الخميس 15 أكتوبر 2020 09:22 ص

تفكر الإمارات في منح المقيمين فيها حق التقديم للحصول على الجنسية، وهو الأمر الذي من شأنه أن يغير الاقتصاد السياسي للدولة بشكل كبير، فضلا عن علاقاتها الإقليمية، من خلال استيعاب سكانها غير الخليجيين في الطبقتين الوسطى والعليا.

وبمرور الوقت، من المرجح أن تؤدي هذه المجموعة الجديدة من المواطنين الإماراتيين ذوي الأصول الأجنبية إلى تآكل الديناميكيات القبلية والعرقية (التي شكلت منذ فترة طويلة حوكمة أبوظبي ودبي) إلى جانب الأسس الثقافية، التي تقود العديد من جوانب التعاون في الخليج العربي.

وفي 30 سبتمبر/أيلول، كشفت الحكومة الإماراتية النقاب عن تغييرات مقترحة لقانون الجنسية في الدولة من شأنها أن تيسر الطريق للمستثمرين والمقيمين على المدى الطويل لكسب مكان دائم في البلاد.

ونظرًا لأن عدد الأجانب يفوق عدد المواطنين الإماراتيين بكثير، فإن قوانين الجنسية الجديدة ستفتح الباب لظهور نخبة غير إماراتية يمكنها تحدي الطبقات البدوية والتجارية القوية في البلاد.

شكل الإماراتيون الأصليون في عام 2018 حوالي 11% فقط من سكان الإمارات، مع وجود اختلالات أقوى لصالح الأجانب في مراكز القوة الاقتصادية في أبوظبي ودبي. وتقدر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أن الغالبية العظمى من السكان المغتربين في البلاد (59.4%) هم من الهند وباكستان وبنجلاديش، كما أن المصريين (10.2%) والفلبينيين (6.1%) يشكلون نسبة ملحوظة أيضا.

في الوقت الحالي، لا تسمح دولة الإمارات إلا بالجنسية التلقائية للمولودين لوالد إماراتي واحد على الأقل.

ومن المرجح أن يكون للتغييرات في قوانين الجنسية لاحقا تأثير في التكوين الثقافي للطبقات الاقتصادية العليا في الإمارات؛ مما يقلل من الهيمنة التي يمارسها المواطنون من ذوي الأصول اليمنية والبدوية والإيرانية الذين تم منحهم الجنسية الإماراتية عام 1971.

لطالما هيمنت العائلات والقبائل على السياسة الإماراتية الداخلية والخارجية، إما كأفراد من العائلة الحاكمة أو كمؤيدين رئيسيين للعائلات الحاكمة. 

وحاليا، يحق للمواطنين فقط الوصول إلى نظام الرعاية الاجتماعية السخي في البلاد وأفضل المناصب الحكومية. وحتى وقت قريب فقط، كان المواطنون الإماراتيون هم الوحيدون المسموح لهم بإدارة الأعمال بشكل مستقل خارج مناطق التجارة الحرة القليلة في البلاد.

وقد أصبحت هناك جذور عميقة لعدد متزايد من عمال الطبقة الوسطى والعليا من العالم العربي، والذين غالبًا ما تكون بلدانهم الأصلية فاسدة وغير مستقرة. وسترحب هذه المجموعات العربية بفرص المواطنة، كما هو الحال بالنسبة للمقيمين منذ فترة طويلة من الهند وباكستان وبنجلاديش.

دفعت الرغبة في إنشاء دولة قومية حديثة أبوظبي ودبي إلى توظيف طبقة مهنية مغتربة لتوفير القوة العاملة. ويكتسب هؤلاء السكان ثروة من خلال الإقامة المؤقتة، لكن القيود الخاصة بالتقاعد والمواطنة تجبر المستثمرين عادةً على المغادرة في نهاية المطاف. 

وفي 3 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت حكومة دبي إطلاق برنامج يخفف القيود المفروضة على التقاعد طويل الأجل للمهنيين المغتربين والمستثمرين الأثرياء الذين تتراوح أعمارهم بين 55 وما فوق، بالرغم أن البرنامج لا يغير وضع جنسيتهم.

وسيؤدي منح المغتربين حق الوصول إلى الوضع السياسي الذي كان محجوزًا للإماراتيين الأصليين إلى تقليل تأثير المجتمعات القبلية والإيرانية على سياسة الحكومة، لا سيما في أبوظبي ودبي.

يعتمد الاقتصاد السياسي لدولة الإمارات حاليًا على البدو الأثرياء وزعماء القبائل التجارية الذين تنتقل قوتهم بالوراثة. ويتمتع قادة هذه المجتمعات منذ فترة طويلة بحرية انتقاد السياسات الحكومية التي سنتها العائلات المالكة السبعة في البلاد، طالما حدث ذلك تحت ستار التقاليد القبلية وبقي بعيدًا عن وسائل الإعلام العامة. ومع ذلك، فإن إضافة مواطنين جدد خارج هذا النظام القبلي من شأنه أن يمكّن العائلات المالكة في البلاد -ولا سيما "آل نيهان" في أبوظبي و"آل مكتوم" في دبي- من تقليل حجم المعارضة المحلية من خلال تزويدهم بقواعد جديدة من الدعم لمواجهة التأثيرات القبلية والإيرانية.

وساعد توطين الإيرانيين في دبي، في القرن العشرين في الحفاظ على الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين الإمارات وإيران، بالرغم أن العلاقة الاستراتيجية الشاملة بين الإمارات وطهران غالبًا ما تعتبر عدائية. ومع ذلك، لم يكن لدى أبوظبي نفس نمط التوطين للإيرانيين؛ مما ساعد في تشكيل موقف المدينة الأكثر تشددًا تجاه طهران. ومن ثم فإن التغييرات الجديدة في الجنسية ستمنح عائلة "آل نهيان" في أبوظبي مساحة أكبر لسن سياسات خارجية قومية ومعادية لإيران.

ومن المرجح أن يدعم المواطنون الجدد من غير الأصول الخليجية السياسات الحاكمة المصممة لتقليل العبء على ميزانية دولة الرفاهية، فضلا عن السياسات الخارجية القومية. كانت المقاومة بين القبائل والعائلات الإماراتية (التي تعتمد على دولة الرفاهية) بمثابة عقبة أمام الإصلاحات الاقتصادية التي من شأنها إعادة هيكلة الدولة الريعية الحالية في الإمارات. ومع ذلك، فإن إضافة مواطنين غير أصليين من شأنه أن يساعد في مواجهة هذا الأمر عن طريق الحد من سيطرتهم على المناصب السياسية والقطاعات الرئيسية للاقتصاد المعتمد على الدولة.

ولا يشترك هؤلاء المواطنون الجدد بتاريخ الإماراتيين الأصليين مع دولة الرفاهية في البلاد؛ مما يجعلهم أقل اعتمادا عليها وأكثر احتمالا لدعم جهود الحكومة للتغيير، بما في ذلك الإصلاحات الجارية حاليا.

لطالما قدمت شبكة الضمان الاجتماعي السخية في البلاد مزايا تفضيلية للإماراتيين الأصليين بغض النظر عن مهاراتهم؛ مما قلل من حافزهم لاكتساب المهارات اللازمة لدخول القطاع الخاص. في المقابل فإن العمال المقيمين (الذين قد يصبحون مواطنين) رغم تعيينهم للاستفادة من مهاراتهم، فنادرًا ما يمكنهم الحصول على مزايا الرعاية الاجتماعية.

ونظرًا لوضعهم كجيل أول إماراتي، من المرجح أن يكون المواطنون الجدد مخلصين بشكل خاص لسمة وطنية جديدة ناشئة من القومية؛ مما يقوض العلاقات الاجتماعية والثقافية للإمارات مع حلفائها الرئيسيين في الخليج العربي.

وتتركز الدفعة القومية الجديدة لدولة الإمارات على إنشاء هوية إماراتية واحدة تضم كافة الخطوط القبلية في البلاد. بالرغم أن هذه القبائل تمتد عبر الخليج العربي.

وتملك العديد من القبائل الرئيسية في الإمارات فروعا في دول أخرى مثل قطر والبحرين والكويت والسعودية وعمان. ساعدت هذه العلاقات التجارية والاجتماعية والسياسية التي تعود إلى قرون على ترسيخ الهوية الإقليمية المشتركة التي دعمت مجلس التعاون الخليجي. وفي أوقات الأزمات، شهدت وقوف دول الخليج العربي كفريق واحد ضد المعتدين الخارجيين.

ومع ذلك، أدى ظهور نزعة قومية أكثر تشددا بين القادة الإماراتيين في السنوات الأخيرة إلى إضعاف علاقات الإمارات مع الدول المجاورة التي لا تتوافق سياساتها الخارجية مع أهدافها الاستراتيجية الإقليمية في أماكن مثل إيران وليبيا واليمن. وقد ساعد هذا بدوره على إثارة النزاعات بين أبوظبي وجيرانها من أعضاء مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك الحصار المستمر على قطر وحملات الضغط على عمان.

المصدر | ريان بول / ستراتفور- ترجمة وتحرير الخليج الجديد