الأربعاء 7 أكتوبر 2020 10:33 ص

«تيك توك».. جديد التنافس الأميركي الصيني

بماذا يؤاخذ دونالد ترامب «تيك توك»؟

المعركة الكبرى هي الهيمنة بالمجال الرقمي والذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين لأجل الهيمنة العالمية.

ترامب يتهم «تيك توك» باستخدام بيانات الأميركيين وبتنزيل بيانات المستهلكين الأميركيين. هل هذا صحيح؟

العنصر الوحيد في سياسة ترامب الذي لا يختلف فيه مع «الديمقراطيين» هو موضوع التنافس مع الصين.

*     *     *

قرر قاضٍ أميركي مؤخراً السماح لشركة «تيك توك» الصينية بالاستمرار في الوجود على التراب الأميركي. وكان دونالد ترامب يرغب في منع هذا التطبيق الصيني الذي يعرف نجاحاً متزايداً في الولايات المتحدة، إذ يبلغ عدد مستخدميه هناك 100 مليون مستخدم.

ولكن بماذا يؤاخذ دونالد ترامب «تيك توك»؟ الرئيس الأميركي يتهم الشركة الصينية باستخدام بيانات الأميركيين وبتنزيل بيانات المستهلكين الأميركيين. هل هذا صحيح؟

الواقع أنه ممكن، غير أنه لا يوجد أي دليل يثبت صحة اتهامات الرئيس الأميركي، ثم إنه يمكن توجيه النوع نفسه من المؤاخذات إلى التطبيقات الأميركية. وعلى سبيل المثال، فإنه من المعروف أن وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» كانت تقوم بالتنصت على زعماء بلدان آخرين وتنزيل بياناتهم والتجسس عليهم.

ويمكن القول إن دونالد ترامب أمر ببيع «تيك توك» إلى شركات أميركية، وذلك من أجل تأمين البيانات في «سحابة» أميركية متحكم فيها بشكل جيد، وكل ذلك باسم حماية الأمن القومي.

وهكذا، قدّم اتفاقاً كانت ستصبح بمقتضاه «تيك توك» كياناً مستقلاً عن الشركة الأم الصينية، وكانت ستصبح تابعة لشركتين أميركيتين هما: شركة البيع بالتجزئة الكبيرة «وولمارت»، و«أوراكل»، وهي شركة رقمية.

لكن تبين أن الاتفاق سيسمح لـ«تيك توك» بالاحتفاظ بـ80 في المئة من الحصص، وأن الشركتين الأميركيتين لن تحصلا سوى على 20 في المئة.

والواقع أن ما لاحظناه بالخصوص هو تعبئة قوية جداً من قبل الشباب الأميركي من أجل الحفاظ على «تيك توك»، وهذا يمثّل مشكلة بالنسبة لدونالد ترامب لأنه يعاني أصلاً نقصاً في الأصوات الداعمة له بين فئة الشباب.

ولأنه إذا لامه المئة مليون مستخدم لـ«تيك توك» الذين يستخدمون التطبيق بشكل يومي تقريباً وحمّلوه مسؤولية حرمانهم من هذا النوع من الهوايات، فإن التكلفة الحقيقية لذلك من حيث الشعبية بالنسبة لترامب قد تكون كبيرة.

بيد أن رهان القوة حول «تيك توك» ليس سوى ذريعة في الحقيقة، تماماً على غرار اتهامات التجسس. فالمعركة الكبرى هي معركة الهيمنة في المجال الرقمي، وفي الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين، والهيمنة العالمية. وقد رأينا ذلك بوضوح خلال ومنذ أزمة «كوفيد 19».

فهناك تنافس قوي جداً بين الولايات المتحدة والصين ببساطة لأن الأميركيين يخشون ومرعوبون من رؤية الصين تلحق بهم. فقبل أزمة «كوفيد 19»، كان الناتج المحلي الإجمالي للصين يمثّل 65 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي.

أما هذه السنة، وبسبب أزمة «كوفيد 19»، فمن المتوقع أن تعرف الصين نمواً سنوياً يعادل الصفر، في حين من المتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، بدوره، بـ10 في المئة. وبالتالي، يتوقع أن يشكّل الاقتصاد الصيني 75 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي.

والواقع أن العنصر الوحيد في سياسة ترامب الذي لا يختلف فيه مع «الديمقراطيين» هو موضوع التنافس مع الصين. والذكاء الاصطناعي والمجال الرقمي، اللذان يُعتبران حسب معظم المراقبين عنصر القوة غداً، يوجدان بالطبع في قلب هذا التنافس على الهيمنة.

غير أنه برغبته في منع تطبيقات ذات شعبية مثل «تيك توك» من الوجود على التراب الأميركي، يريد دونالد ترامب حجب حقيقة أن الأميركيين يمكن أن يكونوا بصدد خسارة معركة المجال الرقمي أيضاً. فهذا إيريك شميدت، الرئيس التنفيذي السابق لـ«غوغل»، يقول إنه بحلول 2025 ستكون الصين قد فازت في لعبة المجال الرقمي.

اللافت هو أنه خلال الحرب الباردة، كانت أغاني فريق «البيتلز» الغنائي وموسيقى البوب والأفلام الغربية محظورة في البلدان الشيوعية وفي الصين والاتحاد السوفييتي.

كما كانت سراويل الجينز محظورة فيها أيضاً لأنها كانت تمثّل أسلوب الحياة الغربي، ولأن الأنظمة الشيوعية كانت تخشى تلوث الشباب بأسلوب الحياة الأميركي. وبالتالي، فإنها مفارقة كبيرة أن نرى اليوم انقلاب الأدوار: الرئيس الأميركي هو الذي حظر أو يريد حظر تطبيق صيني يحقق نجاحاً كبيراً بين الشباب الأميركي حتى لا يفسده هذا المنتج الصيني!

إننا اليوم وسط معركة بين الصين والولايات المتحدة ستشد انتباهنا خلال المقبل من السنوات. ولكن «تيك توك» لا يمثّل سوى رمز، ومثال بسيط من بين أمثلة أخرى للصراع والتنافس الكبير على الهيمنة، ليس فقط في الذكاء الاصطناعي، ولكن أيضاً على الصعيد العالمي بين بكين وواشنطن.

* باسكال بونيفاس مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس

المصدر | الاتحاد الظبيانية