال السنوات الماضية على تقليل اعتمادها على الغاز الروسي الذي كان يوفر قرابة 60% من احتياجات الطاقة التركية من خلال خط الأنابيب الممتد من أذربيجان والذي يصلها بأوروبا.

كما جاءت الكشوفات التركية في البحر الأسود ومحاولات الاستكشاف في المتوسط في إطار هذا الهدف، وحيث إن روسيا المتضرر الأكبر من هذه السياسة عملت على دعم نشوب عمليات عسكرية في مناطق قريبة من خط الأنابيب في أذربيجان ودعم المحور المقابل للوفاق في ليبيا؛ تحجيماً للقدرة التركية على تقليص الاعتماد على الغاز الروسي.

المحور المعادي لتركيا يتشكل من لاعبين لا يجمعهم إلا القلق من تنامي الدور التركي في المنطقة، وعليه نجد حراكاً منسقاً في كل هذه الأزمات.

فالدور الروسي في ليبيا مقترن بسياسات موسكو في الشمال السوري ومرتبط بتأجيج الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، والأدوار الإماراتية في كل هذه الملفات تأتي داعمة لخصوم تركيا حتى لو لم تكن هناك مصلحة مباشرة لأبوظبي كما هو الحال في دعم الأكراد في سوريا واليونان وأرمينيا.

أما فرنسا التي تحاول استعادة نطاق تأثيرها الاستعماري فتمثل موقفاً متقدماً ضد الأتراك حتى تحت قبة حلف الناتو ودون اعتبار للمواقف الأوروبية الأخرى، الغائب الحاضر في كل هذه التطورات هو الدور الأمريكي الذي تراجع بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.

اليوم تتحرك كل هذه الدول في الفراغ الذي خلفه غياب واشنطن، تركيا تقف اليوم أمام تحديات جسيمة لإثبات قدرتها على ممارسة دور القوة الإقليمية الفاعلة.

ومع تزايد درجة العداء تجاهها من هذا المحور ذي التركيبة المنوعة سيكون على تركيا اختيار معاركها بعناية وتكوين تحالفات صلبة في الاتجاه المعاكس، حتى تشكل جبهة إقليمية موحدة ضد مشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية.

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي المساعد بجامعة قطر

المصدر | الشرق القطرية