الاثنين 23 نوفمبر 2020 11:25 ص

"لا مزيد من إعطاء شيكات على بياض لديكتاتور ترمب المفضل".. هكذا تحدث الرئيس الأمريكي المنتخب "جو بايدن"، قبل أشهر من فوزه في السباق الرئاسي، لكن نظام الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، استبق استلام "بايدن" السلطة، بحملة اعتقالات طالت حقوقيين بارزين.

ربما يعد توقيت الاعتقالات لافتا ومثيرا للتساؤلات، خاصة بعد تعاقد السفارة المصرية لدى واشنطن، مع شركة أمريكية، مقابل 65 ألف دولار شهريا؛ لتحسين صورة النظام المصري أمام الإدارة الأمريكية الجديدة.

ويبقى الجدل مثارا، لماذا تتم هذه الاعتقالات في هذا التوقيت، وهل يختبر نظام "السيسي" موقف إدارة "بايدن" الذي لم يتسلم السلطة بعد، وإلى أي مدى ستتواصل الضغوط على مصر لتحقيق انفراجة حقوقية وسياسية في البلاد.

خطوط حمراء

الغريب أن الاعتقالات التي طالت المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية "جاسر عبدالرازق" والمدير الإداري للمنظمة "محمد بشير"، ومدير وحدة العدالة الجنائية بالمنظمة "كريم عنارة"، جاءت بعد أيام من تهنئة وجهها "السيسي" لـ"بايدن"، وسط مخاوف رسمية من مواقف أمريكية أكثر حدة تجاه انتهاكات النظام المصري.

ويزيد من غرابة الواقعة، الإسراع بحبس المشار إليهم 15 يومًا على ذمة التحقيقات في القضية رقم 855 لسنة 2020، بعد اتهامات وجهتها لهم النيابة، بـ"الانضمام لجماعة إرهابية، وإذاعة بيانات كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام والإضرار بالمصلحة العامة، واستخدام حساب على الإنترنت في نشر أخبار كاذبة".

لكن مراقبين، يرون أن الاعتقالات جاءت عقابا للمشار إليهم بعد لقاء موسع مع دبلوماسيين أجانب كبار للإطلاع على أوضاع حقوق الإنسان في البلاد، الشهر الجاري، وهو ما يراه النظام الحاكم خطا أحمر، لن يسمح بتجاوزه.

وربما يريد نظام "السيسي" إبراق رسالة للداخل والخارج، مفادها أن قبضته الحديدية ستتواصل، وأن وصول "بايدن" إلى سدة الحكم لن يغير شيئا، وهو الأمر الذي قد يعد اختبارا صعبا للإدارة الأمريكية الجديدة.

ردود فعل

ردود الفعل المتتالية، أوروبيا وأمريكيا، من عواصم مختلفة، قد تكون مقلقة للقاهرة، وجرس إنذار للنظام المصري، خاصة مع قرب رحيل حليفه وصديقه المقرب "دونالد ترامب"، وهو ما قد يزيد الضغوط عليه مستقبلا.

"أنتوني بلينكين"، الذي يُتوقع على نطاق واسع، أن يتولى منصب وزير الخارجية  الأمريكي في عهد "بايدن"، انتقد اعتقال كبار مسؤولي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قائلا عبر "تويتر"، إن "الاجتماع مع دبلوماسيين أجانب ليس جريمة. ولا الدعم السلمي لحقوق الإنسان".

كذلك صدرت بيانات إدانة مماثلة، من كل من الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة العفو الدولية، وكندا، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وأيرلندا، وبريطانيا، والسويد.

واستنكرت عريضة، وقعها نحو 200 أكاديمي وحقوقي، من جامعات غربية ومنظمات غير حكومية، "توجيه تهم للموقوفين بالإرهاب"، عقب استضافة منظمتهم دبلوماسيين كبارًا من 14 دولة.

وضم اللقاء، سفراء كل من ألمانيا والدنمارك وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وسويسرا وفرنسا وفنلندا وهولندا والقائمين بأعمال سفراء كندا والسويد والنرويج، ونائب سفير المملكة المتحدة، وممثلين عن المفوضية الأوروبية في القاهرة.

ولاشك أن اللقاء الموسع مع إحدى أبرز منظمات المجتمع المدني وأكثرها شهرة في مصر، أثار غضب جهات أمنية وسيادية، اعتبرته تجاوزا للخطوط الحمراء، وتنسيقا غير مقبول من وجهة نظرها مع الحكومات الأجنبية، وهو ما يفسر حدة الموقف الرسمي إزاء القضية، واعتبار "المبادرة المصرية" كيانا يعمل بشكل "غير شرعي"، وفق بيان الخارجية المصرية.

وزادت في بيان ثان، بشأن المبادرة خلال ثلاثة أيام، مشددة على "عدم تمتع أي فئة من الأشخاص بحصانة لعملها في مجال محدد"، كما حذرت من محاولات "للتأثير على التحقيقات التي تجريها النيابة مع مواطنين مصريين تم توجيه اتهامات إليهم".

استعراض عضلات

على الرغم من التفاؤل الذي ساد عقب فوز "بايدن" وقيام نظام "السيسي" بإطلاق سراح "حفنة" من السجناء السياسيين، فإن الاعتقالات الأخيرة، حملت رسالة مغايرة بأن القمع السياسي في مصر مستمر.

وإذا صح التعبير، قد تكون الاعتقالات الأخيرة "رسالة تخويف" للحقوقيين والناشطين بأن العصا الغليظة ستظل مرفوعة، سواء رحل "ترامب" أو جاء "بايدن"، وأن العصا لمن عصى سيظل سيد الموقف.

يتفق مع هذا التوجه، صحيفة "لوموند" الفرنسية، التي علقت على تلك الاعتقالات، بالقول إن "مصر لن تقدم أي تنازلات في مجال حقوق الإنسان، حتى بعد وصول جو بايدن لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية".

بينما يرى الخبير المصري في منظمة العفو الدولية، "حسين بيومي"، في حديثه لصحيفة "فايننشال تايمز"، أن الاعتقالات الحالية هي اختبار لـ"بايدن" وللمجتمع الدولي، قائلا: "إنه اختبار لمعرفة ما إن كانوا يوجهون اللوم للسيسي ويهددونه بإجراءات جادة".

يبقى الأمر برمته مرهونا بحجم الضغوط التي ستتعرض لها القاهرة، وهل يقتصر الضغط الدبلوماسي على بيانات الإدانة والاستنكار فقط، أم يمتد إلى أوراق حيوية وحساسة تمس المصالح المصرية، خاصة ما يتعلق بالمعونة الأمريكية، والقروض والمنح المقدمة للنظام المصري، منذ الانقلاب العسكري منتصف العام 2013.

وقد يخرج نظام "السيسي" فائزا من الاختبار الصعب الذي وضع فيه "بايدن"، حال عدم التعرض إلى عقوبات، لكن ليس من المستبعد أن يدفع ثمن ذلك مع استمرار الأزمة، خاصة أن اللقاء لم يكن سرا، وجرى نشر صوره على "فيسبوك"، بمشاركة 14 دولة.

"استعراض عضلات".. قد يكون تعبيرا عن الأزمة القائمة، في إشارة تحد من النظام المصري للداخل والخارج، في مواجهة إنذارات متتالية من عواصم مختلفة، سبق أن سكتت عن انتهاكات بالجملة ضد آلاف المعارضين السياسيين، القابعين في السجون المصرية منذ 7 سنوات.

المصدر | الخليج الجديد