الأربعاء 23 ديسمبر 2020 11:30 م

في 19 ديسمبر/كانون الأول الجاري، اعتمد البرلمان الأوروبي قرارات تدين انتهاكات حقوق الإنسان في إيران ومصر.

ومع ذلك، واجهت إيران وحدها عواقب حقيقية في شكل عقوبات فيما لم تُفرض مثل هذه العقوبات على مصر في وقت يجرى الاحتفاء بنظامها كشريك رئيسي وركيزة للاستقرار في شمال أفريقيا.

وتقوض ازدواجية معايير الاتحاد الأوروبي في هذه الحالة مصداقيته وتضعف تعزيز حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، كما تغذي الرواية التي يروجها المستبدون الذين يرفضون الانتقادات القائمة على حقوق الإنسان مدعين أنها سلاح سياسي يستخدمه الغرب ضد الأنظمة التي لا يحبها.

ومن خلال إدراج مجموعة واسعة من الانتهاكات في إيران ومصر في كلا القرارين، اعترف النواب الأوروبيون ضمنيا بأوجه التشابه في طرق تعامل كلا النظامين مع مواطنيهما وأحيانا مع الرعايا الأجانب.

وأشار القرار المتعلق بإيران إلى أنها متورطة في سجن مزدوجي الجنسية واستخدامهم كورقة مساومة في المفاوضات مع القوى الغربية، كما تمت الإشارة إلى إعدام "روح الله زم" في إيران، وهو صاحب قناة شعبية مناهضة للنظام على برنامج "تليجرام".

أما مصر، فقد سلط البرلمان الأوروبي الضوء على جريمة قتل الطالب الإيطالي "جوليو ريجيني" واعتقال ناشطين من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي واحدة من آخر المنظمات الحقوقية المستقلة المتبقية في مصر، بعد أن عقدوا اجتماعات مع دبلوماسيين أجانب بينهم أوروبيون.

ودعا المشرعون الأوروبيون إلى فرض عقوبات محددة الهدف على المسؤولين المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان في كلا البلدين.

ومع ذلك، فإن أوجه التشابه في طريقة التعامل مع طهران والقاهرة تنتهي هنا.

على سبيل المثال، صوت أكثر من 600 نائب لصالح القرار الخاص بإيران، بينما صوت 434 نائبا فقط لصالح القرار الخاص بمصر لأن قوى يمين الوسط في الغالب إما امتنعت عن التصويت أو عارضته.

وتؤكد النتيجة وجود اتجاه طويل الأمد يميل فيه أعضاء البرلمان الأوروبي من أحزاب اليمين ويمين الوسط إلى تسييس قضايا حقوق الإنسان، بحيث يتم الهجوم على الخصوم الجيوسياسيين المتصورين، و التساهل مع "الحلفاء".

وفي الممارسة العملية، يتجلى هذا الاتجاه في نمط ثابت لاسترضاء الأنظمة الاستبدادية التي تُعتبر "صديقة"، مثل مصر والسعودية والإمارات والبحرين.

وفي الأشهر القليلة الماضية فقط، صوتت هذه القوى ضد قرارات وقف مبيعات الأسلحة من الاتحاد الأوروبي إلى السعودية والإمارات، بالرغم من استمرار الحرب الوحشية في اليمن.

كما عارضوا الدعوات لوقف صادرات تكنولوجيا المراقبة التي تستخدم لتعقب وإسكات المعارضين في تلك البلدان، وكذلك في مصر والبحرين.

ومن بين أقوى المدافعين عن هذه الأنظمة أعضاء الأحزاب اليمينية المتطرفة التي ينتشر فيها الإسلاموفوبيا، مثل التجمع الوطني الفرنسي، والديمقراطيين السويديين، وهو حزب له جذور نازية، وحزب فرانكو الإسباني الجديد "فوكس"، وإيطاليا ليجا. 

لكن المحافظين في البرلمان الأوروبي ليسوا سوى جزء من المشكلة.

فالأخطر من ذلك، أن الحكومات في الاتحاد الأوروبي، التي تضع السياسة الخارجية للاتحاد، تبدو متفقة مع تلك القوى اليمينية في هذا الشأن بغض النظر عن الاختلافات في قضايا أخرى.

وهكذا، ذهب الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، وهو وسطي كما هو معلن، إلى حد تكريم الديكتاتور المصري "عبدالفتاح السيسي" بواحدة من أرفع الجوائز الفرنسية.

أما اليونان، في ظل حكومة حزب "سيريزا" اليساري، فقد عملت بشكل أساسي كأدة لترويج سياسات النظام المصري داخل الاتحاد الأوروبي.

وتثير ألمانيا وهولندا ودول اسكندنافية أخرى أحيانا قضايا حقوق الإنسان في مناقشات الاتحاد الأوروبي الداخلية، لكنها تتجنب اتخاذ أي إجراءات ملموسة، مثل فرض عقوبات على المسؤولين المصريين.

ولا يوجد أي مبررات لمعاملة "السيسي" هذه المعاملة الخاصة.

ويجري الترويج لـ"السيسي" باعتباره ضامنا للاستقرار في مواجهة التهديد الإسلامي لكن سياساته المتمثلة في قمع كل أشكال المعارضة بشكل منهجي، تهدد بخلق فراغ سياسي من المرجح أن تملأه قوى متطرفة حقا، أكثر انسجاما مع تنظيم "الدولة" من جماعة "الإخوان المسلمون" الأكثر اعتدالا والتي تعرضت لاضطهاد منهجي شرس منذ الانقلاب العسكري عام 2013 الذي جلب "السيسي" إلى السلطة.

علاوة على ذلك، أظهر الربيع العربي بوضوح أن هذه الأنظمة الاستبدادية ليست ضامنا للاستقرار.

ويرى العديد من الأوروبيين أن "السيسي" مصدر قوة بسبب علاقته الوثيقة بإسرائيل.

وفي الواقع، تضغط الجماعات الموالية لإسرائيل لصالح النظام المصري في بروكسل وعواصم أوروبية أخرى بشكل مكثف كما تفعل في واشنطن، باعتبار "السيسي" ضامنا لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل بالرغم أن المعاهدة لن تتأثر إذا تجرأت أوروبا على انتقاد سجله الحقوقي.

وتوجد حجة أخرى قديمة وهي أن المستبدين سيتجهون إلى روسيا والصين، الأمر الذي سيكون أكثر إضرارا بحقوق الإنسان.

ومن المؤكد أن "السيسي" وآخرين بارعون في لعب هذه اللعبة، حيث يلتقطون الصور مع "فلاديمير بوتين" و"شي جين بينج"، ويوقعون صفقات الأسلحة مع موسكو عندما يناسبهم ذلك.

وبالرغم من هذه اللقطات والصفقات المثيرة، لن يخاطر "السيسي" بالمساعدة العسكرية السنوية البالغة 1.3 مليار دولار التي يتلقاها من واشنطن.

ويجب على الاتحاد الأوروبي تجنب خلق انطباع بأنه يحتاج إلى علاقات مع "السيسي" أكثر من احتياج "السيسي" للغرب.

وأخيرا وليس آخرا، غالبا ما يتم تصوير "السيسي" على أنه حامي الأقلية القبطية المسيحية في مصر ضد الخطر المفترض من "الإخوان المسلمون".

ومع ذلك، تصاعدت الهجمات على الأقباط بعد انقلاب 2013، وليس قبل ذلك، ولا تزال الأقلية القبطية تتعرض للتمييز في القانون والممارسة العملية.

ويمكن أن ينطبق الحجج المستخدمة لتبرير الإذعان أو الصمت فيما يتعلق بسجل "السيسي" في مجال حقوق الإنسان، على إيران أيضا.

فبعد كل شيء، يمكن أن يجادل الاتحاد الأوروبي بأنه سيكون من غير الحكمة استعداء طهران بينما تحاول الكتلة إحياء الاتفاق النووي، أو تسعى إلى تهدئة التوترات في الخليج العربي.

ولن يكون أي منهما واقعيا بدون تعاون إيراني، ومع ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي لا يتردد في التحدث علنا ضد انتهاكات طهران الداخلية أو حتى فرض عقوبات عليها.

وبعد إعدام "روح الله زم" في 12 ديسمبر/كانون الأول، انسحبت الحكومات الأوروبية من المشاركة في منتدى الأعمال بين الاتحاد الأوروبي وإيران، الذي كان من المفترض أن يبدأ بعد يومين بإلقاء الكلمات الرئيسية من الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي "جوزيب بوريل" ووزير خارجية إيران "جواد ظريف".

وكان الفرنسيون مصرّين بشكل خاص على هذا الإجراء ضد إيران.

وعلى النقيض من ذلك، خلال زيارة "السيسي" إلى باريس، أثار "ماكرون" قضية "رامي شعث"، الناشط المصري الفلسطيني المتزوج من مواطنة فرنسية ويقبع في سجن مصري بتهم ملفقة، لكنه استبعد أي احتمال لوقف فرنسا مبيعات الأسلحة لمصر بسبب مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان.

ومن خلال إعفاء ضيفه من أي عواقب، فقد منحه الضوء الأخضر لمزيد من الانتهاكات.

ولطالما روّج القادة الأوروبيون لمعجزات "الدبلوماسية الهادئة" عند التعامل مع الديكتاتوريين الحلفاء، مستهزئين بالمجتمع المؤيد لحقوق الإنسان باعتباره من أنصار "الدبلوماسية عالية الصوت".

وهناك بالتأكيد مواقف تتطلب مستوى من التكتم والهدوء خاصة عندما يتعلق الأمر بمفاوضات حول مصير أفراد، لكن بشكل عام، فإن نهج عدم التدخل تجاه مصر قد فشل فشلا ذريعا دون أي فائدة للاتحاد الأوروبي.

ومع هذا، يبقى لدى الاتحاد الأوروبي فرصة لتغيير المسار، فبعد أعوام من المداولات، وافقت حكومات الاتحاد الأوروبي أخيرا، في 7 ديسمبر/كانون الأول، على إنشاء نظام عقوبات عالمي لحقوق الإنسان.

ويجب على قادة الاتحاد الأوروبي استخدام هذه الأداة لمعاقبة المسؤولين عن انتهاكات، ليس فقط في الدول المعادية مثل إيران، ولكن أيضا في الدول الحليفة اسميا مثل مصر.

وانطلاقا من هذه النقطة، يجب أن يحمل البرلمان الأوروبي الراية وأن يمضي قدما في هذا الأمر للأمام.

المصدر | إلدار محمدوف | ريسبونسيبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد