"اليد الفلسطينية الخفية في الإمارات".. هكذا وصفت مجلة فورين بوليسي القيادي المفصول من حركة فتح "محمد دحلان"، مشيرة إلى أنه بدا كأنه منبوذٌ عام 2011 عقب مداهمة الشرطة الفلسطينية لمنزله في رام الله واضطراره إلى الهرب عبر نهر الأردن للجوء إلى أبوظبي.

وذكرت المجلة الأمريكية، في تقرير لها، أن "دحلان" لايزال مقيما في الإمارات، ومقربا من ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، إلى حد إشرافه على هندسة اتفاق التطبيع مع إسرائيل، الذي تحول إلى موجه خليجية وعربية انضمت إليها البحرين والسودان لاحقا.

فـ"دحلان"، الذي ظهر كمنافس لرئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس"، وجد أخيرا فرصته للانتقام من منفاه، بصفته أحد المقربين لقادة الخليج العربي والعقل المدبر الاستراتيجي الإقليمي؛ ما أسفر عن موجة التطبيع "التي تدفع عباس نحو الجنون"، حسب تعبير كاتب التقرير "جوناثان فيرزيجر".

لكن كيف حافظ المفصول من فتح على منافسته لـ"عباس" بعد 9 سنوات على خروجه من الأراضي الفلسطينية؟.

تشير "فورين بوليسي"، في معرض الإجابة، إلى زوجته "جليلة"، التي بَنَتْ له قاعدة الدعم التي يحتاجها، من خلال زيارات خيرية دورية لقطاع غزة، الذي نشأ فيه.

وتضمنت زيارات زوجة "دحلان" تنظيم حفلات زفاف جماعية للفقراء، ليبقى الأخير "حصانا أسود" في معادلة السياسة بالقطاع بوجه خاص وفي فلسطين بوجه عام، ويظل بين حفنة من المرشحين الذين يظهرون باستمرار في استطلاعات الرأي السياسية لخلافة "عباس".

لكن دور زوجة "دحلان" ليس سوى عامل تكميلي لنفوذه الإقليمي والدولي الذي بناه على مدى السنوات التسع الماضية، عبر علاقة وثيقة مع ولي عهد أبوظبي، حاكم الإمارات غير الملتزم بالتقاليد، الذي منح القيادي المفصول من فتح الملاذ الآمن عندما فرَّ من "عباس".

ويعمل "دحلان" حاليا مبعوثا دوليا لراعيه الثري؛ حيث يساعد في ترتيب صفقات تجارية وسياسية من شمال أفريقيا إلى أوروبا الشرقية، ومهندسا من وراء الكواليس لموقف إماراتي يضغط على "عباس" ويضعه في مواقف حرجة.

أحد هذه المواقف وقع عندما وجد "عباس" نفسه مضطرا إلى رفض طائرتين من الإمدادات الطبية لمواجهة جائحة كورونا لحفظ ماء وجهه؛ وذلك لأن الإمارات أرسلتهها عبر مطار بن جوريون في تل أبيب.

وأدى رفض "عباس" للمساعدة في أغسطس/آب، وإدانته الغاضبة لاتفاقات التطبيع الخليجية والعربية مع إسرائيل باعتبارها "طعنة في الظهر"، إلى نفور الحلفاء القدامى للسلطة الفلسطينية في جميع أنحاء المنطقة، وعلى رأسهم السعودية، الدولة الأكبر والأكثر ثراءً في الخليج؛ ما يصب بالنهاية في صالح "دحلان" وطموحاته السلطوية بالداخل الفلسطيني.

ويعود صراع "دحلان–عباس" إلى عهد الرئيس الفلسطيني الراحل "ياسر عرفات"، الذي كان أول من وثق في "دحلان" كمساعد رئيسي عندما كان مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس.

وعند عودة قيادة السلطة الفلسطينية في عام 1993 مع توقيع اتفاقات أوسلو، قاد "دحلان" حركة "فتح" الحاكمة في غزة وتولى العمليات الأمنية هناك، وتحوَّل إلى اليد الوحشية لـ"عرفات" ضد المعارضة من حركة "حماس".

وأثناء صعوده في صفوف السلطة بعد وفاة "عرفات" عام 2004، اشتبك "دحلان" باستمرار مع "عباس"، ورأى فيه الأخير منافسا طموحا كان من الواجب أن يظل مقيدا.

وفي عام 2007،  حمل "عباس"، "دحلان" مسؤولية فشله في منع سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة، وتبادل كل منهما توجيه تهم الفساد لبعضهما البعض منذ سنوات، وهو ما أجَّج الكراهية المتبادلة بينهما.

غير أن شعبية "دحلان" في الشارع لم تكن كافية آنذاك لحمايته من الشرطة ونظام العدالة الجنائية الذي يسيطر عليه "عباس"، ولذا خرج من الأراضي الفلسطينية ولجأ إلى الإمارات.

وفي عام 2014، أدانت محكمة فلسطينية "دحلان" غيابيا بتهمة "التشهير بعباس"، وحكمت عليه بالسجن لمدة عامين. وبعد عام، حُكم عليه بالسجن 3 سنوات أخرى بتهمة الاختلاس.

وتشير "فورين بوليسي" إلى أن جزءا من قدرة "دحلان" الفائقة على الاستمرار يتعلق بإجادته "اللعب مع جميع الأطراف"؛ إذ كانت كل إدارة أمريكية "تقع في حبه"، بدءا من إدارة "بيل كلينتون"، ثم الرئيس "جورج دبليو بوش"، وحاليا إدارة "دونالد ترامب"، في نفس الوقت الذي يحاول فيه التقرب من حماس، ليعمل كجزء من المعارضة السياسية الفلسطينية ضد "عباس".

يجري "دحلان" موازنته رغم احتقار الإسلاميين له منذ أن مارس التعذيب ضدهم عندما حكم غزة وأذلَّ قادتهم غير المتعاونين وحلق لحاهم وحواجبهم.

يعلق "فيرزيجر" على هكذا قدرة لدى القيادي المفصول من حركة فتح قائلا: "هو آخر فلسطيني يقلب الطاولة، قد يكون منهزما في أحيان كثيرة، لكنه أبدا لا يكون خارج اللعبة".

المصدر | الخليج الجديد + متابعات