الثلاثاء 3 نوفمبر 2020 09:39 م

ما هي خلفية التصاعد الكبير لتعاون القاهرة وبغداد في مجالات مختلفة؟ وإلى أي مدى يمكن أن يكون العراق ونفطه مفيدا لاستقلال مصر عن دول الخليج؟ وهل يقتصر التعاون بين البلدين على الاقتصاد؟

تصدرت هذه الأسئلة اهتمامات المراقبين خلال الساعات الماضية بعد توقيع رئيسي الوزراء، المصري "مصطفى مدبولي" والعراقي "مصطفى الكاظمي"، الإثنين، 15 مذكرة تفاهم في مجالات مختلفة، وذلك خلال زيارة قام بها "مدبولي" إلى القاهرة على رأس وفد مصري رفيع المستوى.

وشملت مذكرات التفاهم مجالات النقل والموارد المائية والصحة والبيئة والاستثمار والإسكان والإعمار والصناعة والتجارة والمالية، ما أعطى زيارة "مدبولي" صبغة اقتصادية بامتياز، غير أن سياق ترتيبها يشير إلى "قاطرة اقتصادية" لتصور استراتيجي شامل للعلاقات بين البلدين.

فزيارة "مدبولي" إلى بغداد لم تكن عارضة، بل جاءت ضمن سياق تخطيط مسبق من خلال اجتماعات جمعت وفود من العراق ومصر، في إطار اتجاه عراقي للابتعاد عن سياسة المحاور الإقليمية عبر إيجاد موقع خارج إطار التبعية لإيران أو تركيا أو السعودية، ولذا فهو يلجأ إلى تشكيل محور آخر يعيش حالة من الاستقرار والعلاقة الجيدة مع المحورين المذكورين، حسبما نقلت شبكة الجزيرة عن عضو حزب الدعوة الإسلامية "جاسم محمد جعفر".

وجاء التجاوب الكبير في بغداد والقاهرة لإعادة إحياء كتلة "الشام الجديد" في سياق المصالح المشتركة بينهما، فالعراق الغني بالنفط يمدّ الأردن ومصر باحتياجاتهما عبر أنبوب خام ممتد من البصرة وصولا إلى ميناء العقبة الأردني ومن ثم إلى مصر، وقد يستكمل من مصر إلى آسيا وأوروبا، وفي المقابل، تمد مصر والأردن العراق بالكهرباء عبر مشاريع للربط.

 ويتوازى مع كل ذلك تعزيز لانتقال العمالة، وبناء المشاريع الاقتصادية المشتركة والمدن الصناعية، والمناطق الحرة، وهو ما يمثل العراق حجر الزاوية في بنائه.

وكان "الكاظمي" هو أول من روج لمفهوم كتلة إقليمية قاعدتها مصر والعراق، في حوار مع صحيفة "واشنطن بوست"، خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن.

ومن شأن إحياء هذا التكتل الإقليمي أن يساهم في سد فجوة التوازن الاستراتيجي المفقود في المطقة، منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ثم انتفاضات الربيع العربي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تراجع نفوذ مصر والعراق، مالت السيطرة على المنطقة إلى 3 قوى، هي إسرائيل (تتحالف معها دول خليجية) وإيران وتركيا.

وعليه فإن تصاعد التعاون المصري العراقي يمثل في الأساس كتلة أكثر مرونة تهدف إلى التعاون في مجالات الأمن والدبلوماسية، وليس الاقتصاد فقط، حسبما يؤكد "كورتيس رايان"، الباحث بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بواشنطن.

من هذه الزاوية يمكن قراءة التنمية المضطردة للتعاون الاقتصادي بين القاهرة وبغداد، وزيادة قيمة التجارة بينهما بنسبة بلغت 62% خلال الـ 8 أشهر الأولى من العام الجاري؛ لتسجل 583.27 مليون دولار مقابل 360.31 مليون دولار خلال نفس الفترة من 2019، وفقا لما أوردته نشرة التجارة الخارجية، الصادرة عن الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء.

ويصب الميزان التجاري بين مصر والعراق في صالح العراق بقيمة 51.414 مليون دولار، خلال الأشهر الثمانية، حيث ارتفعت قيمة الواردات المصرية من العراق لتبلغ 317.342 مليون دولار، في مقابل 105.536 مليون دولار خلال نفس الفترة من 2019، لتستحوذ على 5.3% من الواردات المصرية من الدول العربية.

وترتكز القاطرة الاقتصادية لتصاعد التعاون المصري العراقي على قاعدة "الاستثمار مقابل النفط"، بحيث تساهم مصر في إنشاء مشروعات البنى التحتية والإسكان في العراق مقابل حصول القاهرة على النفط.

ومن شأن هكذا تعاون أن يعزز اتجاها مصريا لفك هيمنة النفط الخليجي على تسيير الطاقة والصناعة والنقل في البلاد، خاصة في ظل اتجاه لتحويل كامل السيارات إلى التشغيل بالغاز الطبيعي، مقابل توفير بغداد للعملة الصعبة التي لا تمتلكها حاليا.

وعلى مستوى علاقات مصر الخارجية، يسعى نظام الرئيس "عبدالفتاح السيسي"، عبر تخفيف النفوذ التركي والإيراني في العراق، إلى الحصول على دعم عربي في علاقات بلاده المتوترة بشكل متزايد مع تركيا، سواء من حيث الأمن في شرق البحر المتوسط ​​أو في الأزمة الليبية، حسب تقدير "رايان".

فائدة أخرى تعود على العراق من هكذا اتفاق، وهي أن بغداد ستخرج النفط المصدر للقاهرة من احتسابه ضمن الاتفاقيات على حصة العراق في أوبك، التي تتجه لتثبيت الإنتاج على الأقل في ظل تأثر الطلب على النفط منذ بدء جائحة كورونا، حسبما نقلت قناة الحرة الأمريكية عن مصدرين حكوميين.

وإزاء هكذا تطور، جاءت مواقف الكتل البرلمانية العراقية، المعروفة بموالاتها لإيران، رافضة لتصاعد التعاون بين بغداد والقاهرة، حيث انتقدت الاتفاق مع "دولة فقيرة" بحسب وصف النائب عن حركة عصائب أهل الحق "حسن سالم"، الذي قال إنه "كان من الأجدى أن تتفق الحكومة مع الصين".

لذا فإن نفوذ إيران داخل الدولة والمجتمع العراقي من بين تحديات عدة تواجه تطوير التعاون الاستراتيجي بين بغداد والقاهرة، وهو النفوذ الذي ينعكس "أمنيا" على البلد الذي يعاني أزمة تمويل كبيرة، إلى حد عدم حصول الموظفين على رواتبهم منذ 4 أشهر.

كما تشمل تحديات التعاون المصري العراقي صعوبات في عملية التسعير للمنتجات المصرية الواردة إلى بغداد، نظرا لأن العراق يتجه إلى تعديل سعر الصرف للدولار خلال الفترة المقبلة بزيادة 25% تقريبا، ما يعني أن الدولار سيصل الى 1500 دينار عراقي.

وهنا يشير الخبير الاقتصادي العراقي "عبدالرحمن المشهداني" إلى أن تغيير سعر الصرف سيؤدي إلى خفض الدخل الحقيقي للمستهلك بنسبة أكبر من نسبة انخفاض الدينار، لأن العراق يستورد 90‎%‎ من احتياجاته الغذائية والصناعية، وبالتالي فإن تغيير سعر الصرف سيؤدي إلى خفض الدخل الحقيقي، ما سينعكس سلبا على أسعار السلع المستوردة ومنها السلع المصرية، وفقا لما أوردته وكالة سبوتنيك الروسية.

ولذا يتوقع "رايان" أن يظل التعاون المصري العراقي معتمدا، بشكل جزئي، على الحلفاء الدوليين والإقليميين سياسيا واقتصاديا، ولن يطرح بديلا لهم، في المستقبل المنظور على الأقل.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات