اختبر فيروس "كورونا" عددًا من الصناعات مثل الطيران والسياحة. وفي منطقة الخليج، شهدت هذه القطاعات بالفعل عمليات تسريح جماعي للعمال. وقد يكون تعافي شركات الطيران الخليجية وقطاع الضيافة أكثر صعوبة مما هو عليه في المناطق ذات الأسواق الكبيرة. ولكن هذه الأزمة تحمل في طياتها فرصة لإجراء تغييرات هيكلية من شأنها تعزيز القدرة التنافسية للمنطقة. ولكن هل سيكون لدى الحكومات رؤية لإعطاء الأولوية للمكاسب طويلة الأجل على الأهداف قصيرة الأجل التي يمكن أن تحبس تلك الصناعة في مسار أقل استدامة؟

وبالرغم من الضغوط لخفض التكاليف والمخاوف بشأن زيادة المعروض، ظل قطاعا الطيران والسياحة من المساهمين الرئيسيين في الإيرادات غير النفطية لدول الخليج. وقد ساهم القطاعان قبل الوباء بنحو عُشر الناتج المحلي الإجمالي ودعما ما مجموعه 1.4 ملايين وظيفة في الإمارات والسعودية.

وفي دبي، استحوذ الزوار الأجانب على 25% من مبيعات التجزئة السنوية، ووظف مطار دبي الدولي وحده 90 ألف شخص.

ومع ذلك كانت الخسائر الاقتصادية وفقدان الوظائف مذهلا. تم توقع أن تنخفض حركة المسافرين في الشرق الأوسط في عام 2020، إلى نصف توقعات العمل المعتاد، مما يتسبب بخسائر تصل إلى 5 ملايين وظيفة و 180 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي في قطاع السفر والسياحة.

ورغم تخفيض الرواتب، تشير التقديرات إلى أن أكبر 3 شركات طيران في المنطقة، طيران الإمارات، والخطوط الجوية القطرية، والاتحاد، قد استغنت بالفعل عن آلاف الوظائف. ويمكن أن يصل إجمالي التسريحات في النهاية إلى عشرات الآلاف.

حتى مع حملة طيران الإمارات لجذب الزوار مرة أخرى إلى دبي، ظلت حركة الطيران في مطار دبي الدولي بين منتصف سبتمبر/أيلول ومنتصف أكتوبر/تشرين الأول أقل من ثلث متوسط ​​المستويات الشهرية لعام 2019.

ورغم أن الفنادق استفادت جزئيا من السياحة المحلية، فإن الصمود بالنسبة للكثيرين سيظل يعتمد على الانتعاش في السفر المتعلق بالاجتماعات والمؤتمرات والمعارض في الربع الأخير من عام 2020، والتي قد لا تتحقق مع الانكماش الاقتصادي وعقد المؤتمرات عبر الفيديو كونفرانس.

كما أعادت قيود السفر إشعال الجدل حول الأداء البيئي للطيران، الذي يُعد من أكثر الصناعات كثافة في استخدام الكربون في العالم، حيث أن رحلتي ذهاب وإياب عبر المحيط الأطلسي تعادل انبعاثات عام كامل من قيادة السيارة. وفي فترة ما قبل الجائحة، كان الطيران مسؤولاً عن 2.5% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية – أي أقل بقليل من إجمالي انبعاثات دول مجلس التعاون الخليجي الست. 

سيتطلب مواءمة الطيران مع أهداف اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ مزيجًا طموحًا من التحسينات التكنولوجية والتشغيلية، لكن أنواع الوقود البديلة، بما في ذلك الهيدروجين والوقود الحيوي، لم تصل بعد إلى النضج التكنولوجي أو التكافؤ في الأسعار مع الأنواع التقليدية. وكانت ضرائب الكربون التي تفرضها الحكومات، (والتي يمكن أن تشجع على إجراء تخفيضات بشكل أسرع) محدودة للغاية حتى الآن بحيث لا يكاد يكون لها تأثير.

وتعد السياحة سببا رئيسيا آخر، حيث يقدر أنها مسؤولة عن 8% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية. وتشمل آثاره البيئية والاجتماعية السلبية ارتفاع استهلاك المياه والطاقة والتلوث البلاستيكي. ويساهم قطاع الضيافة في الإمارات، بشكل كبير في هدر الطعام، ويقدر أنه يتسبب في خسائر بقيمة 3.5 مليار دولار سنويًا.

ومن غير المتوقع أن يعود الطيران العالمي إلى مستويات حركة الركاب لعام 2019 قبل عام 2024 وذلك بسبب قيود السفر المطولة، وانخفاض الطلب على رحلات العمل، وضعف ثقة المستهلك. وبالرغم من التفاخر بعدد متزايد من شركات الطيران منخفضة التكلفة، إلا أن اعتماد الخليج على النقل لمسافات طويلة والأسواق المحلية الصغيرة نسبيًا سيعوق الانتعاش في قطاع الطيران والسياحة. في الوقت نفسه، يوفر التوقف الإجباري فرصة لفصل النمو المستقبلي عن الأثر البيئي.

دعت الأمم المتحدة الحكومات إلى "إعادة البناء بشكل أفضل" عن طريق توجيه تدفقات إنفاقها الهائلة على التعافي إلى "الوظائف الخضراء" والنمو المستدام. ويقود الاتحاد الأوروبي هذه الجهود من خلال "الصفقة الخضراء" وهدف "الحياد الكربوني" لعام 2050. ولكن حتى في أوروبا، فإن عمليات إنقاذ قطاع الطيران، التي تبلغ تكلفتها حاليًا حوالي 38.5 مليار دولار، تحتوي على القليل من الشروط البيئية الملزمة.

وكان الطموح الدولي ضعيفًا بنفس القدر، فتحت الضغوط الاقتصادية، وافقت منظمة الطيران المدني الدولية التابعة للأمم المتحدة في يونيو/حزيران على تخفيف القواعد الخاصة بمخططها لخفض الكربون في الطيران الدولي، والذي كان محور الجهود العالمية للحد من الانبعاثات. وكانت جميع دول الخليج التي لديها شركات طيران كبرى أكدت مشاركتها في المرحلة الأولى من الخطة والتي بموجبها من المتوقع أن تصفّر شركات الطيران أي نمو للانبعاثات بداية من عام 2021.

ستستخدم القواعد الجديدة انبعاثات شركات الطيران لعام 2019 كخط أساس، بدلاً من متوسط ​​انبعاثات 2019 و2020، والتي في ظل الظروف الحالية كانت ستجعل خط الأساس أكثر صرامة. ومن المتوقع أن يوفر ذلك لشركات الطيران 15 مليار دولار من تكاليف الموازنة، ولكنه سيعرقل أيضا الحوافز الاقتصادية للاستثمار في نماذج التشغيل ذات الانبعاثات المنخفضة وخفض الانبعاثات ذات الصلة لعدة سنوات قادمة.

وفي حالة عدم وجود إشارات اقتصادية أو سياسية قوية على المستوى الدولي، فإن المسارات المستقبلية لشركات الطيران الخليجية ستعتمد إلى حد كبير على بعد نظرها. وتقدم بعض الإعلانات الأخيرة الأمل في هذا الصدد حيث دعا الرئيس التنفيذي لشركة "الاتحاد" للطيران في مقابلة أجريت مؤخرًا إلى تقديم إعانات حكومية لدعم سرعة امتصاص الوقود الحيوي. وفي يناير/كانون الثاني، أعلنت شركة الطيران عن هدف لانبعاثات الكربون الصافية لعام 2050، وكانت تختبر التقنيات الخضراء مع شركة "بوينج" في ذروة الوباء. وفي أغسطس/آب، كان مطار الشارقة الدولي أول مطار في الخليج يحصل على اعتماد الحياد الكربوني.

ليس هناك حل سحري لخفض الانبعاثات بسرعة، وهناك حاجة إلى مزيج من السياسات والإجراءات. ويجب أن يشمل ذلك استخدام بدائل عالية الجودة. منذ أواخر عام 2019، صفّرت شركة النقل البريطانية "إيزي جيت" الانبعاثات المرتبطة بالوقود من جميع رحلاتها، مما يدل على أن صافي الصفر ممكن بالفعل.

وعلى المدى الطويل، ستترك "عمليات التعافي" شركات الطيران متأخرة أكثر في عالم يبتعد عن الوقود الأحفوري. وفي حين أن الحد من الانبعاثات من الطيران قد ينطوي على بعض المقايضات مع النمو متوسط ​​الأجل للقطاع، فإن إلحاح أزمة المناخ يتطلب اتخاذ خيارات جريئة الآن. ويجب أن تشمل خطط التعافي المستدام في صناعات الطيران والسياحة في الخليج على خلق وظائف لائقة ومستدامة والتوافق مع أهداف المناخ العالمية.

في المقام الأول، يجب أن تركز سياسات تنشيط صناعة السفر على خلق الوظائف التي تدعم المسارات الخضراء، وتوفر مصادر دخل مستدامة، وتضمن الحماية الاجتماعية. وقد حددت دراسة استقصائية للقادة الماليين لمجموعة العشرين في أبريل/نيسان الإنفاق على البحث والتطوير في مجال التكنولوجيا النظيفة والاستثمارات في البنية التحتية للطاقة النظيفة باعتبارها سياسات تعافي ذات تأثير مضاعف إيجابي على المناخ والاقتصاد على المدى الطويل.

لذلك يجب أن تتضمن خطط الانتعاش دعمًا لأنماط بديلة للنقل والسياحة المستدامة. ويمكن أن يصبح مشروع سكة ​​حديد دول مجلس التعاون الخليجي، الذي يهدف إلى ربط دول الخليج، مصدرًا لخلق فرص العمل والعمود الفقري للسفر الإقليمي المستدام.

وقد يؤدي الاستغناء عن القوى العاملة الأجنبية كاستراتيجية لخفض تكلفة الصناعة إلى نتائج عكسية من خلال الخسائر الاقتصادية الأوسع التي يسببها انخفاض طلب المستهلكين. لذلك يجب أن يكون التركيز أيضًا على برامج التعليم وإعادة التدريب. وتتمتع صناعة السياحة على وجه الخصوص بمساحة واسعة للابتكار حول نماذج واستراتيجيات الأعمال المستدامة. ولا تزال السياحة الثقافية والبيئية في طور البداية ولديها إمكانات كبيرة لدعم النمو الاقتصادي في المنطقة، والتنويع، وأجندات اقتصاد المعرفة.

ويمكن أن تساعد الاستثمارات في البحث والتطوير في مجال التكنولوجيا المستدامة أيضًا في خلق فرص العمل وتعزيز القدرة التنافسية طويلة الأجل. كما أن دعم تطوير أنواع وقود الطيران المستدامة - وتحديداً الوقود القائم على الهيدروجين سيكون مفيداً بشكل خاص بالنظر إلى حجم التخفيضات المحتملة للانبعاثات.

وفي حين أن صناعة الطيران كانت تحت ضغوط لزيادة الكفاءة وخفض التكاليف لعدة سنوات، إلا أن احتمالية تحقيق كفاءة تشغيلية أكبر عبر صناعة السياحة الخليجية لا تزال كبيرة. وقد تمكن فندق واحد في دبي من توفير ما يعادل 70 ألف وجبة سنويًا مع برامج إدارة نفايات الطعام.

ويجب على الحكومات ضمان وضع صناعة السفر على مسار متوافق مع اتفاقية باريس من خلال التنظيم والأدوات الاقتصادية. ويمكن أن يبدأ هذا بتشجيع الصناعة على تحديد أهداف "الحياد الكربوني" مع مراحل متوسطة الأجل. ويمكن أن توفر أنظمة تداول الانبعاثات المحلية حوافز إضافية للسوق وزيادة في درجة اليقين. كما أن حزم الإنقاذ غير المشروطة لشركة الطيران ومتطلبات الأداء البيئي المخففة في المناطق الأخرى غير مفيدة. وينبغي أيضًا إعادة تقييم الحاجة إلى مطارات جديدة وقدرة فندقية جديدة في ضوء توقعات النمو المنقحة والواقعية.

ويمكن أن تأتي "تدابير التحفيز الخضراء" أيضًا في شكل حوافز للشركات التي تختار ممارسات أكثر استدامة بيئيًا واجتماعيًا. ويمكن ضمان الامتثال بجعل المساعدة مشروطة بتلبية معايير الاستدامة.

على المدى القصير، سيكون الجمع بين الأرباح والوظائف والاستدامة البيئية ممكنًا جزئيًا فقط للطيران. وبهذا المعنى، قد يكون الوباء نعمة مقنعة، لأنه يمكّن الصناعة من تقليص حجمها مؤقتًا أثناء الاستعداد لانتعاش أكثر مراعاة للبيئة. في غضون ذلك، سيكون لدى الحكومات الخليجية أيضًا فرصة لإعادة التفكير في السفر والسياحة والظهور كرائد في خلق نمو ووظائف مستدامة حقًا.

المصدر | ماري لومي - معهد دول الخليج- ترجمة وتحرير الخليج الجديد