كشفت نتائج انتخابات مجلس النواب في مصر، عن حفاظ أنصار النظام على وجبتهم الدسمة، التي تُطبخ على موقد السلطة كل 5 سنوات.

لكنها هذه المرة تخلو من ملح المعارضة، الذي كان حضوره معتادا إلى حد ما، وإن كانت نسبته ضئيلة، لتجمّل الشكل من دون أن تؤثر في المضمون.

وطفت على سطح هذه الانتخابات، التي تقول السلطات إنها مؤمنة من تداعيات فيروس "كورونا"، اتهامات لمعارضة الداخل بـ"الضعف"، ولأنصار النظام بـ"استخدام المال السياسي".

وأقيم اقتراع مجلس النواب (الغرفة الأولى بالبرلمان)، بعد وقت قصير من انتخابات مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية)، وأظهرت سيطرة واسعة لمؤيدي النظام، الذين خاضوا الانتخابات من دون منافسة من أي جهة معارضة.

وانتهت الجولة الأولى للمرحلتين الأولى والثانية، فيما تبقى جولتي إعادة فقط.

وهذه ثاني انتخابات للبرلمان، منذ إقرار دستور 2014، وكان انتخب المجلس الأول في 2015، وسط مقاطعة لافتة من القوى المعارضة.

المال السياسي

وأفرزت نتائج الانتخابات، ظاهرة شراء الأصوات بشكل ملفت، حتى برزت كلمة "المال السياسي" بين صفوف المؤيدين للنظام.

وهذه الصورة بدت كأنها تشكيل لنوع من المعارضة من داخل النظام، لا سيما أنها ترددت بقوة في صفوف شخصيات ذات ثقل مؤيدة للنظام، لملء إناء انتخابي فارغ من معارضين بارزين.

وظهر هذا المصطلح على لسان الصحفي "عبدالرحيم علي"، الذي ارتدى ثوب المعارضة في هذه الانتخابات، حين قال: "دعواتكم فإني أواجه أكبر حملة من مستخدمي المال السياسي جرت في تاريخ مصر الحديث".

وكان "علي"، الذي خسر مقعده بشكل مدو، يتحدث عن المرشح رجل الأعمال "محمد أبو العينين"، الذي فاز لاحقا بالمنصب.

وفاز "أبو العينين" بمقعد كان يشغله "علي"، الذي غادر إلى باريس في رحلة عمل وعلاج، فور ظهور مؤشرات خسارته الانتخابات.

هذا المال، ظهر واضحا أيضا، عندما تم توقيف 6 من أفراد حملة النائبة السابقة "مي محمود"، بتهم توزيع أموال على ناخبين ليصوتوا لها.

كما توجهت قائمة "نداء مصر"، بأكثر من بيان إلى الشعب المصري والقيادة السياسية، تشكو فيه من استخدام المال السياسي "لشراء الأصوات"، وخروق فجة، مشيرة إلى تقديم بلاغ للجنة الانتخابات بالتجاوزات.

مخالفات بالجملة

ووفق المجلس القومي لحقوق الإنسان (حكومي)، فقد تم رصد العديد من الانتهاكات في الانتخابات، خاصة من أنصار المرشحين عن حزب "مستقبل وطن"، المقرب من السلطات، ما يطعن في نزاهة العملية الانتخابية برمتها.

ورصدت بعثة "المجلس القومي" العديد من الخروقات للعملية الانتخابية، والتي أحالها بدوره للهيئة الوطنية للانتخابات للنظر فيها، من بينها توجيه الناخبين للتصويت لصالح "القائمة الوطنية من أجل مصر" التي يقودها حزب "مستقبل وطن".

كما رصد المجلس، دخول بعض أنصار الحزب نفسه أماكن التصويت، ورفعهم صوراً دعائية للمرشحين عنه، فضلاً عن استخدم سيارات أمام اللجان لحث الناخبين للتصويت لصالحهم.

ورصدت بعثة المجلس كذلك، توجيه الناخبين عن طريق توزيع كروت مختومة لمرشحي الحزب يحصل من خلالها الناخب على مبلغ مالي متفق عليه بعد الإدلاء بصوته.

كذلك ظهرت بوضوح محاولات "مستقبل وطن" لحشد كبار السن والنساء والأقباط في مواجهة ضعف الإقبال، لا سيما في المناطق الشعبية، والمكتظة بالسكان، مقابل الحصول على شنطة بلاستيكية تحوي سلعاً تموينية، أو مبالغ مالية تتراوح بين 50 و100 جنيه (3.2 دولار - 6.4 دولارات).

كما رصدت البعثة عدداً من الخروقات تتمثل في النقل الجماعي باستخدام العربات الخاصة لأنصار المرشحين، وتوزيع المال عليهم مقابل التصويت لهم، ووجود دعاية انتخابية وتوجيه للمواطنين أمام اللجان.

كما رصدت وجود خيم لبعض المرشحين على بعد أمتار من اللجان، بغرض تسليم الناخبين بطاقات الرقم القومي بها، مقابل الحصول على مبالغ مالية.

عزوف المشاركة

لم تقف التجاوزات عند ذلك، بل إن حملة "محمد فؤاد" المرشح الخاسر عن "الحزب المصري الديمقراطي"، اتهمت القضاة المشرفين على لجان الدائرة بـ"تزوير الانتخابات" لمصلحة مرشحي النظام الحاكم.

واتهمت الحملة القضاة بالتلاعب في أصوات الناخبين وزيادة نسبة الإقبال، ومنح أصوات وهمية لمرشحي النظام.

كما ألقت أجهزة الأمن في محافظة الدقهلية (دلتا مصر) على مرشح خاسر في الانتخابات و9 من أنصاره، بعد تجمهر العشرات منهم، احتجاجا على رفض طعن المرشح على نتائج الانتخابات.

يأتي ذلك، في وقت خفتت نسب المشاركة بشكل ملحوظ خلال الانتخابات، على عكس الصورة التي ظهرت في اول انتخابات برلمان 2012، والتي جرت بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011.

ورصد مراقبون حالة من ضعف الإقبال في أغلب اللجان، ومحاولات حثيثة لحث المواطنين على التصويت، خاصة من كبار السن والنساء والأقباط.

مستقبل وطن

ظاهرة أخرى، كشفتها هذه الانتخابات، هي حزب "مستقبل وطن"، الذي صعد بسرعة الصاروخ في هذه الانتخابات، وحصد الأغلبية المطلقة للمقاعد، باعتباره الظهير السياسي للسلطة وحزب الرئيس "عبدالفتاح السيسي".

جاء هذا الفوز، بعد أسابيع من تحقيقه نحو 70% من مقاعد مجلس الشيوخ، ومن ثم فهو مرشح ليكون ظهيرا مؤيدا بقوة للنظام داخل البرلمان.

ويقدم الظهير خدمات عديدة، منها: تسهيل كل الأمور الإجرائية الخاصة بتشكيل رئاسة البرلمان وهيئاته، وتمرير أو اقتراح تشريعات تعزز استقرار الدولة في هذه المرحلة الحرجة، حسب ما يراه المناصرون للنظام.

وحزب "مستقبل وطن"، هو حزب سياسي مصري تأسس قبل الانتخابات البرلمانية المصرية 2015.

ومن النشأة، يبدو أن "مستقبل وطن"، وفق مراقبين، تم إعداده ليكون أحد الكيانات البارزة في الحياة السياسية المصرية، سواء برغبة من أعضائه أو توجيه من الدولة.

ولعل حديث القيادي بالحزب "إبراهيم عجلان"، في مقطع الفيديو الشهير دليل على ما تصفه المعارضة عندما اعترف أن "مستقبل وطن" هو ذاته "الحزب الوطني"ولكن بصورة أخرى، في إشارة إلى الحزب المسيطر على الساحة السياسية في مصر قبل ثورة 2011.

غياب المعارضة

وأمام هذا الاكتساح من حزب "السيسي" وظهير النظام، اختفت المعارضة بشكل كبير، فيما عدا عدة مرشحين يخوضون جولة الإعادة في عدة دوائر.

حتى بات سؤال "أين المعارضة؟"، مقبولا، خاصة مع تراجع المشاركة الجادة، وعجز أسماء من المعارضة المستأنسة داخليا عن حسم مصير المقاعد التي تتنافس عليها.

ووفق مراقبين، فإنه قد يسمح لعدد من المعارضين الذين خوضون جولة الإعادة من الفوز بمقاعد برلمانية، باعتبار أنه ليس من مصلحة النظام أن يأتي ببرلمان خالٍ تمامًا من المعارضة.

ويخشى النظام هذا السيناريو، الذي كان أحد أسباب ثورة شعبية أطاحت بنظام الرئيس الراحل "محمد حسني مبارك" (1981-2011).

ومن المحتمل أن يتواجد أكثر من اسم معارض في البرلمان المقبل، حتى لو استدعى الأمر أن يعين "السيسي" معارضين، لاستكمال ما يراه مؤيدون عرسًا ديمقراطيًّا لم يشهد أي خروق.

وفي كل جولة انتخابية تتكرر اتهامات لمعارضة الداخل بالضعف، وعدم القدرة على تنظيم صفوفها في مواجهة النظام.

في حين يرد معارضون بأن المناخ العام لا يساعد على إيجاد عملية ديمقراطية، وهو ما تنفيه السلطة عادة.

ومنذ الانقلاب على الرئيس السابق "محمد مرسي" في العام 2013، وتولي "السيسي" السلطة، شنّت الأجهزة الأمنية حملة واسعة ضد الإسلاميين وخصوصا جماعة "الإخوان المسلمون" الذين أوقف منهم المئات.

وامتدت الحملة في ما بعد إلى المعارضة الليبرالية واليسارية وإلى الصحفيين والمدونين، وحُظرت المظاهرات في مصر منذ 2013، كما فرضت حالة الطوارئ منذ 2017.

كما أن أحزاب المعارضة القائمة حتى الآن وقبل الانتخابات، اعترضت على نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة، باعتباره يهدر أكثر من 49% من أصوات الناخبين، ويتسبب في اتساع الدوائر بشكل ضخم، ويحتاج إلى تحالفات انتخابية واضحة.

أين حزب النور؟

هذا الاختفاء من المعارضة، تبعه أيضا اختفاء للسلفيين، خاصة من حزب النور، الذي باتت فرصه، وفق مراقبين، ضعيفة، وأقرب لتكرار تجربة "الصفر" في انتخابات مجلس الشيوخ، رغم أنه لا يُحسب عادة على المعارضة، فهو أقرب للنظام.

وفي برلمان 2012، حاز الحزب على 96 مقعدًا، وحل في المرتبة الثانية، وربح 45 مقعدًا في انتخابات مجلس الشوري (الغرفة الثانية آنذاك) في العام ذاته.

ورغم تأييده الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي عندما كان وزيرا للدفاع في صيف 2013، تراجعت مقاعد حزب النور في برلمان 2015 إلى 12 فقط، قبل أن يحصد صفرا في انتخابات مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية) مؤخرًا.

وفي هذه الانتخابات أيضا، سقطت أسماء كبيرة مؤيدة للنظام، خاضت منافسة مع موالين كبار أيضا، وأبرزهم "عبدالرحيم علي"، الذي ظهر له تسريب صوتي عشية الانتخابات يهاجم فيه رأس النظام، ويقلل من هيبة القانون والدولة، قبل أن ينفي صحته، ويقول إنه "مفبرك".

وكذلك خرج من السباق "مرتضى منصور" رئيس نادي الزمالك، ونجله "أحمد"، والبرلماني السابق "محمد أبو حامد" والبرلماني البارز "صلاح حسب الله".

ويبلغ إجمالي عدد مقاعد مجلس النواب 596، يعين منهم رئيس الجمهورية 28 نائبا.

المصدر | الخليج الجديد