السبت 21 نوفمبر 2020 07:32 م

قام وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" هذا الأسبوع بزيارة مستوطنتين إسرائيليتين تفقد خلالها مصنع نبيذ بمستوطنة "بساجوت" في ضواحي رام الله في قلب الضفة الغربية المحتلة، و"مدينة داوود" الواقعة في حي سلوان الفلسطيني خارج البلدة القديمة في القدس، وهي أول زيارة من نوعها لوزير خارجية أمريكي.

ومن الواضح أن الزيارة كانت تهدف إلى شرعنة المشروع الاستيطاني الإسرائيلي والذي يعتبر غير قانوني بموجب القانون الدولي، فيما يتماشى مع نهج الإدارة الأمريكية في السنوات الثلاث الماضية.

وأدان المسؤولون الفلسطينيون بشدة زيارة "بومبيو"، التي قالوا إنها تنتهك بشكل صارخ القانون الدولي، وهذا بالطبع هو بيت القصيد. فمنذ اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل في ديسمبر/كانون الأول 2017 -  في انقلاب على عقود من السياسة الأمريكية والإجماع الدولي الواسع - عملت إدارة "ترامب" على تدمير أي بقايا أخيرة لحل الدولتين من خلال قلب الأعراف الدولية، بما في ذلك مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.

ومع ذلك، فإن لفتة "بومبيو" الأخيرة ذهبت إلى أبعد من أي شيء رأيناه حتى الآن وقد لا يمكن التراجع عنها بسهولة، ما لم تكن إدارة "بايدن" المقبلة مستعدة لإعادة التأكيد على مركزية القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين بنفس حزم ووضوح "ترامب" في سلبهما، ولكن ذلك ينطوي على تكلفة سياسية كبيرة بالنسبة للإدارة الجديدة، وهكذا قد تنجح سياسات الأرض المحروقة التي يتبعها "ترامب".

بالطبع تعد جولة "بومبيو" الاستيطانية هدية كبيرة أخرى لرئيس الوزراء الإسرائيلي المحاصر "بنيامين نتنياهو"، الذي يواجه احتجاجات دورية، ومحاكمة فساد تلوح في الأفق من المقرر أن تبدأ أوائل عام 2021، مع إمكانية إجراء انتخابات أخرى، وهي الانتخابات الإسرائيلية الرابعة في أقل من سنتين.

وتكهن البعض بأن "بومبيو" ربما يضع الأساس لترشحه للرئاسة عام 2024، ومهما كانت طموحاته السياسية، فإن لفتة "بومبيو" متسقة مع الإجراءات الأخرى التي اتخذتها إدارة "ترامب"، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وإعلان وزارة الخارجية قبل عام عدم اعتبار المستوطنات غير شرعية. وتم اتخاذ كل هذه الإجراءات لقلب الأعراف الدولية ومحو حقوق الفلسطينيين وتطلعاتهم السياسية وتعزيز سيطرة (إسرائيل) الدائمة على جميع الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.

وكانت زيارة مصنع "بساجوت" فرصة استغلها "بومبيو" للإعلان عن تحولات أكثر جذرية في سياسة الولايات المتحدة، فأولاً، أعلن أن المنتجات القادمة من مناطق خاضعة لسيطرة إسرائيل، والمعروفة باسم "المنطقة ج"، يجب اعتبارها من الآن فصاعدًا "صُنعت في إسرائيل"، بما في ذلك البضائع التي ينتجها الفلسطينيون. ويرقى هذا إلى كونه اعترافًا من الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على كل "المنطقة ج"، والتي تشكل حوالي 60% من الضفة الغربية.

كشف النوايا الحقيقية

وضاعف "بومبيو" من موقف الإدارة الذي يعتبر أن "معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية"، وذلك من خلال إعلان أن الحكومة الأمريكية ستدرج المنظمات التي تشارك في المقاطعة الموجهة ضد إسرائيل أو المستوطنات الإسرائيلية على القائمة السوداء.

وبعبارة أخرى، فإن المنظمات - بما في ذلك منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية - التي تختار الالتزام بالمتطلبات القانونية الدولية بعدم العمل مع المستوطنات الإسرائيلية أو إضفاء الشرعية عليها ستُعتبر "معادية للسامية" وتحرم من التمويل الأمريكي.

على هذا النحو، تكشف الزيارة أيضًا عن النية الحقيقية لخطة "ترامب" بـ"السلام من أجل الازدهار"، والتي لم تكن أبدًا تتعلق بإنهاء الصراع بقدر ما تتعلق بتكريس الاحتلال الإسرائيلي الدائم وأجندة "إسرائيل الكبرى" التي يخلص لها شخصيًا وأيديولوجيًا "بومبيو"، والسفير الأمريكي لدى إسرائيل "ديفيد فريدمان" ورفاقهم في الإدارة الأمريكية الحالية.

وقد لا تكون هذه هي النهاية بالضرورة، فبالنظر إلى التزام الإدارة الأمريكية الأيديولوجي بـ"إسرائيل الكبرى" وكذلك إنكارها لنتائج الانتخابات الرئاسية، فقد يكون لدى الإدارة المزيد من المفاجآت قبل ترك منصبها في يناير/كانون الثاني.

هدايا كبيرة لإسرائيل

وشهدت الآونة الأخيرة بالفعل ارتفاعًا كبيرًا في عمليات الهدم الإسرائيلية، وعمليات الإخلاء، وإعلانات المستوطنات وفرض أشياء بحكم الواقع منذ 3 نوفمبر/تشرين الثاني، مع سعى "نتنياهو" وحلفائه في حركة الاستيطان إلى الاستفادة من الوقت المتبقي لـ"ترامب" في منصبه.

ففي هذا الأسبوع فقط، فتحت وزارة الإسكان الإسرائيلية وهيئة الأراضي الإسرائيلية عملية تقديم العطاءات لـ 1257 وحدة سكنية في "جفعات هاماتوس"، وهي مستوطنة إسرائيلية جديدة تقع في موقع استراتيجي بين بيت لحم والقدس الشرقية الفلسطينية.

وستفصل "جفعات هاماتوس"، التي وصفها البعض بأنها مستوطنة "يوم القيامة" لتأثيرها الفتاك على احتمالية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، بشكل دائم حي بيت صفافا الفلسطيني عن بقية القدس الشرقية أيضًا، كما ستمنع الاتصال بين القدس وبيت لحم.

وقبل أقل من أسبوعين، في يوم الانتخابات الأمريكية، هدم الجيش الإسرائيلي خربة حمصة في وادي الأردن، تاركًا 73 شخصًا - من بينهم 41 طفلاً - بلا مأوى، فيما وصفه مسؤولو الأمم المتحدة بأنه "أكبر حادثة نزوح خلال أكثر من 4 سنوات".

وبما أن "ترامب" راحل وليس لديه ما يخسره، فقد يمنح هدايا أكبر لرئيس الوزراء الإسرائيلي المحاصر وحلفائه في حركة الاستيطان. ويقال إن "نتنياهو" يدفع الإدارة الأمريكية إلى إعطاء ضوء أخضر لمستوطنة "يوم قيامة" أخرى، معروفة باسم "عطروت"، وتقع بين رام الله والأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية.

وبعد الاعتراف الأمريكي العملي بالسيادة الإسرائيلية على معظم الضفة الغربية، ليس من المستبعد أن يعود طرح الضم الإسرائيلي الرسمي لأجزاء من الأراضي المحتلة في وقت ما قبل 20 يناير/كانون الثاني.

إرث "بايدن" الصعب

لم يعلق الرئيس المنتخب "جو بايدن" على تحركات إدارة "ترامب" الأخيرة، ومن غير المرجح أن يفعل ذلك نظرًا لتقاليد عدم تزاحم رئيسين في الوقت ذاته. ومع ذلك، قال "بايدن" سابقًا إنه سيعكس معظم سياسات "ترامب" التي تتعارض مع هدف الدولتين ومع المعايير الدولية الراسخة، وربما سيكون ذلك من خلال إعادة السياسات الأمريكية ما قبل فترة "ترامب".

وهنا تكمن المشكلة؛ فحتى قبل وصول "ترامب"، كانت السياسة الأمريكية تجاه القدس والمستوطنات والقضايا الأساسية الأخرى للنزاع قد تآكلت بشدة بفعل الإدارات الأمريكية المتلاحقة. وهكذا؛ فإن مجرد إعادة الوضع السابق الغامض أو المتناقض لا يرجح أن يكون كافياً لإنقاذ حل الدولتين.

وكي يواجه "بايدن" سياسة "ترامب" المنحازة للتطرف الإسرائيلي، سيحتاج إلى أن يكون واضحًا في إعادة تأكيد المعايير الدولية، بما في ذلك عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية، وشرعية التطلعات والحقوق السياسية الفلسطينية، بذات قدر وضوح إدارة "ترامب" في نزعها.

ولكن، قد يترتب على ذلك تكلفة سياسية على "بايدن"، حيث أن العديد من أعضاء حزبه داعمون لجوانب من سياسة "ترامب"، مثل الخلط بين المستوطنات الإسرائيلية وإسرائيل وتجريم مقاطعة إسرائيل.

وفي الوقت نفسه، فإن القرارات الأخيرة التي اتخذتها السلطة الفلسطينية لاستئناف التنسيق الأمني ​​مع إسرائيل وإصلاح سياستها المتمثلة في تقديم مدفوعات لعائلات الفلسطينيين الذين قتلتهم أو سجنتهم إسرائيل، والتي يُنظر إليها على أنها إيماءات إلى إدارة "بايدن" المقبلة، يمكن أن تلعب بشكل غير مقصود لصالح "ترامب" و"نتنياهو".

إن حقيقة قيام السلطة الفلسطينية بهذه الخطوات قبل عدة أشهر من تولي "بايدن" منصبه ستقلل بشكل أكبر من حوافز "بايدن" لاتخاذ الخيارات الصعبة التي يتطلبها حل دولتين حقيقي. وفي هذه الحالة، قد تنجح محاولات "ترامب" و"بومبيو" لتدمير ما تبقى من حل الدولتين.

المصدر | خالد الجندي/ ريسبونسبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد