الأحد 17 يناير 2021 02:27 ص

خطت السلطنة الوحيدة في الشرق الأوسط خطوة أخرى نحو التوافق مع الأنظمة السياسية لجيرانها من خلال تعيين سلطان عمان "هيثم بن طارق" نجله "ذي يزن" أول ولي للعهد في تاريخ البلاد.

وقال "بوبي جوش" الكاتب في "بلومبرج"، في وقت سابق، إن عمان لديها أغرب نظام للخلافة في العصر الحديث حيث عيّن السلطان السابق، "قابوس بن سعيد"، ابن عمه خلفا له من خلال مظروف مغلق تم فتحه بعد وفاة "قابوس". 

وكانت الدعوات للتغيير السياسي، والمزيد من الشفافية، والإصلاحات الاقتصادية، وإنهاء إفلات المسؤولين الفاسدين من العقاب، من المطالب الرئيسية للعمانيين الذين خرجوا إلى الشوارع في عام 2011 في موجة نادرة من المظاهرات التي قتلت خلالها قوات الأمن متظاهرين رشقوها بالحجارة.

وبعد ساعات من أعمال العنف، تحرك "قابوس" بسرعة لمنع المزيد من الاحتجاجات وأعلن عن توفير 50 ألف وظيفة حكومية، ورفع رواتب المواطنين، وقام برفع معاشات التقاعد واستحقاقات التقاعد.

ويصف الناشطون الآن هذه الإجراءات بأنها "إصلاحات مؤقتة" وأن الدولة فشلت في معالجة جوهر القضايا الهيكلية الكامنة وراء الصعوبات الاقتصادية في عمان.

وقالت الصحفية والباحثة العمانية "رفيعة الطلعي"، "لم يكن هذا إصلاحًا اقتصاديًا. كان الهدف هو تقليل الخلافات مع الشباب، ونقلهم من الشارع إلى وظيفة لا تسبب مشاكل".

وقال متظاهر سابق أمره جهاز الأمن الداخلي العماني أثناء احتجازه بالتوقف عن التشكيك في سياسات الدولة: "قيادتنا لم تكن جادة في حل المشاكل الحقيقية".

وأضاف الناشط، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إن "العمانيين يعيشون في حالة إنكار بسبب احترامهم العميق لقابوس، الذي أحدث ثورة في حياة العمانيين طوال فترة حكمه التي امتدت نصف قرن بعد أن أطاح بوالده في عام 1970 في انقلاب غير دموي وكرّس بقية حياته لتحديث ما كان يشبه في يوم من الأيام دولة من القرون الوسطى".

 وكشفت جائحة "كورونا" بعد أسابيع قليلة من وفاة "قابوس" الذي كان يحظى باحترام واسع، عن نقاط ضعف طويلة الأمد في الاقتصاد العماني، حيث أدى الوباء إلى انهيار الطلب على النفط والذي كان من المتوقع أن يمثل نصف الإيرادات الحكومية في عام 2020.

وأعلن "هيثم بن طارق" عن سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية لمواجهة العجز المالي القياسي والديون الحكومية.

وشمل ذلك تقليصات في الإدارة العُمانية، وإعادة هيكلة الكيانات المملوكة للدولة، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة المتأخرة بشكل متكرر بنسبة 5%، وإلغاء دعم الكهرباء والمياه عن كبار المستهلكين.

وفي العام المقبل، تخطط عمان لفرض ضريبة دخل على أصحاب الدخول المرتفعة، وهو إجراء لم يكن من الممكن تخيله في السابق في منطقة معروفة بتقديم رواتب معفاة من ضريبة الدخل.

يرحب أولئك الذين احتجوا في عام 2011 بالتزام "هيثم بن طارق" بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي طال انتظارها، لكنهم يتمنون أن يخطو الحاكم خطوات أخرى إلى الأمام.

وقال "محمد الفزاري"، وهو ناشط عماني منفي في المملكة المتحدة: "نريد فصل السلطات.. يمتلك السلطان معظم السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، كما أن الأحزاب السياسية محظورة وكثير من القوانين تقيد الحق في حرية التجمع وتكوين الجمعيات".

وأضاف "الفزاري" أنه "لا يستطيع رؤية أي شيء يمكن أن يجبر الحاكم على تقييد سلطته، ما لم يكن يعتقد حقًا أن ذلك سيكون أفضل لعمان ولديه نية للقيام بذلك".

يقول بعض المفكرين العمانيين إنهم اعتقدوا أن "هيثم" قد يعلن عن ملكية برلمانية كشكل سياسي جديد للبلاد "تكريما لوالده".

وقد شغل هذا الأخير منصب رئيس الوزراء من 1970 إلى 1971 وكان يفضّل نظام ملكي دستوري.

وفي أغسطس / آب، تخلى "هيثم" عن موقعه المسؤول عن الشؤون الخارجية والدفاع والشؤون المالية، مما يشير إلى نهاية التركيز الشديد للسلطات الذي كان يميز عهد "قابوس".

وقال مصدر دبلوماسي في السفارة العمانية بواشنطن لـ"المونيتور" إن "هذه التغييرات مثال واضح على التزام الدولة بالعمل على تطوير النظام السياسي".

مع ذلك، قال الناشط الحقوقي "إسماعيل المقبلي"، إن مجلس الشورى، وهو المجلس الاستشاري المنتخب في البلاد الذي أنشأه "قابوس" عام 1991، يفتقر إلى السلطة التشريعية ويعمل "كمستشار للسلطان" أكثر من كونه برلمانًا حقيقيًا.

وأضاف: "تم إعداد عُمان لتحكم فرديا.. وتشير نسبة المشاركة البالغة 49% في انتخابات مجلس الشورى 2019 إلى أن الناس ليس لديها أمل في أن الهيئة الوحيدة التي تمثل الجمهور على المستوى الوطني يمكن أن تغير شيئًا جوهريًا في حياتهم".

وترسم الأزمة الاقتصادية المرتبطة بالوباء ملامح مستقبل عمان، ومع ذلك فإن المواطنين ليس لديهم رأي يذكر حول مستقبلهم حيث يظلون مستبعدين إلى حد كبير من عمليات صنع القرار.

ويدعو "المقبلي" إلى نقاش عام حتى لا يتم إنفاق المدخرات الناتجة عن إجراءات التقشف على الأشياء الفاخرة أو شراء أسلحة جديدة.

وقد لاحظ الناشطون الذين أجرى "المونيتور" مقابلات معهم تحسنًا في حرية التعبير منذ احتجاجات 2011 وظهور الشبكات الاجتماعية، مما يوفر مساحة فريدة للمواطنين العمانيين لمناقشة أداء المسؤولين رفيعي المستوى، بمن فيهم الوزراء.

وقالت السفارة العمانية في واشنطن إن حرية الرأي والتعبير "ضمن صلاحيات القانون" مكفولة بموجب المادة 29 من النظام الأساسي للدولة.

ومع ذلك، فإن الأجهزة الأمنية متهمة من قبل منظمات حقوق الإنسان باستخدام المضايقات والاحتجاز قصير الأمد لترهيب منتقدي الحكومة السلميين. 

ومع دخول عُمان حقبة جديدة من تاريخها، يدعو الناشطون "هيثم" إلى تمييز نفسه عن سلفه من خلال دعم مجتمع نشط سياسيًا مدفوعًا بقيمة التفكير النقدي المطلوب لتنويع الاقتصاد المحلي بعيدًا عن النفط.

وقال الأكاديمي العماني البارز "عبدالله باعبود" في تغريدة على "تويتر" إن التغييرات التدريجية في طبيعة الدولة الريعية ونظام الرعاية الاجتماعية تستلزم "تغييرًا جادًا" في العقد الاجتماعي لتجنب حدوث حلقة جديدة من الاحتجاجات التي هزت السلطنة في عام 2011.

المصدر | سيباستيان كاستيلير / المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد