السبت 12 ديسمبر 2020 01:54 ص

في أعقاب الفشل متعدد الأوجه لسياسة "ترامب" تجاه إيران المتمثلة في حملة "أقصى ضغط"، يعطي مجيء إدارة "بايدن" بعض الأمل في إمكانية اتباع نهج أمريكي أكثر فاعلية تجاه إيران.

وستكون العودة إلى الامتثال للاتفاق النووي الإيراني، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، خطوة أولى على الطريق، والذي يعني بدايةً تخفيض مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى 1/12 مما امتلكته ردا على سياسات "ترامب".

وإذا عادت واشنطن للامتثال للتفاق النووي فلن يكون لدى إيران سبب لمهاجمة منشآت منتجي النفط الآخرين ردا على محاولة الولايات المتحدة تدمير التجارة الإيرانية.

وستنتهي السلسلة المستمرة من إضعاف موقف المعتدلين الإيرانيين وتقوية شوكة المتشددين في طهران.

ومع ذلك، اقترحت بعض الأصوات الأمريكية، بما في ذلك بعض المتعاطفين مع الرئيس المنتخب "جو بايدن"، أنه طالما أن الإدارة المنتهية ولايتها قد راكمت كل تلك العقوبات على إيران، يجب على الإدارة القادمة أن تحاول استغلالها كوسيلة ضغط للحصول على تنازلات من طهران والوصول معها إلى اتفاق أفضل من خطة العمل الشاملة المشتركة.

ويدعم هذه الاقتراحات تعليقات من العديد من المسؤولين السابقين في إدارة "باراك أوباما" حول أن "العالم قد تغير" في الأعوام الـ 4 الماضية وأن "بايدن" لا يجب أن يحاول إعادة ما صنعه "أوباما" ودمره "ترامب".

ولا تعد هذه التعليقات خالية من المنطق. ففي بعض الأحيان، يمكن العثور على عناصر مفيدة في السياسات الفاشلة.

ولا ينبغي أن تكون حقيقة أن "ترامب" قد فعل شيئا ما سببا تلقائيا لرفض ذلك الشيء. ولن يكون القيام بذلك سوى نسخة جديدة من نهج "ترامب" المدمر المتمثل في فعل عكس كل ما فعله سلفه.

ومع ذلك، تتعارض الاقتراحات المتعلقة بالعقوبات والضغط على إيران مع طريقة عمل النفوذ الدولي بشكل عام، فضلا عن الظروف الخاصة المتعلقة بإيران.

  • مكونات النفوذ الدولي

ويتطلب النفوذ في العلاقات الدولية، كما في الحالات الأخرى، أن يكون التعامل مع هذا النفوذ مشروطا بحسب تصرف البلد المستهدف، حيث يولد السلوك الحميد المكافآت، أو على الأقل رفع العقوبة، في حين يكون علاج السلوك غير المرغوب فيه مؤلما.

وهنا لا يحقق فرض العقوبات على الدولة المستهدفة بغض النظر عن سلوكها النفوذ المطلوب؛ بل يدمره.

وهذا ما فعلته إدارة "ترامب" بالتخلي عن التزاماتها بموجب خطة العمل المشتركة الشاملة وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2231، بالرغم أن إيران كانت تمتثل لشروطهما بالكامل.

وواصلت إيران الامتثال لمدة عام بعد تراجع إدارة "ترامب"، لكن إدارة "ترامب" أضافت المزيد من العقوبات وصعدت الأمر إلى حرب اقتصادية شاملة.

وعندما رأى القادة الإيرانيون أن بلدهم لا يتلقى إلا العقوبات بغض النظر عما يفعله، تلاشى الحافز الذي يدفعهم للامتثال للاتفاقيات والتصرف بالطريقة التي يود المجتمع الدولي أن يتصرفوا بها.

وبدلا من ذلك، بدأوا في البحث عن طرق لممارسة الضغط المضاد، وهو بالضبط ما كانت تفعله إيران على مدار العام ونصف العام الماضيين ردا على سياسات "ترامب".

ويدرك القادة الإيرانيون أن الهدف الحقيقي لـ "مايك بومبيو" وآخرين من صانعي السياسة في إدارة "ترامب" كان تغيير النظام الإيراني.

وبالطبع فإن هذا الهدف هو القاتل النهائي لأي دافع تجاه السلوك الجيدد. فلماذا تمتثل لرغبات شخص مصمم على التخلص منك بأي حال؟

وهنا فإن لكل من الثواب والعقاب نفس الأهمية في معادلة النفوذ. فيجب أن تكون احتمالية المعاملة المؤذية ردا على السلوك غير المرغوب فيه ذات مصداقية، ولكن يجب أيضا أن تكون احتمالية المعاملة الجيدة استجابة للسلوك الحميد حاضرة.

وفي الوقت الحالي، تعاني مصداقية الولايات المتحدة من تراجع واضح.

وإذا استمرت إدارة "بايدن" في حرب "ترامب" الاقتصادية، التي كانت تنتهك الاتفاقات الدولية وقرارات مجلس الأمن، وغير المبررة تماما في ضوء الامتثال الإيراني، لمحاولة الضغط على إيران للتوصل إلى اتفاق مختلف، فسوف يراهما القادة الإيرانيون الشخص نفسه.

كما ستظل المصداقية الأمريكية مفقودة لدى طهران. وسيبدو المعتدلون الإيرانيون، الذين ظهروا بصورة الحمقى بسبب تراجع "ترامب" عن خطة العمل الشاملة المشتركة، أكثر حماقة إذا لهثوا مرة أخرى لمثل هذا الاتفاق، حتى لو تغيرت الوجوه في واشنطن. وسوف يصبح المتشددون الإيرانيون أكثر نفوذا.

  • دعم الاتفاقيات

وأشار القادة الإيرانيون إلى استعدادهم للتحدث والتفاوض، في وقت مناسب وفي ظل ظروف مناسبة، حول قضايا تتجاوز تلك التي تغطيها خطة العمل الشاملة المشتركة والقرار رقم 2231.

لكنهم كانوا مصرّين على رفض أي إعادة تفاوض بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة نفسها.

ويعد هذا الموقف مفهوما وغير مفاجئ. فلا يريد الإيرانيون التعرض لخدعة شراء نفس الحصان مرتين.

ويصعب على الأمريكيين قبول أن يقول زعيم إيراني شيئا معقولا ومفهوما.

لكن تخيل لو تم عكس الأدوار، إذا أرادت إيران إعادة التفاوض على خطة العمل الشاملة المشتركة لمنح نفسها مزايا اقتصادية أو منح برنامجها النووي مساحة أكبر.

بالطبع سيكون رد الجميع من الجانب الأمريكي، ناهيك عن المشاركين الآخرين في الاتفاق، رفضا فوريا للفكرة وتعبيرا أكيدا عن مبدأ أن الاتفاق ملزم.

وكانت خطة العمل الشاملة المشتركة نتاج مفاوضات طويلة وصعبة.

واتفق الأطراف على أمرين أكيدين للسماح بالوصول إلى اتفاق، الأول هو أنه لن يكون هناك اتفاق بشأن القضية النووية إذا قام كل طرف بتحميل جدول الأعمال بمظالمه الأخرى، وعلينا تذكر أن إيران لديها الكثير من الشكاوى ضد الولايات المتحدة.

والثاني هو أنه لن يكون هناك اتفاق نووي إلا إذا تخلت الولايات المتحدة عن إصرارها السابق على عدم تخصيب إيران لليورانيوم تماما.

ومن هنا يعد الاقتراح الحالي لمحاولة إدارة "بايدن" استغلال العقوبات التي فرضها "ترامب" مجرد نسخة أحدث من فكرة ظلت قائمة طوال تاريخ الجمهورية الإسلامية الممتد على مدى 4 عقود، وهي أنه بممارسة الضغط لفترة أطول قليلا سيبكي حكام إيران ويرضخون في أي قضية نريدهم أن يرضخوا بشأنها.

ولم تنجح هذه الفكرة خلال العقود الـ 4 الماضية.

ومن الواضح أنها لم تنجح خلال الأعوام الـ 4 الماضية كذلك. ولا يوجد سبب لتوقع أن تنجح خلال الـ 4 أعوام المقبلة.

وسيكون هناك مجال لمناقشات ومفاوضات أوسع مع إيران في المستقبل، شريطة أن تدرك الولايات المتحدة حقيقتين.

الأولى هي أنه للحصول على المزيد، سيتعين عليها تقديم المزيد، لا سيما إعطاء إيران تأكيدا أكبر بأنها ستحصل على نوع من المزايا الاقتصادية التي كانت تتوقعها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، والتي لم تحصل عليها أبدا حتى عندما كان "أوباما" لا يزال في منصبه.

والثانية هي أن الاتفاقات بشأن بعض القضايا، مثل القيود على البرنامج الصاروخي، لن تكون ممكنة إلا إذا تم تناولها على أساس إقليمي وليس تخصيص إيران كهدف.

لكن للوصول إلى تلك الأرضية المشتركة من المفاوضات الأوسع نطاقا سيتطلب أولا أن تلتزم الولايات المتحدة بالاتفاقات التي أبرمتها بالفعل، بدلا من محاولة انتزاع ميزة اعتمادا على سياسة فشلت بكل المقاييس.

المصدر | بول بيلار/ريسبونسيبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد