الثلاثاء 29 ديسمبر 2020 05:07 م

وفقا لدراسة حديثة، فإن الانخفاض الحاد المتوقع في التجارة بين الولايات المتحدة والصين في العامين المقبلين، إلى جانب التحركات لتنويع سلاسل التوريد، من المحتمل أن تضع تركيا، إلى جانب فيتنام والمكسيك وتايوان وبولندا، كمنافسين في الجهود المبذولة لتقليل الاعتماد على جمهورية الصين الشعبية.

وتشير الدراسة، التي أجرتها مجموعة بوسطن الاستشارية بالنيابة عن مجلس الأعمال التركي الأمريكي (تايك)، إلى أن تركيا، الواقعة على خط الصدع الذي يفصل أوروبا عن آسيا، لديها متطلبات للفوز بجزء من الكعكة، شريطة أن تستثمر في الأعمال الرقمية والإلكترونيات والمعدات.

وتعد "تايك"، إحدى الشركات التابعة لمجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية في تركيا، هي أقدم وأكبر اتحاد أعمال في البلاد.

وتحدد الدراسة أفريقيا كمنطقة واعدة تمنح الشركات الأمريكية والتركية أصولا مجانية. وقد وسّعت تركيا في الأعوام الأخيرة بشكل كبير من تواجدها الدبلوماسي والسياسي والعسكري والاقتصادي في أفريقيا.

وأفريقيا هي أيضا قارة حققت فيها الصين نجاحات كبيرة ولديها الإمكانات لتبرز فيها كلاعب مهيمن، لا سيما في دول مثل مصر التي تواجه خطر الانهيار الاقتصادي.

وصدرت الدراسة قبل أسابيع من الموعد المقرر لتولي الرئيس الأمريكي المنتخب "جو بايدن" منصبه، ويبدو أن الدراسة تهدف إلى التأكيد على الأهمية الاستراتيجية لتركيا في وقت تتوتر فيه علاقات البلاد مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وفرضت الولايات المتحدة مؤخرا عقوبات على تركيا لحيازتها نظام الدفاع الصاروخي الروسي "إس-400"، بينما فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على أنقرة ردا على عمليات التنقيب التركية المثيرة للجدل عن الغاز في شرق البحر المتوسط.

ومن شأن زيادة أهمية تركيا في التجارة العالمية أن يخدم أهدافا تركية مختلفة، مثل تعزيز اقتصاد البلاد، المعرض للخطر بسبب الوباء والانكماش الاقتصادي العالمي والمشاكل الهيكلية، فضلا عن الاستفادة من الانتصارات الجيوسياسية الأخيرة التي تحققت من خلال تدخلها العسكري في ليبيا ودعمها لأذربيجان في حرب القوقاز هذا الخريف ضد أرمينيا، والقدرات المثبتة لأسلحتها محلية الصنع، خاصة الطائرات بدون طيار.

ولتحسين فرصها في أن تصبح حلقة رئيسية بديلا لسلسلة التوريد الصينية، سعت تركيا إلى تلميع صورتها من تهمة "القوة التخريبية" من خلال محاولة تحسين العلاقات المتوترة مع اثنين من اللاعبين الإقليميين الرئيسيين الآخرين، وهما السعودية وإسرائيل، والضغط على إيران، وهي خطوات من شأنها إرضاء أوروبا و"بايدن" كذلك.

وأخيرا، يعزز التحول إلى بديل رئيسي لسلاسل التوريد التي تسيطر عليها الصين طموح تركيا في استغلال شيء من فراغ القوة الناتج عن تضاؤل المشاركة الإقليمية الأمريكية لاقتناء مكانها الخاص في عالم يتم فيه إعادة توازن القوى خلال التنافس بين القوى الكبرى.

وقال رجل أعمال تركي: "يخلق الصدع المتزايد بين الولايات المتحدة والصين فرصة كبيرة للتعاون الجيوسياسي. وستستفيد تركيا والولايات المتحدة اقتصاديا على حد سواء".

وتوقعت الدراسة أن التجارة بين الولايات المتحدة والصين سوف تنخفض بما يصل إلى 200 مليار دولار أمريكي في العامين المقبلين، واقترحت الدراسة أن تركيا يمكن أن تعزز بشكل كبير علاقتها بالاقتصاد العالمي من خلال الاستفادة من قاعدتها الصناعية لاستغلال الإمكانات غير المستغلة في خدمات وتكنولوجيا البيانات والبرمجيات والاستثمار في تصنيع الإلكترونيات والمعدات المتطورة في مجالات مثل المدن الذكية وإنترنت الأشياء والأتمتة.

وحذرت الدراسة من أن دولا مثل فيتنام وتايوان والمكسيك أثبتت حتى الآن أنها أكثر مهارة من تركيا في استغلال الفرص الناشئة. وقالت إن الدول الـ 3 عززت هذا العام قطاعات الإلكترونيات و/أو السيارات و/أو الزراعة بنسبة تصل إلى 11%.

ووزعت شركة "ميركوري بابليك أفيرز"، وهي جماعة ضغط تعمل لصالح "تايك"، الدراسة على الساسة الأمريكيين وصناع الرأي، في محاولة لتغيير تصورات واشنطن عن تركيا ورئيسها "رجب طيب أردوغان".

ونظمت جمعية الأعمال التركية، جنبا إلى جنب مع "تايك"، ندوة عبر الإنترنت، الأسبوع الماضي، لتسليط الضوء على مساهمات موظفي الخطوط الأمامية في الحرب ضد "كوفيد-19" الذين لديهم جذور تركية أو صلات بحلفاء تركيا.

ومن بين المشاركين كان "سين آكتن"، نائب رئيس الجمعية الطبية التركية الأمريكية، و"عصام عميش"، وهو جراح في فرجينيا ورئيس التحالف الليبي الأمريكي، ويعتقد أنه من مؤيدي حكومة الوفاق الوطنية المدعومة من تركيا في ليبيا، و"سامية بيراتشا"، رئيسة فرع واشنطن العاصمة لجمعية الأطباء من أصل باكستاني في أمريكا الشمالية.

وبدأت "تايك"، بدعم من الرئيس "رجب طيب أردوغان"، حملتها لإعادة وضع تركيا بندوة عبر الإنترنت في يونيو/حزيران بعنوان: "حان وقت الحلفاء ليكونوا حلفاء: سلسلة التوريد العالمية التركية الأمريكية"، والتي تحدث عنها السيناتور الجمهوري الأمريكي المؤثر "ليندسي جراهام"، وهو حليف وثيق للرئيس المنتهية ولايته "دونالد ترامب".

وأقر "جراهام" بأهمية تركيا، مشيرا إلى أن المضي قدما في علاقة تركيا مع الولايات المتحدة من المرجح أن ترتكز على التكامل الاقتصادي من خلال اتفاقية التجارة الحرة.

وتوقع أن تكون أفريقيا "جائزة القرن الحادي والعشرين"، وقال إنه يأمل في أن تكون الولايات المتحدة وحلفائها، وليس الصين، هي مزود البنية التحتية والتكنولوجيا في القارة.

ومع ذلك، حذر "جراهام" من أن استحواذ تركيا على منظومة "إس-400"، وإلغاء الولايات المتحدة لبيع الطائرات المقاتلة المتقدمة من طراز "إف-35" إلى تركيا، والتدخل العسكري التركي في شمال سوريا، كانت أكبر العوائق أمام تحقيق تركيا لهدفها المتمثل في أن تصبح حلقة رئيسية في سلاسل التوريد الأمريكية المعاد تكوينها.

وقال "جراهام": "إن إمكانات هذه العلاقة غير محدودة، لكن علينا تجاوز نقاط الاحتكاك. ولن تصل العلاقة إلى إمكاناتها الكاملة حتى نحصل على حل لمشكلة منظومة إس-400 وطائرات إف-35. ولن تصل إلى كامل إمكاناتها حتى نتمكن من التوصل إلى حل أكثر استدامة في سوريا. وكلما أسرعنا في تجاوز هاتين المسألتين، زاد احتمال تحول كل شيء إلى حقيقة. أتحدث عن تدابير بناء الثقة، هذا ما أبحث عنه".

وقد يرى "أردوغان" نجاحاته الجيوسياسية ومحاولاته للتقارب مع السعودية وإسرائيل عوامل ملهمة للثقة، لكن من غير المرجح أن يُنظر إليها كذلك من أي من الحزبين في واشنطن.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن منافسي سلسلة التوريد التركية يكتسبون السبق حتى وإن وصفت الولايات المتحدة فيتنام مؤخرا بأنها دولة تتلاعب بالعملة.

ولم يعط "أردوغان"، حتى الآن، سوى القليل من المؤشرات على استعداده التزحزح عن موقفه في سوريا، أو المخاطرة بعلاقته المعقدة بالفعل مع روسيا من خلال التراجع عن شراء منظومة الصواريخ الدفاعية.

ووصف "أردوغان" الخلافات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأنها "أجندات مصطنعة"، وقال هذا الأسبوع لأعضاء حزب العدالة والتنمية في البرلمان، إن "تركيا تواجه معايير مزدوجة في كل من شرق البحر الأبيض المتوسط وبشأن منظومة إس-400. ونريد فتح صفحة جديدة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في العام الجديد".

ويبدو أن الرئيس التركي يراهن على إعطاء إدارة "بايدن" الأولوية لتقليل الاعتماد على الصين من خلال تبني سياسات "معزولة جزئيا على الأقل عن الضغوط السياسية اليومية"، على حد تعبير عالم الشؤون الدولية "آرون فريدبرج". وقد يكون هذا رهانا محفوفا بالمخاطر.

المصدر | جيمس دورسي/أوراسيا ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد