الأربعاء 21 أكتوبر 2020 11:14 ص

من هنا وهناك، إشارات تهدئة، ورسائل غزل، وقريبا ربما تفاهمات بين القاهرة وأنقرة حول ملفات ملحة في المنطقة، قد تتجاوز الخلافات سعيا نحو مصالح مشتركة.

ولا شك أن تغيرات جمة على الساحتين الإقليمية والدولية، تفرض نفسها على أجندة الجانبين المصري والتركي، وتدفع ربما إلى تغيير بوصلة العلاقة المتأزمة بينهما منذ الانقلاب العسكري في مصر، يوليو/تموز 2013.

من ليبيا إلى شرقي المتوسط، ومن ترسيم الحدود إلى صراع الغاز، ومن البيزنس إلى "الإخوان"، يبدو أن ثمة إدراكا لدى استخبارات البلدين، بالحاجة الماسة إلى نوع من المصالحة، أو مستوى ما من التهدئة بين البلدين.

من يدعم هذا التوجه؟ وهل يحظى بموافقة القيادة السياسية في البلدين؟ وإلى أي مدى قد تصل التنازلات المطلوبة لتحقيق هذا التقارب؟ وكيف يمكن للقاهرة السير بعيدا عن توجهات المعسكر الإماراتي السعودي؟..

تساؤلات عدة تبحث عن إجابات بين طيات رسائل الغزل المتداولة بين الطرفين.

هدنة إعلامية

في يونيو/حزيران الماضي، بدأ منسوب الاتصالات التركية - المصرية، في الارتفاع استخباراتيا ودبلوماسيا، عقب تأزم الوضع في ليبيا، مع اشتداد وتيرة الصدام على خط "سرت-الجفرة"، وتحرك حشود مصرية بالقرب من الحدود الغربية لدعم قوات الجنرال المهزوم والموالي للقاهرة "خليفة حفتر".

وفي أغسطس/آب الماضي، أطلق الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" أول إشارة صريحة نحو وجود تواصل بين البلدين، قائلا إن "الجانب المصري طلب في لقاء مع دبلوماسيينا مؤخرا إزالة سوء التفاهم الحاصل مع تركيا".

لكن مستشار رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، "ياسين أقطاي"، كان أكثر صراحة، حينما استبعد مواجهة تركية مصرية على الأراضي الليبية، قائلا: "الجيش المصري جيش عظيم، نحن نحترمه كثيرا، لأنه جيش أشقائنا"، متهما الإمارات وفرنسا بتحريض مصر على قتال تركيا.

وحث مستشار "أردوغان"، في مقابلة مع موقع "عربي21"، سبتمبر/أيلول الماضي، أنقرة والقاهرة، على التواصل بغض النظر عن أي خلافات سياسية بين الرئيس التركي ونظيره المصري "عبدالفتاح السيسي"، متعهدا بصون مصالح المصريين في ليبيا.

وفي رد مصري بدا متحفظا، طالب وزير الخارجية المصري "سامح شكري"، الجانب التركي بالأفعال وليس الأقوال، دون نفي وجود تواصل بين الجانبين على أي من المستويات الاستخباراتية أو الدبلوماسية.

وفي الشهر ذاته، كشف وزير الخارجية التركي، "مولود جاويش أوغلو"، أن بلاده عرضت على مصر اتفاقية اختصاص بحري، مؤكدا أن محادثات "استخباراتية" جارية بين البلدين.

وفي 14 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، عبر المتحدث باسم الرئاسة التركية "إبراهيم قالن" عن استعداد بلاده للتقارب مع مصر "حال تبنت أجندة إقليمية إيجابية"، واصفا مصر بأنها "دولة من الدول الهامة في المنطقة والعالم العربي".

ورد وزير الدولة لشؤون الإعلام المصري "أسامة هيكل"، بعدها بأيام، نافيا وجود أزمة بين الشعبين المصري والتركي، مطالبا أنقرة بتهيئة المناخ للحوار الناجح.

أجندة مختلفة

إزاء مضامين رسائل التهدئة، والغزل، المتداولة بين الجانبين، يبدو أن ثمة رغبة متزايدة لدى جهازي الاستخبارات في البلدين، نحو تجاوز حالة التوتر في العلاقات، والوصول إلى تفاهمات معينة، بشأن عدد من الملفات، خاصة في ليبيا وشرقي المتوسط.

ومن حيث أراد النفي، أكد "السيسي" خلال كلمة له للقوات المسلحة، قبل أيام، وجود اتجاه لدى مؤسسات في البلاد نحو التهدئة، قائلا إنه "لن يتصالح مع خصومه"، في إشارة إلى جماعة "الإخوان" وتركيا.

وأضاف: "لا تصالح مع من يريدون هدم بلادي، ومع من يؤذي شعبي وولادي"، وفق قوله.

وما بين تأكيدات المسؤولين الأتراك، وتصريحات "السيسي"، يبدو أن الاتصالات الجارية لم تتجاوز مرحلة بناء الثقة والقيام بخطوات لتخفيف التوتر.

وفي تطابق بين ما نشره "الخليج الجديد"، و"القدس العربي"، الشهر الجاري، هناك اتفاق عام على هدنة إعلامية بين البلدين، بعد صدور تعليمات من أجهزة سيادية مصرية إلى وسائل الإعلام بتخفيف حدة الخطاب ضد تركيا و"أردوغان"، مقابل تعليمات مشابهة صدرت من الأجهزة السيادية التركية لوسائل الإعلام هناك.

وربما تمهد تلك الهدنة، لتفاهمات سياسية وأمنية تراعي مصالح البلدين، وتقفز فوق الخلافات القائمة، لاسيما بعد بروز الدور التركي في ليبيا، وما ترتب عليه من تقارب فرضته مجريات الأحداث بين مصر وحكومة "الوفاق" الموالية لأنقرة.

ثانيا، قد تكون التهدئة بين البلدين اضطرارية، خاصة مع قرار تركيا الحاسم بحتمية التفاهم معها حول حقوق التنقيب عن الطاقة شرقي المتوسط، وعدم الاعتداد بأية اتفاقات لترسيم الحدود، دون مراعاة مصالحها.

ولا شك أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية التركي-الليبي، الذي رفضته مصر، رغم أنه يصب في صالحها، يجعل من أنقرة لاعبا رئيسا في منطقة شرقي المتوسط، يجب على الأقل التفاوض معه، وربما التفاهم لاحقا، والتقارب معه.

وتبرز علاقات الاقتصاد والبيزنس كمحرك قوي وراء التهدئة الاضطرارية، مع ارتفاع الميزان التجاري بين البلدين بنسبة 20% ليتجاوز 5.2 مليار دولار في 2018، مقارنة بـ4.38 مليار دولار خلال العام الذي سبقه.

ووفق الكاتب والمحلل السياسي التركي المعروف، "حمزة تكين"، فإن العلاقات بين تركيا ومصر لم تنقطع إلا على المستوى الرئاسي فقط، مشيرا إلى استمرار التعاون السياحي، والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين.

شعرة معاوية

ثمة استقراء لتوجه تركي نحو عدم استعداء مصر خلال الفترة الأخيرة، مع محاولة تحييدها بعيدا عن أجندة المعسكر الإماراتي السعودي المناوئ لأنقرة.

يعزز منحى الدبلوماسية التركية النشطة، فشل رهانات القاهرة على "حفتر"، وانفراد أبوظبي بهندسة خطوات التطبيع الخليجي والعربي مع الكيان الإسرائيلي بشكل متسارع، يبدو أنه أغضب القاهرة.

ومع تداول تقارير غير رسمية عن توجه سعودي لحل الأزمة الخليجية مع قطر، دون النظر إلى مطالب مصر من الدوحة، قد تكون البراجماتية السياسية من القاهرة هي سيدة الموقف.

تظل التعقيدات قائمة بشأن التقارب المحتمل أو الاضطراي -إن صح التعبير- خاصة مع استمرار حالة العداء بين نظام "السيسي"، وجماعة "الإخوان"، التي تأوي تركيا معظم قياداتها في الخارج، وتبث قنواتها المعارضة من هناك.

وتشترط تركيا بدرجة أساسية حصول تغيير سياسي حقيقي في مصر يمكن أن يكون على شكل مصالحة وطنية، إلى جانب وقف الاعتقالات السياسية والإعدامات للمعارضين.

في المقابل، تشترط مصر، وقف قنوات المعارضة التي تبث من تركيا، وتسلم قيادات معارضة، بدعوى إدانتها في قضايا عنف وإرهاب، والانسحاب التركي من ليبيا، وهي شروط صعبة، لكن مائدة التفاوض والحوار معنية في الأساس بالبحث عن حلول وسط، خاصة حال ارتفاع مستوى التنسيق، وانتقاله من دوائر الاستخبارات إلى الحكم.

الخلاصة أن هناك هوى استخباراتيا، ودبلوماسيا، من البلدين، نحو التهدئة، بغية مصالح مشتركة يفرضها الواقع، لكن "السيسي" ربما يجمد مسار التفاهم؛ إرضاء لقوى إقليمية أخرى، أو خشية تقديم تنازلات جوهرية تتعلق بالداخل المصري، لكن المؤكد أنه لن يقطع شعرة معاوية.

المصدر | الخليج الجديد