الجمعة 16 أكتوبر 2020 01:17 م

أصدرت المخابرات الخارجية الروسية بيانا مؤخرا جاء فيه أن المواجهة المسلحة المتصاعدة في ناجورنو كاراباخ أصبحت "مثل المغناطيس تجتذب المسلحين من مختلف أنواع الهياكل الإرهابية الدولية".

وقال جهاز المخابرات الروسي إنه بحسب المعلومات المتوفرة لديه، فإن "مرتزقة من المنظمات الإرهابية الدولية التي تقاتل في الشرق الأوسط - ولا سيما جبهة النصرة، وفرقة الحمزة، وفرقة السلطان مراد، وكذلك الجماعات الكردية المتطرفة - يدخلون بشكل نشط إلى منطقة الصراع. علاوة على ذلك، فإن هناك آلاف المتطرفين الذين يأملون في كسب المال من حرب كاراباخ الجديدة".

ومع ذلك، فإن البيان يحتوي على معلومات غير دقيقة. على سبيل المثال، لم تعد هناك مجموعة تسمى "جبهة النصرة" منذ أوائل عام 2017، حيث اندمجت مع مجموعات أخرى لتصبح "هيئة تحرير الشام".

وفي حين أن البيان ضم فرقة "الحمزة" وفرقة "السلطان مراد" ضمن "المنظمات الإرهابية الدولية" العاملة في ناجورنو كاراباخ، فإن هذه الجماعات ليست مدرجة في قوائم عقوبات الأمم المتحدة الدولية ولا معترف بها كمنظمات إرهابية بموجب القانون الروسي.

وبالمثل، فإن أسماء هذه المجموعات لا تظهر في القائمة الفيدرالية للمنظمات المحظورة في روسيا. وفي حين أن وجود مقاتلين من فرقة "الحمزة" وفرقة "السلطان مراد" في الصراع الأرمني الأذربيجاني مدعوم بأشكال مختلفة من الأدلة، لا يوجد دليل مقنع على وجود مقاتلين من "هيئة تحرير الشام" في أذربيجان.

من ناحية أخرى، فإن مثل هذا البيان القوي بشأن القوات التي يُزعم أن تركيا تستخدمها لدعم أذربيجان كان "متوازنًا" من خلال إشارة المخابرات إلى وجود "متطرفين أكراد" في منطقة الصراع. حيث كان البيان في هذه الحالة، يشير إلى الجماعات التي تدعم أرمينيا. ولم يتم ذكر الأسماء مباشرة، على الأرجح من أجل عدم تعريض العلاقات بين موسكو والأكراد السوريين للخطر.

يعتبر وصول المسلحين السوريين إلى أذربيجان موضوعًا حساسًا للغاية في روسيا فالرأي العام الروسي لا يفرق بين المعارضة المعتدلة والمتطرفة في سوريا، سواء المجموعات السورية الموالية لتركيا أو المقاتلين من التنظيمات الإرهابية المتطرفة.

وفي حين أن ذكر المخابرات الروسية لجبهة "النصرة" لا يؤدي إلا إلى صب الزيت على النار ويمكن استخدامه كحجة لتدخل موسكو في المستقبل في هذا الصراع إلى جانب يريفان - بحجة محاربة الإرهاب – فإن ذلك لن يكون بلا تحديات.

تم فصل أرمينيا عن روسيا عن طريق جورجيا وأذربيجان، لذلك لن تتاح لموسكو فرصة الحصول على ممر لنقل قواتها إلى أرمينيا أو لاستخدام الطيران العسكري.

في الوقت نفسه، لا يشكل وصول المقاتلين السوريين إلى أذربيجان عاملاً كبيرًا للتدخل المحتمل في الصراع بقدر ما هو مصدر انتقادات داخلية للكرملين. وبالرغم من التصريحات الأخيرة المتكررة، لم تتمكن روسيا من تحقيق الهدف "الداخلي" الرئيسي للعملية العسكرية في سوريا (منع ظهور الجماعات الإرهابية على طول حدود روسيا). حيث أصبح المقاتلون السوريون في أذربيجان، على بعد 50 ميلاً فقط من الحدود مع روسيا.

في هذا السياق، كان من المفيد للجانب الروسي التأكيد على وجود "مجموعات كردية متطرفة"، والتي، بحسب جهاز المخابرات، جاءت للمشاركة في الصراع إلى جانب أرمينيا. وبالرغم من عدم وجود دليل مباشر على ذلك حتى الآن، فإن الانتشار المحتمل لوحدات حزب العمال الكردستاني أو المنظمات التابعة له في منطقة النزاع الأرمني الأذربيجاني سيكون شديد الحساسية لتركيا. وإذا تم تأكيد هذه المعلومات، فبدلاً من أن تزيل أنقرة "التهديد الكردي" على الحدود الجنوبية للبلاد، أصبحت هناك "بؤرة إرهابية" على الحدود الشمالية لتركيا. وقد يكون هذا أحد تكاليف دعم تركيا لأذربيجان.

في حالة تعطل وقف إطلاق النار في كاراباخ واستئناف الأعمال العدائية على نطاق واسع، لا يمكن استبعاد أن تكون روسيا مهتمة بإشراك وحدات عسكرية إضافية صديقة ليريفان ومعادية لأنقرة. وستجد أرمينيا، ذات الموارد المحدودة للغاية، صعوبة متزايدة في القتال من أجل ناجورنو كاراباخ دون مساعدة خارجية. يمكن أن تصبح الجماعات الكردية عنصر دعم وموازنة لمقاتلي الفصائل السورية.

وإذا لم يكن من الممكن وقف الصراع، فقد يضطر الجانب الروسي أيضًا إلى اتباع سيناريو دعم أرمينيا الذي يشبه ما جرى في ليبيا. أي أن موسكو ستتجنب التدخل العسكري المفتوح في الصراع بينما تحاول توجيه المساعدة إلى الجانب الأرميني. وتجدر الإشارة إلى أن القوات المسلحة الأرمينية تشارك في الأعمال العدائية، تحت علم "جمهورية أرتساخ" غير المعترف بها على أراضي أذربيجان. بينما تعتبر موسكو سلطات "أرتساخ" غير شرعية، لكن عدم تقديم روسيا الدعم لحليفها سيكون خسارة كبيرة لسمعتها.

وشوهد ذلك في ليبيا، حيث افتقر أمير الحرب الشرقي "خليفة حفتر" إلى الشرعية ولم يكن بوسع روسيا التدخل علانية، وفي الوقت نفسه، جاءت مجموعة "فاجنر" لدعم قوات "حفتر".

ومع ذلك، هناك تساؤلات حول ما إذا كان بإمكان روسيا استخدام الشركات العسكرية الخاصة مثل "فاجنر" في الصراع في ناجورنو كاراباخ. فمن ناحية، ستنظر باكو إلى وجود مرتزقة روس أو ناطقين بالروسية "بمظهر سلافي" باعتباره مشاركة روسية مباشرة في احتلال الأراضي الأذربيجانية ودعم عسكري لقوات الاحتلال.

تود روسيا تجنب مثل هذه الاتهامات. من ناحية أخرى، تحدث رجل الأعمال الروسي "يفغيني بريغوزين"، الذي يشرف وفقًا لبعض المصادر على أنشطة الشركات العسكرية الروسية الخاصة، وألقى باللوم على أرمينيا والولايات المتحدة في إطلاق العنان للصراع. وفي مقابلة مع صحيفة "أيدينليك" التركية، قال إنه لا يرى مشكلة في حقيقة أن أنقرة تقدم مساعدة عسكرية إلى باكو.

وقال "بريجوزين": "طالما لم يعبر الأتراك حدود أرمينيا، فلهم الحق القانوني في التدخل في نزاع كاراباخ".

وأضاف: "بعد وصول رئيس الوزراء نيكول باشينيان إلى السلطة في أرمينيا، ظهرت العديد من المنظمات غير الحكومية الأمريكية في البلاد. هذا هو جوهر المشكلة. الأمريكيون يثيرون الصراع ".

في الوقت نفسه، تمتلك القوى السياسية الروسية المهتمة بدعم أرمينيا فرصًا أخرى لتقديم المساعدة العسكرية غير الحكومية إلى يريفان، باستخدام مقاتلين أجانب بدلاً من مجموعة "فاجنر". وقد حدثت ممارسة مماثلة بالفعل خلال الصراع الليبي من خلال تجنيد سوريين لتجنب ظهور الأشخاص ذوي المظهر الأوروبي العاملين في صفوف قوات "لحفتر".

وبحسب موقع "نيوزرو" الإخباري، بدأت عملية نقل السوريين إلى ليبيا من دمشق في عام 2019.

هناك أيضًا تقارير تفيد بأن المجندين الروس انضموا إلى جهود إشراك السوريين في الصراع في ليبيا من خلال فتح نقاط تجنيد في جنوب سوريا ودمشق ودير الزور. وتقول بعض التقارير إن مقاتلي المعارضة السابقين تلقوا وعودًا براتب شهري قدره 1000 دولار وإعفاء من الملاحقة الجنائية مقابل موافقتهم على القتال في الخارج. ومع ذلك، لم يتم الوفاء بجميع هذه الالتزامات بالكامل بعد عودة هؤلاء السوريين من ليبيا.

ويمكن استخدام مخطط مشابه لمخطط استخدام المرتزقة في ليبيا من أجل دعم أرمينيا. ومع ذلك، في هذه الحالة، سيشارك الأكراد السوريون بدلاً من العرب السوريين في القتال إلى جانب التشكيلات الأرمنية. وليس من الضروري أن يكون هؤلاء المقاتلين من وحدات حماية الشعب.

ومن المعروف أن الجانب الروسي حاول نهاية عام 2019، استقطاب أكراد سوريين للمشاركة تحت لواء القوات العميلة له من خلال تنظيم مراكز تجنيد للمسلحين في مدينتي عامودا وتل تمر. ولن يصبح ظهور المسلحين الأكراد في أرمينيا مثيرًا للسكان المحليين، حيث تعيش جالية كبيرة من الأكراد الإيزيديين في البلاد، التي تحافظ على علاقات وثيقة مع رجال القبائل السورية والعراقية.

وحتى الآن، تنفي تركيا وأذربيجان وجود مرتزقة بالرغم من وجود العديد من الشهادات والبيانات من الأجهزة الأمنية والمسؤولين في العديد من الدول. وفي وقت سابق، اتخذت روسيا موقفا مماثلا بشأن ليبيا، حيث نفت وجود مرتزقة روس، وتجاهلت العديد من الحقائق والبيانات الصادرة عن أجهزة استخبارات دول أوروبية وأمريكية وتركيا.

المصدر | كيريل سيمنوف/ المونيتور – ترجمة وتحرير الخليج الجديد