في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، تحل ذكرى انطلاق حرب الاستقلال الجزائرية، ومعها يُطرح الدستور الجديد للبلاد للاستفتاء، بعد أكثر من عام ونصف على انطلاق الاحتجاجات التي أطاحت بحكم الرئيس السابق "عبدالعزيز بوتفليقة".

ومن شأن التغييرات المقترحة بالدستور الجديد تعديل جانب رئيسي من العقيدة العسكرية الجزائرية، فمنذ استقلالها عن فرنسا عام 1962، تفاخرت الجزائر بحظر الدستور للتدخل العسكري في دول أخرى ولكن الدستور الجديد سينهي ذلك الحظر.

ومع استمرار الأزمة الليبية وتوسع تنظيم "القاعدة" وتنظيم "الدولة الإسلامية" في منطقة الساحل، تأمل الجزائر أن تساعد التغييرات الدستورية في إبقاء هذه التهديدات الأمنية قيد الاحتواء.

إعادة التفكير في العقيدة العسكرية الجزائرية

وحظر الدستور الجزائري لعام 1976 مشاركة الجيش في العمليات الخارجية، ما أدى فعليا إلى إبطال القدرات العسكرية الكبيرة للبلاد والتأثير في سمعتها باعتبارها ثاني أقوى جيش في أفريقيا بعد مصر، كما ترك الدستور البلاد عرضة للخطر وغير قادرة على الاستجابة للتهديدات الأمنية في المنطقة.

على سبيل المثال، لم تستطع الجزائر التدخل في ليبيا عام 2011، وقد مهد ذلك الطريق لتدخل الناتو غير المنتظم، والذي حول البلاد إلى ساحة معركة مفتوحة، كما أن الجزائر لم تكن قادرة على الرد عسكريا على عملية اختطاف 7 دبلوماسيين جزائريين في مدينة جاو المالية عام 2012، واختارت الحكومة آنذاك إجراء محادثات سرية مع الخاطفين.

كما رفضت الجزائر أيضا طلبات فرنسا عام 2012 للمشاركة في عملياتها لمكافحة "الإرهاب" في مالي والنيجر، وهو موقف كررته عندما التقى الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" بقائد الجيش الجزائري في عام 2017.

وفي عام 2013، هاجمت حركة "المرابطون"، وهي جماعة تابعة للقاعدة مقرها مالي، محطة غاز "عين أميناس" على طول الحدود الجزائرية الليبية، واحتجزت مئات العمال الجزائريين والأجانب كرهائن.

وأسفرت عملية إطلاق سراحهم عن مقتل 68 شخصا، بينهم 38 أجنبيا و29 من المهاجمين وحارس أمن، ولمنع وقوع هجمات في المستقبل، عزز الجيش الجزائري فقط دفاعاته على الحدود، بدلا من تنفيذ عمليات عبر الحدود.

ومع ذلك، شاركت الجزائر في بعض العمليات الخارجية المختارة بعناية، وأرسل الرئيس السابق "هواري بومدين" جنودا جزائريين للقتال إلى جانب مصر في حربي 1967 و1973 ضد إسرائيل.

وحتى بعد الحظر، أرسلت الحكومة وحدات رمزية للمشاركة في مهام حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في أنجولا وهايتي وجمهورية الكونغو الديمقراطية والحدود الإريترية الإثيوبية.

وسيمكن الدستور الجديد الرئيس من إرسال قوات إلى الخارج في مهام حفظ السلام أو الأمن، إذا حصل على دعم الثلثين في البرلمان للعمليات، وتتلمس المؤسسة العسكرية القوية مزيدا من القوة في الدستور الجديد، الذي تعتقد أنه سيساعد في توحيد الدولة المنقسمة أيديولوجيا وعرقيا ويمنحها القدرة على مواجهة التهديدات الأمنية الخطيرة، لا سيما في ليبيا ومالي.

ويريد الرئيس "عبدالمجيد تبون" استعادة سمعة الجزائر كوسيط دولي كبير، وفي الماضي، استضافت مدينة الجزائر توقيع العديد من الاتفاقيات التاريخية، مثل اتفاق 1975 الذي حسم الخلاف العراقي الإيراني حول ممر شط العرب المائي، واتفاق 1981 بين الولايات المتحدة وإيران الذي حرر 52 رهينة أمريكية تم احتجازهم في طهران، واتفاقية السلام لعام 2000 بين إثيوبيا وإريتريا.

ولكن حتى مع القدرة على شن حرب في الخارج، فمن المحتمل أن يكون الجزائريون حذرين من القيام بذلك. فقد أدت حرب الاستقلال في البلاد إلى مقتل أكثر من مليون شخص، وكلفتها الحرب الأهلية التي استمرت 10 أعوام أكثر من 200 ألف شخص، وبالتالي، أصبحت النخبة السياسية وكذلك المؤسسة العسكرية تنفر من حدوث صراع واسع النطاق.

لكن الجزائريين يدركون أنهم يعيشون في منطقة معرضة لعدم الاستقرار، وبالتالي، تستعد البلاد لممارسة النفوذ في ليبيا بشكل مستقل عن مصر وتركيا والجهات الأجنبية الفاعلة الأخرى لإقامة توازن بين جميع اللاعبين المختلفين في المنطقة.

واجهة ديمقراطية

ومن الناحية النظرية، يهدف الدستور الجديد أيضا إلى إنشاء نظام حكم أكثر ديمقراطية، وهو التغيير الذي طالب به المتظاهرون بعد عقدين من حكم رئيس واحد.

ويمنح الدستور الجديد المواطنين الحق في تكوين الجمعيات وتنظيم المظاهرات دون إذن من الحكومة، ويوجد في الجزائر بالفعل 40 حزبا سياسيا (سواء أكان قائما أم تحت التأسيس) وأكثر من 15 ألف منظمة غير حكومية.

وبموجب الدستور الجديد، يكلف رئيس البلاد رئيس الحزب أو الائتلاف الحزبي الرئيسي بتشكيل مجلس الوزراء في غضون شهر واحد من الانتخابات العامة. وإذا كان غير قادر على القيام بذلك، فيمكن للرئيس اختيار شخص آخر لتشكيل حكومة بغض النظر عن حجم حزبه في البرلمان.

كما تم إدخال حدود للولاية الرئاسية، حيث يمكن للرئيس أن يخدم فترتين متتاليتين أو منفصلتين مدة كل منهما 5 أعوام. ومع ذلك، سيمنح الدستور الجديد الرئيس سلطات ساحقة، بما في ذلك سلطة تعيين القضاة، ورئيس المحكمة العليا، وكبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، كما سيتمكن الرئيس وفق الدستور الجديد من استخدام حق النقض ضد المبادرات البرلمانية وحل البرلمان، وستمتد سلطاته الرقابية إلى وزارتي الداخلية والخارجية.

وانتقدت مجموعات المعارضة بشدة غياب المساءلة الرئاسية ومنح الرئيس نفوذ خارج السلطة التنفيذية، وربما لن يكون من قبيل المبالغة وصف دور الرئيس بموجب الدستور الجديد بأنه دور شبيه بدور المرشد الأعلى لإيران.

وبالإضافة إلى ذلك، سيتم الاعتراف بالأمازيغية كلغة وطنية، وإن لم تكن على قدم المساواة مع اللغة العربية، اللغة الرسمية للبلاد، وبالرغم من المحاولات المبكرة لتجنب الإشارة إلى الإسلام على أنه دين الدولة، تراجعت لجنة الدستور، بعد معارضة ساحقة من الأحزاب السياسية الإسلامية.

الدستور تحت القصف

ويرى معارضو الدستور الجديد، بدءا من الإسلاميين إلى اليساريين والاشتراكيين، أنه ليس أكثر من حيلة تتجاهل أكثر من 18 شهرا من مطالب المحتجين بإصلاح سياسي حقيقي.

ويجادل البعض أيضا بأن إشراك الجيش في مهام قتالية خارجية من شأنه أن يخاطر بتوريط البلاد في حرب استنزاف ويستدعي أعمالا انتقامية إرهابية.

بالإضافة إلى ذلك، يتجاهل مشروع الدستور تراث الشعب الجزائري وتاريخه وقيمه، كما يمنح وضعا خاصا لبعض البلديات الأمازيغية، في خطوة نحو اللامركزية، التي يعارضها الإسلاميون والقوميون بشدة.

وإذا وافق الناخبون على الدستور الجديد فسيكون السابع في الجزائر خلال 58 عاما، وقد فشلت الإصدارات الـ6 السابقة في تحديث الاقتصاد وإضفاء الطابع الديمقراطي على الحكم وإبقاء تركيز الجيش على الدفاع الوطني، ومن غير المرجح أن تكون النسخة الجديدة مختلفة.

وفي أحسن الأحوال، لن يفعل الدستور الجديد سوى تحويل انتباه الجمهور بعيدا عن سيطرة الجيش المفرطة على حياة الناس.

المصدر | هلال خاشان | جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد