الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 11:09 ص

يشير تطبيع العلاقات بين (إسرائيل) والإمارات ثم البحرين بعد وقت وجيز إلى أن الشرق الأوسط يمر بنقلة نموذجية استراتيجية، مع تجاهل الفلسطينيين وتركهم في العراء. لكن إذا كان هناك شخص يعتقد أن أقدم صراع مستمر في المنطقة قد انتهى، فعليه أن يفكر مرة أخرى.

وفي أوائل أكتوبر/تشرين الأول، زار وزير الخارجية الألماني "هايكو ماس" النصب التذكاري للهولوكوست في برلين مع نظيريه الإسرائيلي والإماراتي.

ولم يكن هناك طريقة أفضل للاحتفال بالتطبيع الأخير للعلاقات بين الإمارات و(إسرائيل).

وفي الواقع، لم يكن لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بموجب اتفاقات التطبيع في الصيف علاقة تذكر باحترام الماضي. بل ربما كان الاتفاق محاولة للهروب من التاريخ تماما.

وطوال العقود الماضية، كان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو القضية الحاسمة في الشرق الأوسط. ومن المنظور الغربي، كان ضمان حق (إسرائيل) في الوجود وسيلة لسداد دين تاريخي للشعب اليهودي؛ حيث كانت فكرة (إسرائيل)، كوطن ليهود العالم، تأمينا ضد معاداة السامية في المستقبل.

ولكن في العالم العربي، كان تهجير الفلسطينيين عام 1948، والتجربة القاسية المستمرة للاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967، صرخة دائمة للأنظمة العربية المتعاقبة، والتي استفاد معظمها من معاناة الفلسطينيين لتحويل الانتباه عن إخفاقاتهم في الداخل.

وكانت الحكمة التقليدية هي أن كلا من الإسرائيليين والفلسطينيين يحتاجون إلى التعويض عن الأخطاء التاريخية من أجل ضمان الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط.

وكان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو المفتاح لفتح عملية التطبيع الدبلوماسي عبر المنطقة. وبالتالي، من خلال الموافقة على تطبيع العلاقات مع (إسرائيل) في ظل عدم وجود اتفاق يضمن للفلسطينيين حقوقهم، تكون الإمارات قد أهالت التراب على كل هذا التاريخ.

ويمثل احتضانها لاتفاق التطبيع، التي انضمت إليها فيه البحرين بسرعة، نقلة نوعية إقليمية.

وفي الأعوام الأخيرة، تغيرت تصورات النخب العربية للتهديد. وبعد أن كان عدوهم الأساسي في الستينيات والسبعينيات هو (إسرائيل)، أصبح اليوم إيران وتركيا.

ومع انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، أصبح العديد من قادة الخليج يعتقدون أن الدخول في محور إقليمي مع (إسرائيل) سيكون حاسما لحماية مصالحهم.

وفي الشارع العربي، حيث لم يكن معظم السكان قد ولدوا بعد عندما اتفق "ياسر عرفات" و"إسحاق رابين" على طريق حل الدولتين، تبعهم الرأي العام.

علاوة على ذلك، في الأعوام الأخيرة، وقع الفلسطينيون ضحية لموجات أخرى من القمع والعنف، سواء في العراق بعد الغزو الأمريكي، أو في ليبيا بعد "معمر القذافي"، أو في الصراعات في اليمن وسوريا.

وكانت القيادة الإماراتية صريحة بشكل مفاجئ بشأن قرارها بالتطبيع مع (إسرائيل). وبينما تستمر في دعم فكرة الدولة الفلسطينية، فإنها لم تعد تثق في القيادة الفلسطينية للاستفادة من الدعم الإماراتي بشكل فعال.

وردا على ذلك، يجادل النقاد من الفلسطينيين بأن الإمارات تخلت عن أقوى ورقة يمكن لعبها لصالحهم. لكن الحقيقة هي أن الإمارات، مثل معظم الدول الأخرى في المنطقة، لديها مصالح أوسع تتجاوز إنشاء وطن فلسطيني.

ويمثل تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، وتأمين الطائرة المقاتلة أمريكية الصنع من طراز F-35، أولوية قصوى.

ويتمثل رأي الإمارات فيما قاله الأمير السعودي "بندر بن سلطان بن عبدالعزيز" هذا الشهر، حيث قال إن "القضية الفلسطينية قضية عادلة، لكن دعاتها فاشلون، والقضية الإسرائيلية غير عادلة لكن دعاتها أثبتوا نجاحهم".

ومن جانبهم، يأمل الإسرائيليون أن تفتح اتفاقيات التطبيع الطريق لموجة جديدة من التطبيع مع القوى العربية الأخرى.

ومن خلال فصل القضية الفلسطينية عن العلاقات مع الدول الأخرى في المنطقة، تمكنت (إسرائيل) من تحويل القضية إلى مجرد مشكلة داخلية.

وبالتالي سيكون موقف "المجتمع الدولي" من هذه القضية أضعف من ذي قبل. ومع كل اتفاقية تطبيع جديدة تؤمنها (إسرائيل)، فإنها ستحظى بتأييد أكثر صراحة من العالم العربي.

وبالتالي، فإن الاتفاقات مع الإمارات والبحرين ترقى إلى حد الانتصار لسياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" في العقد الماضي.

لكن من الأفضل لـ "نتنياهو" أن يتذكر أن الانتصار في الشرق الأوسط يحتوي دائما على عوامل دحره. وإذا جعل حل الدولتين مستحيلا، فسيكون قد أرسى الأساس لتحدي مستقبل (إسرائيل) كدولة ديمقراطية ذات أغلبية يهودية.

وبعد كل شيء، إذا لم يعد الفلسطينيون قادرين على التفاوض من أجل دولتهم، فسيكون أفضل بديل لهم هو السعي إلى حل الدولة الواحدة من خلال الضغط من أجل الحقوق المدنية داخل (إسرائيل).

ووفقا للملف الديموغرافي للأمم المتحدة لعام 2019 للأراضي الفلسطينية، فهناك 5 ملايين فلسطيني يمكن أن ينضموا إلى مليون و916 ألف عربي يعيشون في (إسرائيل) بالفعل، وبالتالي يفوقون عدد اليهود الإسرائيليين البالغ عددهم 6 مليونا و772 ألفا.

وبالنظر إلى مدى عدم فعالية القيادة الفلسطينية وانقسامها، فإن التحدي المنظم لـ (إسرائيل) يبدو غير مرجح في أي وقت قريب.

ومع ذلك، قبل أن يصبح الفلسطينيون قادرين على الفوز بأغلبية انتخابية في (إسرائيل) بوقت طويل، يمكن لقيادة أكثر كفاءة أن تبدأ بإثارة أسئلة جادة حول صحة الديمقراطية الإسرائيلية نفسها.

وسوف تعيد مثل هذه الأسئلة إشعال الجدل حول ما إذا كانت (إسرائيل) دولة فصل عنصري، ما قد يؤدي إلى تجديد الضغط الدولي.

ويمكن لهذا بدوره أن يكون له آثار بعيدة المدى على العلاقات بين (إسرائيل) والقوى الأخرى، ليس أقلها الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل حوالي ثلث إجمالي تجارة البلاد.

لهذه الأسباب، قال محللون إسرائيليون بارزون في مجال الأمن القومي إنه إذا لم يكن حل الدولتين المتفاوض عليه ممكنا، فيجب على (إسرائيل) تطوير حل غير قابل للتفاوض، من خلال إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة من جانب واحد.

لكن يبدو أن هذا النهج يتطلب إعادة تشكيل كاملة للاحتلال في إطار خدمة وتعظيم مصلحة المستوطنين، الأمر الذي قد يقوض شرعية أي دولة فلسطينية في نهاية المطاف.

وهذا هو السبب في أن القادة الإسرائيليين الآخرين الذين لديهم نظرة استراتيجية أكثر، بما في ذلك 6 مدراء سابقين في الموساد، قد بدأوا في البحث عن طرق لتطوير دولة حقيقية للفلسطينيين من خلال عملية فك الاحتلال.

وإذا فشل "نتنياهو" في تطوير دولة فلسطينية قابلة للحياة، فإن هروبه من التاريخ قد يكون قصير الأمد. فكما قال "ويليام فولكنر": "الماضي لا يموت أبدا. هو ليس ماضي حتى".

المصدر | مارك ليونارد/المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية - ترجمة وتحرير الخليج الجديد