الأربعاء 7 أبريل 2021 04:33 ص

تتصاعد المنافسة الجيوسياسية على آسيا الوسطى، حيث يواجه المتنافسان الأبرز منذ فترة طويلة (روسيا والصين) قوة صاعدة ثالثة هي تركيا.

وتعمل موسكو وبكين على الحد من نفوذ أنقرة في هذه المنطقة الحبيسة، لكن تسعى كل منهما لتحقيق ذلك دون تقويض موقف أنقرة في جميع أنحاء المنطقة أو عرقلة الآمال في استخدام تركيا لأغراضه الخاصة، بما في ذلك تشكيل تحالف مناهض للغرب.

ويعني هذا المزيج أن هذه المنافسة بعيدة كل البعد عن كونها "لعبة صفرية"، حيث يرغب كل لاعب في تحقيق أكبر قدر من المكاسب من خلال القوة الناعمة دون الاضطرار إلى تحمل الخسائر التي قد تترتب على وضع إقليمي أكثر توترا.

لذلك، فإن كل دولة في آسيا الوسطى أصبحت في وضع يمكنها من اللعب على هذه التناقضات، وبالتالي ترسيخ استقلالها.

لقد جذبت تعقيدات هذه اللعبة اهتمامًا متزايدًا في السنوات الأخيرة، ومع ذلك فإن توسع النفوذ التركي في المنطقة (لا سيما في أعقاب انتصار حليفتها أذربيجان في قره باغ) زاد من جدية وتعقيد هذه المنافسة الإقليمية.

وظهرت هذه الديناميكيات الإقليمية بشكل حاد في الأيام الأخيرة من خلال اجتماعين دبلوماسيين رفيعي المستوى، أحدهما في موسكو والثاني في أنقرة.

التقى وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" في 1 أبريل/نيسان بنظيره التركمانستاني "رشيد ميريدوف".

وقال المتخصص في شؤون تركمانستان "سيرجي أيتاكوف" إن "الهدف الرئيسي من زيارة ميريدوف هو التعامل مع عواقب انتصار أذربيجان في حرب قره باغ واستغلال تركيا لهذا الانتصار لتوسيع نفوذها في تركمانستان ودول تركية أخرى في آسيا الوسطى".

لقد حققت أنقرة بالفعل انفراجة من خلال التوسط في صفقة بين تركمانستان وأذربيجان حول حقول النفط المتنازع عليها منذ فترة طويلة في بحر قزوين.

لكن تركمانستان قلقة من أن يؤثر ذلك على علاقاتها مع موسكو، في حين أن روسيا ربما تكون أكثر قلقاً من أن تطور تركيا تحالفا متماسكا.

لقد أبدت تركيا بالفعل رغبتها في أن تصبح تركمانستان جزءًا من مجلس التعاون للدول الناطقة بالتركية (المجلس التركي)، وهو أمر طالما تباطأت فيه عشق أباد ولكن قد تضطر الآن إلى الموافقة عليه.

ووفقًا لـ"أيتاكوف"، فإن تركيا لا تقدم فقط "الجزرة" لتركمانستان في شكل زيادة التجارة عبر بحر قزوين ولكن تبرز "العصا" من خلال التهديد بإجبار العمال المهاجرين الموجودين الآن في قبرص وتركيا، على العودة إلى تركمانستان.

تخشى تركمانستان أن تؤدي مثل هذه السياسة العقابية من قبل أنقرة إلى زعزعة استقرار الوضع الاقتصادي والسياسي المضطرب بالفعل في البلاد.

وبالتالي، تريد عشق أباد إبقاء خياراتها مفتوحة والتأكد من أن روسيا ستبقى عميلًا رئيسيًا للغاز التركماني. 

ومع ذلك، سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن تركمانستان ستميل بشدة تجاه روسيا، فلديها أسباب كثيرة للحفاظ على تعاونها مع تركيا والصين.

وتواجه موسكو تحديات في هذا الصدد، حيث تريد القيادة الروسية الحفاظ على علاقات جيدة مع أنقرة لكنها لا تريد أن ترى تركيا توسع وجودها في آسيا الوسطى أو حتى في أفغانستان مخافة أن يحل  نفوذ أنقرة محل نفوذ روسيا هناك.

كما أن موسكو قلقة من أن أنقرة قد تقرر العمل بشكل أوثق مع بكين بشأن ترتيبات العبور بين الشرق والغرب، وبالتالي تقويض ممر "شمال جنوب" بين مومباي وسانت بطرسبرج.

وكانت مخاوف موسكو، بشأن هذا الاحتمال حاضرة في اجتماع ثنائي رفيع المستوى في أنقرة في 25 مارس/آذار الماضي، بين وزير الخارجية الصيني "وانج يي" وكبار المسؤولين الأتراك، وعلى رأسهم الرئيس "رجب طيب أردوغان".

وكان الهدف من هذه الجلسات، في المقام الأول، تعزيز التعاون الصيني التركي في أعقاب نزاع قره باغ، الذي جعل تركيا لاعباً أكبر في المنطقة.

بعبارة أخرى، فإن صعود دور تركيا الإقليمي يدعم طرق العبور بين الشرق والغرب في آسيا الوسطى، والتي تتجاوز روسيا.

ولا تخشى موسكو من أن ذلك سيكلفها نفوذها هناك فحسب، بل سيؤدي أيضًا إلى إعادة ترتيب جذري للمنطقة، مع احتمال تقارب تركيا والصين ضد روسيا.

ومن المؤكد أن اجتماع "وانج" – "أردوغان" كثف هذه المخاوف القديمة في الكرملين.

بطبيعة الحال، فإن المحادثات المباشرة بين كبار المسؤولين الحكوميين ليست هي الشيء الوحيد الذي يحدث بين هذا الثلاثي المعقد.

تروج تركيا لنفسها ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا في جميع أنحاء المنطقة من خلال ادعاء أن دول آسيا الوسطى لديها قواسم مشتركة معها أكثر من الصين أو روسيا.

وقد أصبحت هذه الحملة مصدر توتر مع كليهما.

في غضون ذلك، تشارك روسيا في مجموعة متنوعة من البرامج الأمنية المصممة لضمان استمرارها في كونها القوة المهيمنة في آسيا الوسطى فيما يتعلق بالقوة الصلبة.

ومع ذلك، تعمل الصين ببطء على توسيع دورها العسكري والأمني ​​أيضًا، لا سيما في دولة واحدة غير تركية في المنطقة وهي طاجيكستان.

تواجه الدول الثلاث -روسيا والصين وتركيا- مشاكل مع بعضهم البعض، سواء في المنطقة أو بشكل عام.

لذلك تنظر كل دولة منهم إلى الدول الأخرى على أنها إما تهديد محتمل أو شريك مطلوب.

وبالتالي، سيتناسب تعقيد هذه اللعبة بشكل طردي مع زيادة النفوذ التركي وما يعنيه ذلك من مخاوف لدي دول هذه المنطقة وكذلك روسيا والصين.

المصدر | بول جوبل - جيمستاون – ترجمة وتحرير الخليج الجديد