الاثنين 9 نوفمبر 2020 10:46 م

مع وفاة أمير الكويت الشيخ "صباح الأحمد الصباح" دخلت البلاد فترة من عدم اليقين والتحديات غير المسبوقة. وفي مواجهة موجة ثانية أكثر شراسة من جائحة "كوفيد-19"، وتراجع اقتصادي حاد، وانكماش متصاعد، وضغوط لتطبيع العلاقات مع (إسرائيل)، يتحمل أمير الكويت الجديد، الشيخ "نواف الأحمد الصباح"، وولي العهد الشيخ  "مشعل الأحمد الصباح"، مسؤولية كبيرة لإخراج البلاد من الأزمة وسط تدهور الوضع الاقتصادي.

وبسبب الوباء، وصلت أسعار النفط إلى 40 دولارا للبرميل، بينما تحتاج الدولة إلى سعر 81 دولارا للبرميل للتغلب على العجز الحالي. وقد دفعت الكويت بالفعل ثمن التأخر في تقليل الاعتماد على النفط، ولكن القطاع الخاص الناشئ بدأ في لعب دور ثانوي في الناتج المحلي الإجمالي للكويت.

وكانت إحدى إخفاقات التنويع الرئيسية متعلقة بإصلاح سوق العمل المحلي حيث أن الرواتب والدعم المالي للمواطنين الكويتيين في القطاع العام، لا يؤدي إلى إصلاح الاقتصاد أو زيادة الملاءة المالية، بل يثقل كاهل الميزانية العامة.

وتَصدّر التحول في السياسة الديموغرافية أجندات صانعي سياسات البلاد منذ بداية الوباء، ومن المحتمل أن يكون قد تسارع بسبب موجات مغادرة العمالة الأجنبية منذ مارس/آذار. وفي مايو/أيار، نشرت كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية تقريرا أوليا أبرزت فيه المخاوف بشأن تداعيات خروج العمالة الأجنبية الماهرة على مستقبل الاقتصاد الكويتي.

التلاعب بالديموغرافيا

ومنذ هذا التقرير، أصبحت الدولة الخليجية في وضع غير موات أكثر بسبب الطريقة التي تعامل بها البرلمان الكويتي مع هذه الأزمة. ويواصل المسؤولون الحكوميون طرح مقترحات جوفاء لقلب المقاييس الديموغرافية بحيث يكون 30% من السكان من العمالة الأجنبية و70% من المواطنين الكويتيين. ويتمثل الاقتراح الرئيسي في تقديم نظام حصص لجنسيات محددة، بالإضافة إلى تصنيف أي شخص يزيد عمره عن 60 عاما دون تعليم ثانوي على أنه غير مؤهل للحصول على الإقامة.

ولا يعد مثل هذا التحول الديموغرافي الكبير منطقيا من الناحية اللوجيستية عندما يلقي المرء نظرة فاحصة على هيكل سوق العمل. وللتوضيح، يمثل خريجو الجامعات وحملة الشهادات العليا ما يقرب من 174 ألفا من إجمالي 3 ملايين وافد، وفقا للإحصاءات الحكومية الرسمية. ويمثل هذا ما يقرب من 5% فقط من إجمالي السكان المغتربين، في حين يبلغ إجمالي الحاصلين على التعليم الثانوي والدبلومات 387 ألفا و765 أو 12%.

علاوة على ذلك، فإن أي شكل من أشكال استبدال الوافدين بالمواطنين لا طائل من ورائه؛ لأن غالبية الوافدين (نحو 2.5 مليونا) يعملون في وظائف وضيعة منخفضة الأجر، والتي لن يتم شغلها من قبل الكويتيين أو غيرهم من العمال ذوي المهارات العالية.

وحتى عندما تم طرح اقتراح قانون للرقابة الديموغرافية داخل قاعة البرلمان، تمت إعادته إلى اللجنة المختصة واعتبره مجلس الوزراء غير دستوري. ومن المرجح أن تشعر الحكومة بالندم وتتخلى سريعا عن إعادة الهيكلة الديموغرافية عندما ترتفع أسعار النفط أو يصبح الدين العام أكثر قابلية للإدارة.

ولسوء الحظ، في حين أن هذه المناقشات ليست قانونا ملزما، فإن العديد من الكيانات العامة والشركات الخاصة قامت بالفعل بتخفيض الموظفين المغتربين دون تقييم تأثير التسريح المفاجئ بشكل صحيح. ويواجه العمال الأجانب المقيمون في جميع الطبقات الاجتماعية والاقتصادية وضعا غير مسبوق، فإما اتخاذ قرار بالالتماس والانتظار في الكويت أو العودة إلى الوطن حيث توجد فرص عمل ضئيلة لكن مع بعض الأمان ظاهريا.

ولم تساعد وسائل الإعلام المحلية في الموقف، حيث روجت وسائل الإعلام الرئيسية للعناوين السلبية والكاذبة عن المغتربين، ما أدى إلى توليد الخوف والمعلومات المضللة. وفي الواقع، قد يكون للحالة الحالية من الارتباك والغضب والكراهية العميقة تجاه المغتربين تداعيات أعمق على تنمية الكويت بعد النفط إذا لم يتم إدخال تغييرات سياسية سريعة.

هجرة العقول

ولا توجد إحصاءات دقيقة عن العمالة الوافدة التي غادرت الكويت، لكن وسائل الإعلام تدعي أن العدد يتراوح بين 100 ألف و300 ألف. وتزعم مصادر في خدمات الطيران الوطنية أن 365 ألف عامل أجنبي غادروا منذ سبتمبر/أيلول، وتقدر الأبحاث أن العدد سيكون نصف مليون بحلول نهاية عام 2020. ولا يشمل هذا العدد ما يقدر بـ 40 ألف عامل أجنبي تقطعت بهم السبل في الخارج وفقدوا إقامتهم ومن المحتمل ألا يُسمح لهم بالعودة مرة أخرى.

واستكشفت المقابلات مع العديد من السفارات وقادة الأعمال عدد العمال ذوي المهارات العالية الذين غادروا الكويت، حيث غادر نحو 982 بريطانيا الكويت في الفترة من مارس/آذار إلى أغسطس/آب، أي ما يقرب من 15% من الجالية البريطانية. ومن بين 300 إلى 400 مواطن ألماني في الكويت، غادر نحو 40%. وذكرت مصادر في مفوضية الاتحاد الأوروبي والجاليات الأسبانية والإيطالية تقديرات مماثلة.

وتقلص المجتمع الأسترالي بنسبة 40% من بين 1000 إلى 1200 مواطن حالي. كما تقلصت المجموعات السكانية الأخرى التي تميل إلى أن تكون عالية المهارة بشكل كبير. على سبيل المثال، تقلص عدد السكان الأتراك والكوريين، وكلاهما منخرط بشكل مباشر في المشاريع الحكومية الضخمة، بنسبة 70% و85% على التوالي، حيث لم يتبق سوى 3 آلاف تركي من أصل 10 آلاف.

وتعتقد مصادر في مجتمع الأعمال الهندي أن عدة مئات من المواطنين المؤهلين تأهيلا عاليا قد غادروا الكويت ببطء، وهو مصدر قلق أكبر على المدى الطويل حيث سيكون من الصعب استبدالهم في المناخ الاجتماعي الحالي.

وتختلف أسباب المغادرة، لكن القاسم المشترك كان بسبب التجارب المؤلمة خلال الأشهر الأولى من الجائحة. وترك العديد من أصحاب الأعمال موظفيهم بدون رواتب أو طعام أو سكن منذ مارس/آذار، ما زاد من الاستياء وانعدام الثقة بين جميع المغتربين.

وفي حين ستؤثر إعادة هيكلة العمالة في الغالب على المجتمعات المصرية والهندية، يشعر غالبية المغتربين أن وضعهم غير آمن بغض النظر عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي أو الجنسية.

وتنتشر مغالطة واعتقاد خاطئ في سوق العمل الكويتي بأن المال هو الذي يشتري الموارد البشرية الماهرة ويحتفظ بها. ومع ذلك فإن هذا الادعاء خاطئ. ويهاجر الأشخاص المؤهلون إلى الكويت بسبب نوعية الحياة بقدر المال، لكن البيئة الحالية ليست مواتية. على سبيل المثال، يريد ما لا يقل عن 250 من أصل 400 مواطن ألماني يعمل في القطاعات الاقتصادية الرئيسية في الكويت (أو لنقل 60%) المغادرة بالرغم من حقيقة أن عقودهم لم يتم المساس بها.

وحتى بالنسبة لأولئك الأفراد الذين يكون الراتب دافعهم الأساسي للعمل في الكويت، يمكن أن يؤدي الانكماش الاقتصادي إلى رواتب مماثلة في بلدانهم الأصلية، ما يلغي الميزة التي تضطرهم للسفر بعيدا عن أوطانهم.

ويشهد العمال الأجانب المهرة بالفعل انخفاضا كبيرا في الرواتب. وأفاد أحد المصادر بأنه تم تخفيض رواتب الأطباء في المستشفيات الخاصة من 1700 إلى 900 دينار. وفي المناصب الإدارية الفنية والمتوسطة في قطاع الخدمات اللوجستية وسلسلة التوريد، انخفضت الرواتب من 1500 إلى 600 دينار، وبالنسبة للمهندسين الميكانيكيين الهنود في نفس القطاع، فقد انخفضت الرواتب من 720 إلى 350 دينار. فيما لم يتم دفع رواتب آخرين على الإطلاق.

وكذلك تأثر القطاع الحكومي بخروج العمالة الأجنبية. وفي وزارة الكهرباء والمياه تم تسريح نحو 15 مهندسا، معظمهم من المواطنين الهنود والمصريين والفلبينيين والبنجلاديشيين، الذين كانوا يشغلون أدوارا تشغيلية رئيسية.وكان هذا الطاقم العمود الفقري لمحطة كهرباء الزور الجنوبية ومحطة كهرباء الصبيا منذ بدء التشغيل في عامي 1988 و1998 على التوالي.

ولا يمكن الاستغناء عن هؤلاء المهندسين دون إجراء انتقال دقيق. وفي حين أن وزارة الكهرباء والمياه لديها 300% موظفين كويتيين زائدين، فلا يوجد سوى كويتي واحد من بين 20 مهندسا، ولا يوجد حاليا طاقم فني لاستبدال هؤلاء المهندسين الذين جرى تسريحهم.

ويظهر تأثير هذه الخسارة في جميع أنحاء القطاع، حيث كان هؤلاء الموظفون هم الجسور الرئيسية بين المقاولين من الباطن من القطاع الخاص ووزارة الكهرباء والماء، حيث قاموا بالتنسيق بشأن الأسئلة الفنية الهامة وكذلك عمليات المناقصات الحكومية.

أزمة التعليم

وكانت القضية الأخرى المقلقة التي أُثيرت خلال هذا البحث تأثير خروج العمالة على التعليم. وبالرغم أن الكويت كانت واحدة من أولى دول الخليج التي أوقفت المدارس مع تفشي فيروس كورونا، فهي بالتأكيد آخر دولة تقدم أي وسيلة بديلة ملموسة للتعليم لأكثر من 450 ألف طالب مسجلين في المدارس ذهبوا إلى منازلهم منذ مارس/آذار.

وفي المدارس الحكومية، يفوق عدد المعلمين المغتربين العرب عدد نظرائهم الكويتيين بنسبة 6 إلى 1 في جميع المواد الأساسية مثل العلوم والرياضيات واللغة العربية واللغة الإنجليزية. وتعتمد المدارس الخاصة على المعلمين الوافدين، وخاصة المدارس التي تعتمد على المناهج الغربية الملتزمة بالمعادلات الدولية. وبين مارس/آذار وأغسطس/آب، علق آلاف المعلمين في الخارج، ولم تتمكن المدارس الخاصة من إعادتهم. ولم يتم دفع رواتب الآخرين لشهور بالرغم من إكمال العام الدراسي، ومن المحتمل أن يغادر هؤلاء في أول فرصة.

وكشفت المصادر أنه في حين تأثرت المدارس الخاصة الغربية، فإن العبء الحقيقي يقع على المدارس الخاصة العربية. وتخدم هذه المدارس أبناء الموظفين والإداريين من المواطنين العرب الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف المدارس الغربية. ومع استهداف هذه الفئة المحددة من قبل مقترح هيكلة السياسة الديموغرافية، تتعرض المدارس العربية الخاصة لخطر الإغلاق المفاجئ.

وتعتبر تداعيات أزمة التعليم متعددة الأبعاد، فالمغتربون المعنيون إما سيعودون إلى ديارهم أو يبحثون عن مكان به تعليم أفضل لأطفالهم. ومن المرجح أن يرسل الوافدون ذوي الياقات الزرقاء عائلاتهم إلى بلادهم بسبب نقص بدائل التعليم في حال إغلاق المدارس العربية الخاصة.

لكن القضية الأخرى المشؤومة هي أن مستوى التعليم العام الذي يتلقاه غالبية الكويتيين كان منخفضا بالفعل قبل انتشار الوباء. وتسبب تردد وزارة التعليم في تركل الطلاب دون تعليم مناسب لمدة 8 أشهر، ولا يفي التحول الحالي إلى التعلم عبر الإنترنت بالمتطلبات التعليمية اللازمة.

لذلك، فعلى المدى الطويل، ستواجه الكويت المزيد من التحديات العمالية مع المواطنين ذوي التعليم الضعيف، ما يؤدي إلى زيادة الاعتماد على العمالة المستوردة.

حل الأزمة

باختصار، يجب على الحكومة إعادة التفكير في برنامج "التكويت" من خلال إدخال مؤشرات قائمة على الجدارة والتدريب المناسب واختبارات التقييم للمواطنين الباحثين عن عمل. بالإضافة إلى ذلك، تحتاج الحكومة إلى الاحتفاظ بالعمال الأجانب ذوي المهارات العالية من خلال توفير الأمن الوظيفي ونزع فتيل الرسائل المعادية للأجانب.

وكان لبرامج التوطين في دول الخليج آثار إيجابية قليلة في تحفيز الاقتصاد أو خلق وظائف جديدة للمواطنين. خذ على سبيل المثال السعودية، التي نفذت في عام 2018 عمليات ترحيل جماعية للعمالة الأجنبية، ومع ذلك لا تزال البطالة بين المواطنين السعوديين مرتفعة.

وبالمثل، لم تؤد هجرة العمالة الأجنبية في عُمان منذ عام 2019 إلى زيادة العمالة العُمانية الوطنية أيضا. لقد أصبح من الواضح أن طبيعة برامج التوطين لا تحفز التنمية، ولا يمكن أن تحل محل التوظيف القائم على الجدارة.

بدلا من ذلك، تحتاج الحكومة إلى التأكيد على متطلبات العمل المناسبة لجميع الجنسيات مدعومة بدراسات مشروعة وإحصاءات حقيقية بدلا من التأثر بالخطاب السياسي.

وتحتاج الكويت أيضا إلى تحسين اتصالاتها الثنائية مع شركائها لزيادة تدفق المعلومات إلى السفارات وحكوماتها حول قضايا العمل. ويبدو أن معظم السفارات الأجنبية غير مجهزة للتعامل مع الأزمة بسبب نقص الموظفين والتمويل. 

ويعد هذا التحول مهما بشكل خاص للكويت الآن. ونظرا لوضعها المالي الضعيف، فإنها تحتاج إلى إيلاء المزيد من الاهتمام لسمعتها كوجهة للأفراد ذوي المهارات العالية. ومن شأن هذا أن يضع المواطنين الكويتيين الباحثين عن وظائف في وضع غير موات، خاصة إذا كانت الحكومة تنظر في تقليص حجم قطاعها العام. ومن المفارقات أن العمالة الأجنبية من المرجح أن تحصل على زيادات في الرواتب، لأن الاحتفاظ بالعمالة وندرة المهارات أصبحت قضية ملحة.

وتعد الكويت سوقا صغيرا وصعبا لممارسة الأعمال التجارية، حيث تحتل المرتبة 83 في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال. وبالتالي ستكون الشركات الأجنبية أقل إقبالا على الاستثمار، وستكون السفارات أقل رغبة في تسهيل الاستثمار الأجنبي المباشر.

المصدر | شيخة الهاشم وجوفري مارتن/منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد