الأربعاء 21 أكتوبر 2020 07:40 ص

أعلن الرئيس "دونالد ترامب"، يوم الإثنين، أن الولايات المتحدة سترفع السودان من قائمتها للدول الراعية للإرهاب، ما يمهد الطريق أمام الدولة الشرق أفريقية للانضمام إلى النظام المالي العالمي بعد ما يقرب من 3 عقود من كونها دولة منبوذة دوليًا، كما يمهد الطريق للخرطوم لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

كانت الولايات المتحدة قد وافقت سابقًا من حيث المبدأ على رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد أن وافقت السودان على دفع مئات الملايين من الدولارات لأسر ضحايا الهجمات الإرهابية على سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998 وتفجير سفينة للبحرية الأمريكية في اليمن عام 2000.

واتهمت الولايات المتحدة النظام السوداني السابق بدعم تلك الهجمات التي نفذتها "القاعدة" تحت قيادة "أسامة بن لادن".

قد ينهي هذا الإعلان العقود الثلاثة من النبذ الدولي للسودان، ولكن الأمر يأتي بتكلفة.

ضغط خلف الكواليس

لكن في الأسابيع الأخيرة، رفضت إدارة "ترامب" الاتفاق، ورفضت الإعلان عنه ما لم يوافق السودان أولاً على الاعتراف بإسرائيل، وبالتالي تحقيق فوز دبلوماسي آخر لإدارة "ترامب" قبل انتخابات 2020، وفقًا لمسؤولين حاليين وسابقين مطلعين على الأمر.

جاء الإعلان يوم الإثنين بعد شهور من المفاوضات وراء الكواليس والتي استبعدت مكتب شؤون أفريقيا في وزارة الخارجية إلى حد كبير من المداولات، وفقًا لمسؤولين حاليين وسابقين ومساعدين في الكونجرس على دراية بالموضوع.

وقال المسؤولون إنه بمقتضى الاتفاق النهائي الذي تم التوصل إليه في نهاية الأسبوع ، سيعلن "ترامب" إزالة السودان من قائمة الإرهاب.

وفي المقابل -بالإضافة إلى خطة لدفع أكثر من 300 مليون دولار للتعويض عن العمليات الإرهابية- من المتوقع أن تعلن الحكومة الانتقالية السودانية أنها ستبدأ عملية تطبيع العلاقات مع إسرائيل في الأسبوع المقبل.

هذه أولوية قصوى لإدارة "ترامب" بعد إرساء الأساس للإمارات والبحرين لإقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل في وقت سابق من هذا العام.

ووصف المسؤولون المطلعون المفاوضات بين الولايات المتحدة والسودان بأنها مشحونة ومتوترة بالنظر إلى ضغوط إدارة "ترامب" على السودان للاعتراف بإسرائيل، وهي خطوة حساسة سياسياً في هذه الدولة العربية، حيث تكافح حكومة ما بعد الثورة هناك مع الهشاشة السياسية واقتصاد على شفا الانهيار.

كما قالت المصادر إن الولايات المتحدة عرضت على السودان بهدوء مجموعة من الإغراءات الاقتصادية والسياسية، لتيسير الصفقة، ويشمل ذلك مساعدات إنسانية إضافية، ومؤتمرًا تجاريًا واستثماريًا أمريكيًا، إلى جانب تنظيم وفد تجاري رفيع المستوى إلى السودان بقيادة مؤسسة تمويل التنمية، مع تعهد من الولايات المتحدة بتسريع المناقشات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من أجل الإغاثة الاقتصادية التي تشتد الحاجة إليها، بالإضافة إلى المساعدات الأمريكية لتخفيف الديون.

إعادة ضبط العلاقات

شهد السودان في 2019 إطاحة الثورة الشعبية بالزعيم السلطوي القديم "عمر البشير"، بعد قرابة 3 عقود في السلطة، اتُهمت خلالها حكومته بدعم الجماعات الإرهابية، وتفشي انتهاكات حقوق الإنسان، والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في إقليم دارفور في البلاد.

وقال "كاميرون هدسون"، الخبير في شرق أفريقيا في المجلس الأطلسي والدبلوماسي السابق: "من وجهة نظر رمزية، فإن هذه حقًا نهاية حاسمة لعهد البشير، وهي تعيد ضبط العلاقة مع الولايات المتحدة بعد أن كانت على مسار عدائي للغاية طوال الجزء الأكبر من 30 عامًا. أما من الناحية العملية، فيعد هذا انتصارًا سياسيًا كبيرًا للحكومة الانتقالية ويفتح قنوات جديدة للتمويل والدعم الاقتصادي الذي تحتاجه البلاد بشدة".

وتعثرت الحكومة الانتقالية الجديدة، بقيادة رئيس الوزراء "عبدالله حمدوك"، في ظل الخلافات السياسية والاقتصاد الضعيف، إلى جانب الصراعات الداخلية على السلطة، حيث لا تزال عناصر من نظام "البشير" السابق تحتفظ بسلطة.

وكانت السودان وكوريا الشمالية وسوريا وإيران هي الدول الأربعة الوحيدة على قائمة وزارة الخارجية للدول الراعية للإرهاب، حيث تم وضع السودان على القائمة للمرة الأولى في عام 1993.

مصادقة الكونجرس مهمة

وبإعلان "ترامب"؛ تبدأ عملية بموجبها يحوّل السودان 335 مليون دولار إلى حسابات ضمان، ستوزع بدورها على ضحايا وأسر ضحايا الهجمات الإرهابية في التسعينات مع توصل الكونجرس إلى اتفاق لمنح السودان "السلام القانوني" وحل الدعاوى القانونية ضدها؛ ولا تزال المفاوضات في الكونجرس جارية.

سيبلغ الرئيس الكونجرس بنيته إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وما لم يعرب الكونجرس عن رفضه، فإن الترتيب سيمر.

وقال "إد رويس"، عضو الكونجرس الجمهوري السابق الذي شغل منصب رئيس لجنة الشؤون الخارجية ويمثل الآن بعض أسر ضحايا تفجيرات السفارة عام 1998: "وفق أي مقياس موضوعي، هذه خطوة تاريخية إلى الأمام بالنسبة للسودان".

وأضاف: "لكن هذا سيحدث فقط إذا صادق الكونجرس على هذه الصفقة، مهما كانت انتماءاتك السياسية، فإن القيام بعمل صحيح لصالح الضحايا وعائلات أولئك الذين فقدوا حياتهم في هجمات إرهابية مثل تفجير نيروبي عام 1998 هو شيء يجب أن يتفق الطرفان على وجوب القيام به، وأنا أشجع القادة في كل من مجلس الشيوخ ومجلس النواب على التصرف".

حرصت إدارة "ترامب" على استبعاد الدبلوماسيين المخضرمين من المحادثات، وأبقت فقط مجلس الأمن القومي وبعض كبار المسؤولين في وزارة الخارجية.

وقال مسؤولون حاليون وسابقون إن مكتب الشؤون الأفريقية والمبعوث الخاص لوزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" إلى السودان، "دونالد بوث"، تم تهميشهما إلى حد كبير خلال المفاوضات.

رفضت وزارة الخارجية التعليق، وأحالت الأمر إلى البيت الأبيض، ولم يرد البيت الأبيض على طلب للتعليق.

صداع السودان لن ينتهي

لكن حتى إعلان "ترامب" قد لا يكون نهاية للصداع الذي يعانيه السودان، أو يمنحه حق الوصول الكامل إلى الأسواق المالية العالمية، حيث لا يزال السودان يواجه مزاعم قانونية لم تحسم بعد من عائلات ضحايا الإرهاب، بما في ذلك ضحايا هجمات 11 سبتمبر/أيلول.

وعمل الكونجرس منذ شهور على دفع التشريعات التي من شأنها أن تمنح السودان "سلامًا قانونيًا"، ومن ثم إعفاؤها من المزيد من الدعاوى القانونية في المحاكم الأمريكية كدولة ذات سيادة.

ولكن، أطلقت بعض عائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر/أيلول حملة لإقناع المشرعين بمعارضة مثل هذه الخطوة، قائلين إنهم يريدون فرصتهم في المحكمة لتحديد ما إذا كان السودان يتحمل أي مسؤولية عن الهجمات.

والحقيقة أن بعض المسؤولين الأمريكيين شككوا سرًا فيما إذا كان النظام السوداني السابق قد لعب أي دور في تلك الهجمات، حيث كان "بن لادن" قد غادر السودان ليتواجد في أفغانستان في ذلك الوقت.

إذا لم يتحقق السلام القانوني، فلا يزال بإمكان المحامين الذين يمثلون عائلات ضحايا الهجمات الإرهابية إعاقة التعاملات التجارية بين الولايات المتحدة والسودان من خلال ملاحقة أي أصول سودانية موجودة في الولايات المتحدة.

المصدر | روبي جرامر | فورين بوليسي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد