الخميس 17 سبتمبر 2015 05:09 ص

ترتجف القوى الحاكمة في العراق من بعض المفردات الشائعة في الحياة. وهي تعتقد بصورة قاطعة وضمن خيالها الطوائفي أن أي شعار يلحق الضرر بتحكمها السياسي أو مصالحها الاقتصادية هو اعتداء أثيم على ملكيتها «الجماهيرية»، وأن التفاهمات البينية داخل عصابة الحكم كفيلة للوصول إلى اتفاقات مهمة (من نمط اتفاق أربيل الشائن) تضع حداً فاصلاً بين «العملية السياسية» التي تديرها وبين الأعداء الذين يتربصون بها. 

وكما قال الجلاد باقر صولاغ إن هذه التظاهرات «أمر دبِّر بليل»! والتجربة التاريخية التقدمية منذ القرن السابع عشر تشير إلى أن هناك علاقة جدلية مادية عضوية بين الإصلاح والثورة. وهما عملياً دلوان في بئر واحد حين يهبط أحدهما يرتفع الآخر في سياق التطور الحرّ للتاريخ.

لكن الإصلاح أو الثورة، وكل منهما قد يؤدي إلى تغيرات حاسمة في اللوحة الاجتماعية وهياكلها السياسية، هو هدف علني لتشويه مضامينهما من قبل الفكر الرجعي المرتبط بالنظام الرأسمالي العالمي.

وهناك نموذجان، الأول هو السياسي الأنكلوإيرلندي إدموند بيرك (1727ـ1797)، والثاني هو الكاهن الكاثوليكي التشيكي برنارد بولزانو (1781ـ1848)، أعطيا صورة عن المقاومة الضارية لفكرة الثورة وأطروحاتها الاجتماعية والسياسية.

لكن اللافت في سجالات الطرفين أن كلاً منهما حين يندفع في العداء للثورة لا يتخلّى أيضاً عن مناهضته الكاملة للتطور الحر للتاريخ، والذي يتضمّن عملياً صوراً متعدّدة ومتغيّرة للتحولات الاجتماعية، وخاصة الكبرى منها، في التاريخ وتحديداً في القرون التي شهدت صعود الرأسمالية وامتدادها في الكوكب.

فحين يطالب بيرك بأهمية التدرّج في الإصلاحات، يهتمّ بالحفاظ على النظام بأركانه من دون حدوث تغييرات أساسية تفرّط بمضمونه الاجتماعي التاريخي. أليس هذا ما يحدث في العراق المحتلّ، حيث تطالب «الماركسية الاحتلالية» بالإصلاحات تحت سقف العملية السياسية، وفي ظل البرنامج العلني للمرجعية التي ساهمت فعلياً في تحقيق الدستور وتثبيت حكم المحاصصة الطوائفية؟

إن الحفاظ على هذه «المنجزات» هو الحفاظ على الاحتلال. ويمكن القول أيضاً إن بولزانو في تأكيده في كراسه المهم «حول الدولة الجيدة»، يقرأ في الإصلاحات نفسها التي رتلها بيرك قبله. وقد أضاف إليه، ضمن إطار التوسعات الاستعمارية، أن الدعوة إلى الإصلاحات المتدرجة و «السلمية» هي العمود الفقري لديه في بناء «الإدارات الاجتماعية» الصغيرة واتحادها لاحقاً في هيكل سياسي وظائفي أكبر، وصولاً إلى زمن تنفيذ كونفدراليات متآخية ومسالمة تسعى إلى التفاهم ومكافحة كل النزعات بالقوة الحربية الضارة.

أليس هذا هو ما تطالب به منظمات المجتمع المدني الاحتلالية في العراق وتساعدها بعض التيارات المرتدّة والملتصقة بها، والتي ذكرت في إحدى نشراتها الأخيرة بأهمية إشهار القوى المتحركة «امتعاضها» مما يحصل في الوطن؟

الإصلاح وسيلة أم غاية؟

إن الجذور الفعلية للأزمة الخانقة الآن تصور بطريقة ساذجة أحياناً وخبيثة أحياناً أخرى. فالبعض يدّعي أن الأزمة تمت بصلة إلى الفشل السياسي لحكومة العبادي في تنفيذ برنامجها الوزاري أثناء اتفاقها مع عصابة الحكم كلها. والآخر يحاول أن يعيد الأذهان إلى الصراعات الإقليمية الراهنة وتأثيراتها، مثلاً، الاتفاق النووي الأميركي - الإيراني على الحالة العراقية.

أما طرف آخر، وليس الأخير، فهو القول بصراحة سمجة أن الخلاف بين «التشيّع» العراقي بقيادة المرجعية «النجف» و «التشيّع» الإيراني في قم هو المسؤول عن انفجار الشارع، وأن هذا الخلاف يتحدّد بقضية «ولاية الفقيه»، وهو الذي حرك المياه الراكدة في التحالف الوطني وجعل من الصراع الداخلي فيه ما يرفع من وتيرة الاحتراب السياسي حول المسائل التالية:

أولاً، قيادة العملية السياسية من دون منازع والقبول بالتشاركية تحت لواء «التشيّع السياسي».

ثانياً، الأخذ بزمام «التحالف الوطني» وإبعاد القوى الأخرى، ولا سيما «المجلس الأعلى» برئاسة عمار الحكيم، عن زعامته.

ثالثاً، الاستيلاء على مقاليد حزب «الدعوة» الحاكم وتصفية التيارات المتصارعة المتباينة وتثبيت قيادة جديدة للمرحلة المقبلة.

رابعاً، بعد الفشل الذريع للجيش الحكومي، وقد صرفت أميركا عليه أكثر من 25 مليار دولار من دون جدوى، يجري الإعداد اليومي ليكون «الحشد الشعبي» الراهن مع الميليشيات الطوائفية المسلحة الأخرى هو العنوان الرئيس للصراع العسكري المقبل. ففي ذروة التظاهرات، حذر «هادي العامري»، قائد «قوات بدر»، من أن بغداد في خطر وقد تتعرّض إلى هجوم عام من قبل «داعش».

من هنا، يحق الاستنتاج من دون مغامرة أن عملية «الإصلاح» المطروحة ما هي، من وجهات نظر مختلفة، إلا مقدّمة سياسية رجراجة يُراد منها أن تكون أنبوبة اختبار للصراع المركّب الحالي، ولمحاولة العثور في هذه المعمعة على استخلاصات سياسية معينة لمعرفة معالم الطريق الجاري.

فالتركيز، مثلاً، على تقليص الوزارات ومحاربة الفساد شفوياً والمناداة بالتقشف، وهي كذبة رخيصة في مستنقع المحاصصة الطوائفية، كلها لا تجدي فتيلاً في ظل استمرار العملية السياسية مع الاحتلال الثاني للعراق، والإصرار الأميركي دائماً على النقاط التالية:

أولاً، أن الحرب على «داعش» ستستمر إلى مدة طويلة قد تستغرق على الأقل عشر سنوات.

ثانياً، أن التقسيم وارد دائماً للحفاظ البيولوجي على المكوّنات من التقاتل الداخلي وعرقلة إمكانية تسلّط مكوّن على مكوّن آخر.

ثالثاً، أن الكرد باقون كالجاثوم في العراق من أجل تحقيق التنوّع الاجتماعي والسياسي والحفاظ على التوازن الديموغرافي والاعتناء المشترك والاستفادة من الثروة النفطية.

التغيير والدستور

في خضم التظاهرات والمناوشات داخلها وفي مجرى القرارات الكرتونية للحكومة والتراشقات فيها، طافت على سطح الصراعات جثث عديدة منها التنابذ حول دستورية هذه القرارات وصولاً إلى شرعية التظاهرات نفسها. والدستور الذي تحجّ إليه دائماً عصابة الحكم في «العمرة الطوائفية»، لا يمكن المحاججة فيه لأنه أكثر من حمّال أوجه.

ما يثير السخرية أن البرلمان، قلعة الفساد، قد توصّل الآن وفجأة إلى إقرار قانون الأحزاب السياسية للبلاد، وإلى أن يثبت بند فيه بتمويل حكومة المحاصصة الطوائفية شهرياً لهذه الأحزاب الاحتلالية المتفسخة. وهذا التمويل الفاسد الجديد سيفتح الأبواب، ولا يغلقها كما يوحي البعض، أمام ارتزاق حزبي داخلي أو تمويل خارجي بغلاف داخلي، ضمن عقيدة «دراهم القدرة» التي تحدّث عنها المؤرخ الراحل جواد علي في كتبه المضيئة.

وإذا كان الدستور هو عملياً حجر الزاوية في الخلافات الطوائفية السياسية الحاكمة وهو المصدر الأساسي للمحاصصات في السلطة السياسية ونهب الموارد، فكيف يعقل أن تتخذ الحكومة الطوائفية قرارات بالإصلاح في ظل دستور مكتوب ليكبل الناس ويمنعهم من الدفاع عن حياتهم ناهيك عن حقهم في النضال من أجل الخلاص من الاحتلال وعصاباته؟

لقد كُتب الدستور بصورة شريرة لا ليحمي العملية السياسية ويشرّع الاحتلال فقط، وإنما أيضاً ليمنع تعديله بصورة سليمة وشفافة أو إتلافه نهائياً إن اقتضت الضرورة.

فالبرلمان ضمن المحاصصة الطوائفية الوسخة قادر على تخليد الدستور إلى يوم الدين. ومن ثم يبدو واضحاً وبلا جدال بأن الطريق السليم إلى الإصلاح يمر إلزامياً بالإلغاء الشامل للاحتلال والعملية السياسية والدستور والبرلمان وتحت شعار «لن يمروا مرة ثانية».

إيضاحات لا بد منها

إن التظاهرات الحالية طالت أو قصرت لا بدّ أن تشارك بها وبرغم أنف كل المشرفين عليها، القوى المتضرّرة من الاحتلال والطوائفية والعرقية الكردية، وفي مقدّمتها جماهير النازحين من محافظاتهم ومدنهم وبيوت سكنهم. من دون ذلك لن تكون هذه التظاهرات سوى حبوب «البلاسيبو الملوّنة - placebo» ذات التأثيرات الكاذبة والنتائج المريبة.

إن الإجراءات القسرية الجوفاء الأخيرة، والتي يسمّيها إعلام الاحتلال بالمبادرات الشجاعة التي طرحت من خارج الإرادة الشعبية المنظمة، تحتاج دائماً وفي ظل الأوضاع الشاذة للاحتلال وعمليته السياسية المغلقة، إلى إسناد مشترك من قبل الجهات «الدينية» برغم مزاعمها شبه المدنية، وإلى الجهات «المدنية» برغم ادعاءاتها شبه الدينية.

إن العملية السياسية الآن معطوبة بصورة كاملة وهي تشبه ساعة قديمة توقفت عن العمل، وتظهر وكأنها معصومة من الناحية الشكلية بفعل القوة العسكرية للاحتلال و «الكوندومينيوم» ولكنها عاجزة تماماً عن الحركة.

عندما توضع الجماهير المسحوقة دائماً في جهالة مطبقة عما يحدث بدقة في المجتمع والحكومة، فإنها عملياً ستخضع إلى لغة أخرى مموّهة ويمكن أن يُستبدل وعيها اليومي المطحون بآلام المعيشة، والصور المباشرة بمفاهيم خاطئة عما يمكن أن يحصل في المستقبل القريب. وهي أيضاً قد تميل إلى تناوب تحوير الموقف السياسي إلى دعوات دينية، أو الموقف الديني إلى دعوات سياسية.

وهذا ما يعقد موقفها من اللوحة الاجتماعية ويعرقل اندماجها الواعي مع التيار السياسي الذي يطالب بالتغيير سواء من خلال الإصلاح أو الثورة. إن المحاولات الديماغوجية بتقسيم العلاقة بين «الدين والسياسة» في المأزق الحالي ما هي إلا لعبة تتكرّر في ظل المناخ الفكري اليميني للاحتلال وثقافة النخب البلهاء المؤيدة له.

إن الحديث عن ثنائية النجف ـ قم تذكّرنا بقول منظّر المحافظين الجدد ليو شتراوس بالثنائية التاريخية العنصرية: العقل ـ اثينا، الوحي ـ اورشليم الصهيونية.

إن هذه الثنائية الاحتلالية هي إحدى الوسائل الوسخة من أجل تحويل الدين إلى طائفة وتحويل الطائفة إلى دين، ومن ثم الإسراع في غلق الأبواب أمام كل المحاولات التي تُبذل من أجل الوحدة الوطنية بكل أبعادها الاجتماعية والدينية والسياسية.

إن المعادلة التي تطرحها الليبرالية العميلة للاحتلال هي التالية: الدولة «المدنية» تعني بقاء العملية السياسية واستمرار الاحتلال الثنائي الأمريكي الإيراني («الكوندومينيوم»)  وعشعشة المحاصصة الطوائفية في الحكومة والمجتمع وتعويق بناء الدولة الوطنية المنشودة.

بينما تؤكد شعارات الدولة «العلمانية» على ضرورة الربط المحكم بين إنهاء الاحتلال و «الكوندومينيوم» وتصفية العملية السياسية والمحاصصة الطوائفية وتحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية لبناء العدالة وحكم القانون وتحقيق «الايمان الحر» الواعي على المستويات القانونية والاجتماعية والسياسية كلها.