الخميس 17 سبتمبر 2015 04:09 ص

هناك تطابق مدهش بين الحالة التي يمر بها العراق والقول الأثير للمبدع السينمائي الفرنسي جان لوك غودار: نحن نواجه الموت بصورتين، الأولى عدم احتمال المحتمل، والأخرى احتمال غير المحتمل.

وإذا كان السياسي الصيني الفذ دنغ هشياو بنغ قد قال في العام 1978 عن برنامجه الاصلاحي بأنه الثورة الثانية في الصين، فإن القلة من مناهضي الاحتلال الاميركي للعراق يرددون بأن إصلاحات حيدر العبادي هي الاحتلال الثاني للبلاد.

فالشعارات التي رُفعت في الميادين اقتصرت على مطالب اقتصادية محضة أولاً، ولم توجه إصبع الاتهام الى الاحتلال الاميركي أبداً، ولم يتحدث من يشرف على التحركات عن مخاطر «داعش» العسكرية والنشاطات الخفية الجارية من أجل تقسيم العراق وازدياد التدخلات الإقليمية لـ«الكوندومينيوم» الاحتلال (المزدوج الأمريكي الإيراني) في العمق الاجتماعي والسياسي للوطن.

التظاهرات و«المؤامرة»

واللافت أن بعض المواقع الإعلامية القريبة من الاحتلال نوهت الى وجود مؤامرة حقيقية هدفها إطاحة حكومة العبادي وأن هناك مخططاً سرياً لتحقيق ذلك، وأن المرجعية حين وردتها هذه الأخبار سارعت الى تحذير العبادي ومحاولة إنقاذه ودفعه للقيام بسرعة بجملة من الإصلاحات، تقطع الطريق أمام رؤوس التآمر وتمهد الأرض لتغيير معين في طبيعة العلاقات الطوائفية الراهنة.

علماً أن التبعثر القيادي السياسي هو السائد، ولا يمكن البتة بناء قيادة موحدة للحكومة أو لأي مكون سياسي في تركيبتها العقيمة والهشة. وهذا ما توضَّح من خلال ردود الفعل السريعة والمتغيرة من قبل رموز العصابات الطوائفية، سواء أكان إزاء التظاهرات أو حيال الإصلاحات التي طرحتها حكومة العبادي. والمضحك أن السنجق الكردي قد سجل هدفاً متميزاً حين طالب بحصته من الإصلاحات المطروحة، وحسب الدستور العراقي.

واذا كان البعض يتصور أن هذه التحركات «هواء في شبك»، فإن حصول الأحداث التالية قد أجبر بعض المراقبين على إعادة تقييمهم لما يحدث في إطار الأزمة العامة في الإقليم المحيط بالعراق:

أولاً، مساهمة الميليشيات المسلحة «للتشيع السياسي» مباشرة في التظاهرات تحت تسمية «الحشد الشعبي المدني» بقيادة قيس الخزعلي رئيس تنظيم «عصائب أهل الحق».

ثانياً، دعوة ومساهمة الصدريين في التظاهرات بعد فترة زمنية مدروسة، وقد تحولت مباشرة الى تظاهرات ضد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

ثالثاً، الحضور الواضح للعديد من منظمات «المجتمع المدني» المشبوهة، (أكثر من خمسة آلاف منظمة) والمرتبطة تنظيماً وتمويلاً بالاحتلال وأجهزته السياسية والإعلامية. وقد برزت شعارات سريعة من قبل هؤلاء رُفعت غصباً ضمن المطالب الاقتصادية والتي كانت تركز على المحاصصة والفساد. ومن أهم هذه الشعارات الدعوة الى دولة «مدنية» رافقتها حملة إعلامية دؤوبة لشرح هذه المفردة.

وفي هذا السياق برزت محاججة غبية ورثَّة تدافع عن الدولة «المدنية» وتقول «لا» بوقاحة عميلة للدولة «العلمانية»، وتهاجمها بضراوة وتتوسل سياسياً وبخنوع الى نداءات المرجعية ونصائحها اليومية. كما انها سارعت علناً الى تأييد العبادي والمحتل الأميركي في خطوات الإصلاحات التي طرحت.

ومن الجدير بالذكر أن هذه الدعوات قد التقت مباشرة مع الشعارات والتصريحات التي أدلى بها قيس الخزعلي الى الصحافة والفضائيات وكانت تتضمن:

أولاً، دولة مدنية لا دور فيها للشيوعية الكافرة وتعتمد على الهوية الإسلامية وأن الظروف غير ملائمة للحكم الديني.

ثانياً، على الكرد الانفصال أو تحقيق الكونفدرالية المشتركة بينهم وبين العراق.

ثالثاً، تغيير النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي.

الدولة المدنية أم العلمانية؟

إن الإصرار على المقاربة الفلسفية المنحطة لإعلام الاحتلال، يذكِّرنا بقول السياسي والمشرع الروماني الشهير شيشرون: بأن «الفلسفة هي طفل الجهالة»، وأن هذه التنظيرات الخائبة ليست إلا جزءاً من «البلاهة الثقافية» التي يعممها الاحتلال الأميركي، والتي شرحها بشكل موهوب الكاتب والصحافي والمسرحي الروسي المبدع اندريه فلتشيك، ودرسها بعناية فائقة من خلال تغطيته العميقة للاحتلالات الأميركية ودور المثقفين العملاء في دعمها والترويج لثقافتها الاستعمارية.

ويمكن أيضاً الاستدلال بالمصادر المهمة التي تفضح شعار الدولة «المدنية» الزائف وتثبت بديله، الدولة العلمانية، المهم والناجح في الكثير من الدول في العالم والذي يربط بصورة مادية عضوية بين الاستقلال السياسي والسيادة الوطنية من جهة، وتحقيق العدالة وحكم القانون من الجهة الثانية.

ويحق لنا التأكيد هنا بأن «العلمانية» التطبيقية الشفافة ستكون الصمغ المناسب لربط الأقانيم المذكورة في سياق بناء الدولة ـ الأمة، وتحقيق وحدة الجماهير الكادحة أمام طغيان سلطاتها السياسية في الداخل والاستبداد الأميركي الإمبريالي وعدوانه المسلح في الخارج.

ولا شك أن الناصرية، مع الإقرار بأخطاء عديدة لها، قد أنجزت خطوات مهمة في هذا الميدان وعرقلت صعود الإسلام السياسي الى الحكم ومضمون أفكاره الطائفية والتكفيرية.

يقول الدكتور حبيب سروري عالم الحاسوب والروائي اليمني القدير والمستلهم عبارة «رامبو» «الحرب الروحية لا تقلّ شراسة عن معارك الفرسان»، إن مفهوم الدولة المدنية انبثق أساساً غداة اندلاع ما يسمى بـ«الربيع العربي».

ويعرِّفها دعاتها بأنها دولة تحقق جملة من المطالب المتعلقة بالمواطنة المتساوية وبالديموقراطية وحقوق الإنسان، وتستمد قانونها من الشريعة الإسلامية!

بهذا المعنى، فإن الدولة «المدنية» هنا لا تختلف كثيراً عن الدولة «الدينية» في الممارسات الاجتماعية، بينما هي تختلف بصورة مفصلة عن الدولة «العلمانية»، وتحديداً في الشروحات العميقة التي نعثر عليها في كتابات الراحل نصر أبو زيد أو الباحث عزيز العظمة أو المفكر عبد الله العروي.

هذه الفروقات تتركز في التأكيد بأن «العلمانية» لا تتضمن أبداً فصل السياسة عن الدين ولا أيضاً فصل الدين عن المجتمع، وإنما هي بالجزم فصل «السلطة السياسية» عن الدين. من هنا، فإن أحد أهم المنجزات الثقافية السياسية للدولة العلمانية هو الغاؤها المطلق لشرعية أي «فتوى» دينية أو سياسية تمس فكراً معيناً أو حياة مؤسسة أو عالماً أو مفكراً. وقد ازدحمت الحياة العراقية في ذلك منذ العهد الملكي وسطوة البونابرتية العسكرية وحتى في زمن الاحتلال. 

فالتشريع القانوني لمحاربة الشيوعية في ظل الملكية وبكونها من المبادئ الهدامة، كان موقفاً سياسياً بمضمون ديني، بينما كانت فتوى المرجعية الشيعية في 14 شباط 1960 أثناء حكم عبد الكريم قاسم البونابرتي موقفاً دينياً ذا مضمون سياسي.

من هذه الزاوية، فإن الدولة المدنية هي تزييف فكري مهلهل لمفهوم الدولة العلمانية، والتي وإن تبنتها العديد من الأمم، فإنها تظل ناقصة دائماً ولن تكتمل إلا من خلال تطور المجتمع اقتصادياً أولاً، وتقدمه فكرياً ثانياً، وتثبيته بشكل قاطع ومن دون أي تفسير أو تأويل أن لا إكراه داخل الدين أو خارجه.

فكيف يمكن أن تُبنى دولة «مدنية» يتساكن فيها عيدان من نمط «الغدير» و«السقيفة».

من الضرورة التأكيد أيضاً أن العقد الاجتماعي في الدولة العلمانية ليس قانوناً يمكن تغييره، بل هو روابط انسانية مستمدة من العقل المستنير ومن «براكسيس» النشاط السياسي للنخب والجماهير معاً.