الجمعة 8 يناير 2021 07:14 م

سيحدد وباء "كورونا" السلوك السياسي في عام 2021، حيث أدت الجائحة إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية؛ مما اضطر الدول للتركيز على حل المشكلات الداخلية. وستستمر هذه المشاكل في 2021، ولكنها ستتحسن إلى حد ما في أعقاب الانتعاش الاقتصادي.

ونتيجة لذلك، سيتعرض النظام الدولي لقيود شديدة في 2021، وستواجه البلدان مستويات عالية من عدم اليقين والضغط الداخلي. وتقلل هذه العوامل مجتمعة من شهية معظم البلدان للمخاطرة، لذلك سيبقى الهيكل العالمي لعام 2021 سليما نسبيا ومشابهًا لنهاية 2020.

ومن المهم أن نتذكر أن قوة البلاد تقوم على حقائق الجغرافيا والاقتصاد والقوة العسكرية، وتعتبر هذه الحقائق متأصلة بعمق ولم تتغير إلا بشكل طفيف إثر الضغوط الاجتماعية والسياسية الداخلية، حتى لو بدا الأمر عكس ذلك، وما يمكن أن تسفر عنه هذه الضغوط هو إعادة تشكيل الاستخدامات المباشرة للقوة بشكل مؤقت.

ويعد عام واحد وقتًا قصيرًا في التاريخ، وقد تؤثر الأزمات الداخلية على وتيرة النظام الدولي، لكن النظام نفسه يظل سليما.

أمريكا تظل مركز الثقل

تظل الولايات المتحدة مركز ثقل النظام الدولي؛ وبالتالي يعد قيام الولايات المتحدة بالفعل، أو إحجامها عن الفعل، أمرًا بالغ الأهمية ولا توجد دولة أخرى في هذا الموقف على مستوى العالم، بالرغم أن العديد منها مراكز ثقل داخل مناطقهم الإقليمية.

تنخرط واشنطن الآن في إعادة تعريف لسياستها الخارجية، حيث تنتقل من الانخراط عالميًا إلى الانخراط انتقائيًا، مغيّرة إجراءاتها العسكرية والاقتصادية للسماح بمزيد من السيطرة غير المباشرة وتجنب الانجرار إلى صراع إضافي. وتعكس سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين والشرق الأوسط ذلك، حيث تحد واشنطن من تعرضها الاقتصادي للصين؛ وتحد من تعرضها العسكري للشرق الأوسط.

وستكون الانتقائية المتزايدة للتدخل الأمريكي هي الحقيقة الأساسية التي تميز عام 2021، حتى لو لم يتطابق الخطاب معها، وستقوم الدول الأخرى بإعادة ضبط أفعالها بناء على محاولة تمييز ما إذا كانت هناك مصلحة أمريكية ستؤدي إلى رد من واشنطن على الإجراءات التي قد تتخذها هذه الدول. وسيخلق ذلك حالة من عدم اليقين بين الأصدقاء والأعداء على حد سواء.

توترات مع الصين

ستحافظ الصين على ديناميكيتها الاقتصادية في مواجهة عدم موثوقية الولايات المتحدة التي تعد أهم أسواقها التصديرية، فقد تؤدي المغامرات العسكرية الصينية إلى تدخل الولايات المتحدة وخسارة السوق الأمريكية ككل.

وهكذا، قد تكسب الصين صراعا عسكريا وتحل بعض مشاكلها، لكنه سيكون انتصارا باهظ التكلفة، لذلك ستظل الديناميكيات التي شكلت منطقة آسيا والمحيط الهادئ في عام 2020، قائمة إلى حد كبير في 2021.

يتطلب التوسع الاقتصادي للصين الوصول إلى الأسواق العالمية بشكل حازم، وسيؤدي اهتمامها بتأمين مصالحها، باستخدام الاستخبارات والقوة الاقتصادية في ممارسة النفوذ السياسي، إلى خلق احتكاكات مع الدول التي تحتاج معها إلى علاقات اقتصادية.

وقد أدت هذه السياسة إلى تنفير بعض الدول بالفعل، مثل الولايات المتحدة وأستراليا، وستتمثل إحدى السمات الرئيسية لعام 2021 في نفور دول أخرى، ولا سيما الدول الأوروبية والدول الأصغر التي لا تستطيع تحمل الضرورات الصينية المتناقضة.

لا مواجهات كبرى

أما في الشرق الأوسط، فقد ساعد تقليص عدد القوات الأمريكية في تشكيل نظام رسمي للعلاقات؛ ليحل محل التعاون غير الرسمي بين الدول العربية وإسرائيل. وسيجبر وجود هذا التحالف (والعقوبات القائمة) إيران على الالتزام بحدود قوتها، وهكذا سيكون 2021 عامًا حرجًا لإيران مع تراجع قوتها النسبية.

وبالنسبة لروسيا، فهي تعمل جاهدة لإضافة عمق استراتيجي لها في محيطها الخارجي، كما ظهر في التدخلات في بيلاروسيا والقوقاز، بالرغم من مشاكلها الاقتصادية. وقد اختارت الولايات المتحدة التخلي عن مخاطر مواجهة روسيا في هذه المساعي.

أما في أوروبا، فسيظل الوضع متماسكا. ومع أن الشروخ داخل الاتحاد الأوروبي تجلت تمامًا في عام 2020، فقد ظل الاتحاد سليمًا من الناحية المؤسسية. ولن تختفي هذه الانقسامات في 2021، ولكن المعرفة بديناميكيات الاتحاد أدت إلى الحد من تأثير المعارك الداخلية على النظام الدولي.

وهكذا سيتسم عام 2021 باستمرار الأوضاع لكن مع قيود، حيث ستتعامل الدول مع نهاية الوباء والسخط الناجم عنه، وستواجه التحدي المتمثل في تحفيز اقتصاداتها مع وجود مجال ضئيل للمناورة أو المخاطرة.

سيكون النظام الدولي صاخبًا، لكن الحقيقة هي أنه من غير المحتمل حدوث مواجهة كبيرة، فقد أصاب الفيروس العالم ويجب أن يتعافى، وبالتالي يمثل 2021 فترة تعافٍ قد تكون فيها المغامرة الدولية محدودة.

مآزق تركيا وإيران

سوف يتآكل النظام الإيراني بسبب الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية القوية (بعد التحالف العربي الإسرائيلي)، ولكن لن يكون هذا التآكل كافيًا لتدمير النظام في 2021.

وستتجه إيران إلى الانخراط في المزيد من العمليات السرية ضد الغرب والتحالف العربي الإسرائيلي في سوريا ولبنان والعراق، لكن التصعيد لن يرقى إلى مستوى الحرب.

أما تركيا فقد وصلت إلى حدود مرحلتها الأولى من التوسع كقوة إقليمية في عام 2020، وفي عام 2021، ستواصل أنقرة تراجعها.

ستقوم تركيا بتعديل سلوكها بسبب التدهور الاقتصادي، وحقيقة أنها لا تستطيع تحمل الضغط المتزامن من الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، وستعطي الأولوية للعلاقات الاقتصادية والمالية، وستتراجع أهمية العلاقات الخارجية غير الاقتصادية.

مصير التحالف العربي الإسرائيلي

يعد سقف التوقعات العربية من التحالف مع إسرائيل مرتفعًا للغاية، ولن تكون إسرائيل قادرة على الوفاء بالتوقعات العالية هذه.

سيبقى هذا تحالفًا فضفاضًا يهدف إلى عرقلة إيران، لكنه لن يشمل عملًا عسكريًا قويًا ومشتركًا، وستسعى السعودية والدول العربية التي قامت بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، إلى الحصول على المزيد من الدعم الأمني ​​عالي التقنية من تل أبيب للحفاظ على استقرارها الداخلي ضد المعارضة.

مصر وسد النهضة

سيبقى الخلاف بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة الإثيوبي، الذي يعرّض إمدادات المياه الحيوية لمصر للخطر، ولكن لن تخوض القاهرة حربًا مباشرة بشأن هذه القضية، وبدلاً من ذلك ستحاول إقناع السودان وجنوب السودان بتوريط إثيوبيا في عمل عسكري، لكنها لن تنجح.

كما ستسعى مصر أيضًا إلى الاستفادة من أي اضطرابات عرقية داخل إثيوبيا يمكن أن تقوض الحكومة المركزية.

المصدر | جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد