الاثنين 18 يناير 2021 07:29 م

بوتيرة متسارعة، تواصل دول مجلس التعاون الخليجي دفع مسيرة تطعيم المواطنين والمقيمين بلقاحات مضادة لفيروس كورونا المستجد، في ظل أزمة عالمية تتعلق بضمان وصول الجرعات لجميع أنحاء العالم، وسيطرة 10 دول فقط على اللقاحات حتى اليوم حسبما أفادت منظمة الصحة العالمية.

ويتصدر اللقاح الذي أنتجته شركة "فايزر" الأمريكية بالتعاون مع "بيونتيك" الألمانية قطار حملات التطعيم الخليجية، وهو مصُمّم لتحفيز الجهاز المناعي للجسم لإنتاج الأجسام المضادة لفيروس كورونا المستجد ومحاربته على نحو مأمون، ويتم التطعيم به على جرعتين يفصل بينهما 21 يوماً.

ورغم أن اللقاح يحتاج إلى درجة تبريد تصل إلى 70 درجة تحت الصفر للحفاظ على فعاليته، إلا أن دول الخليج العربية لديها من القدرة المالية ما يسمح لها باستيراد سلاسل التبريد اللازمة، وهو ما بدا واضحا في تعاقداتها، التي اعتمدت لقاح "فايزر - بيونتك" دون مشكلات فنية.

وكانت الإمارات من بين 10 دول قال المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا "هانس كلوغه"، إنها تملك 95% من جرعات اللقاحات ضد فيروس كورونا المستجد حول العالم، وفقا لما أوردته وكالة الأنباء الفرنسية.

فيما جاءت السعودية كثاني دولة عربية تبدأ التلقيح ضد الوباء بعد الإمارات، إذ بدأت الحكومة حملة التلقيح في 17 ديسمبر/كانون الأول الماضي.

ومن المتوقع أن تنتهي أغلب دول الخليج من حملاتها للتطعيم بنهاية العام الجاري، وهو التقدير الذي رجحته اللجنة العليا لإدارة الأزمات والكوارث في دبي، وفقا لما نقلته وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية (وام)، ما يفتح الباب أمام إنهاء تام لإجراءات الإغلاق، التي تعتمدها الدول كليا أو جزئيا.

تنويع التعاقدات

غير أن مسار قطار التطعيم ضد فيروس كورونا في دول مجلس التعاون الخليجي الست، كشف عن اتجاه لتنويع التعاقدات الخاصة بحملات التلقيح، تحوطا ضد مؤشرات حول أزمة محتملة في توريد لقاء "فايزر – بيونتك" بالكميات المطلوبة من جانب، وترسيخا لتعاون قوي مع الصين على مستوى تجارب لقاحها ضد الفيروس "سينوفارم" من جانب آخر.

وفي هذا الإطار، وافقت الهيئة الوطنية لتنظيم المهن والخدمات الصحية البحرينية على تسجيل لقاح "سينوفارم" ضمن جهود التصدي لفيروس كورونا، إذ شاركت البحرين في التجارب السريرية للقاح ضمن حملة شملت أكثر من 7700 متطوع.

وتعتبر البحرين من أكثر دول العالم العربية تلقيحا لسكانها، ويرجع ذلك إلى موافقتها المبكرة على لقاحي "فايزر" و"سينوفارم"، فيما ذكرت صحف محلية أن حملة التطعيم من المحتمل أن تستغرق 300 يوم على الأقل، بواقع 10 آلاف شخص يوميا فقط.

وفي منتصف سبتمبر/كانون الأول الماضي، باشرت الإمارات حملة التلقيح ضد فيروس "كورونا" المستجد في العاصمة أبوظبي، وذلك بعد أيام من تسجيلها رسمياً لقاح "سينوفارم".

كما أعلنت وزارة الصحة ووقاية المجتمع عن التسجيل الطارئ لقاح "فايزر - بيونتك" كثاني لقاح يتم تسجيله واعتماده في الدولة.

وأطلقت السعودية، في 17 ديسمبر/كانون الأول، حملة تطعيم جماعي لسكان المملكة ضد عدوى فيروس كورونا، بلقاح "فايزر - بيونتك" إذ تخطط حكومة المملكة لتلقيح 80% من سكان البلاد للوصول إلى المناعة المجتمعية، وفقا لما أوردته صحيفة الوطن (محلية).

لكن وزارة الصحة السعودية نوهت، الإثنين، أن اللقاحات المعتمدة بالمملكة صارت تشمل "فايزر – بيونتيك" و"أسترازينيكا" و"موديرنا"، مشيرة إلى التنافس العالمي على اللقاحات، والطلب الكبير على لقاح "فايزر"، الأمر الذي قد يؤثر على كميات التطعيم التي تصل إلى السعودية منه.

وإلى جوار اعتماد لقاحي "أسترازينيكا" و"موديرنا"، أعلن كيل وزير الصحة السعودية المساعد للصحة الوقائية "عبدالله عسيري" أن بلاده بصدد متابعة اللقاحين الصيني والروسي لفيروس كورونا المتسجد، لكنه استبعد وصول أي منهما إلى السعودية حتى الربع الأول من عام 2021.

وفي 23 ديسمبر/كانون الأول الماضي، بدأت دولة قطر، حملة تطعيم مواطنيها بلقاح "فايزر"، وجاء اختياره بناء على عدد السكان من جانب ونسب الوقاية المرتفعة التي يحققها من جانب آخر، حسبما نقلت صحيفة "الشرق" القطرية.

وفي اليوم التالي (24 ديسمبر/كانون الأول)، تسلمت سلطنة عمان الشحنة الأولى من لقاح "فايزر-بيونتيك" المضاد لفروس كورونا، ، وتضمنت 15 ألفا و 600 جرعة.

ومن بين دول مجلس التعاون الخليجي الست، أعلنت قطر والبحرين السعودية والكويت والإمارات أن توزيع لقاحات "كورونا" مجاني لجميع المواطنين والمقيمين على أراضيها.

الشرائح المستهدفة

وتنوي البحرين تلقيح كل من بلغ 18 عاما فأكثر من خلال 27 مؤسسة صحية، على أمل الوصول لمعدل تلقيح 10 آلاف شخص في اليوم الواحد، بحسب تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية.

ومن المتوقع أن تستغرق عملية تطعيم البحرينيين ما بين 70-140 يوما، في حين تتراوح مدة تطعيم الأجانب ما بين 80- 160 يوما، بمعدل يومي يستهدف من 5-10 آلاف شخص يوميا.

فيما تسعى الكويت لتحقيق المناعة المجتمعية من فيروس كورونا المستجد عبر تطعيم مليونين و775 ألف شخص، من المواطنين والمقيمين في البلاد، من إجمالي نحو 3 ملايين و700 ألف يمكنهم تلقي اللقاح، بعد استبعاد الفئة العمرية أقل من 16 عاماً من التطعيم، وفقاً لتوصيات المنظمات الدولية.

ويتوزع العدد المستهدف بالتطعيم في الكويت بواقع 900 ألف مواطن، ومليونين و800 ألف وافد، فيما تشير التقديرات إلى أن نسبة 25% من العدد الإجمالي السابق، قد لا ترغب بتلقي اللقاح أو لديها محاذير من التطعيم، كفئة النساء الحوامل والمرضعات والأشخاص الذين لديهم حساسية مفرطة، ما يعني أن 925 ألف شخص يندرجون ضمن هذه الشريحة، وفقا لما أوردته صحيفة الراي الكويتية.

ومع ذلك، عملت السلطات الكويتية على تأمين 5 ملايين و700 ألف جرعة من اللقاح، وهو رقم يتخطى الكميات المطلوبة، سعياً لتحقيق المناعة المجتمعية من الفيروس.

وفي عمان، بدأت السلطنة، التلقيح بالجرعة الأولى للقاح الذي أنتجته شركتا "فايزر" و"بيونتك"، في 27 ديسمبر/كانون الأول الماضي، في إطار خطة للتطعيم تغطي 60% من السكان تقسم على عدة مراحل.

واستهدفت جرعة التطعيم الأولى الفئات الأكثر عُرضة للإصابة بالمرض، وعلى رأسهم المصابون بالأمراض المزمنة وكبار السن والعاملون في الخطوط الأمامية، وفقا لما أوردته صحيفة الشبيبة العمانية.

الأولوية ذاتها أعلنتها الإمارات عبر وزارة الصحة، التي أصدرت بيانا بتاريخ 31 ديسمبر/كانون الأول الماضي، ذكرت فيه أن اللقاح المضاد لكورونا متوفر لجميع المواطنين والمقيمين فوق 18 عامًا، وخاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

وفي قطر، خُصصت الشحنة الأولى أيضا لتحصين كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة الشديدة لكونهم أكثر عرضة لمضاعفات الفيروس، وكذلك بعض أعضاء الكوادر الطبية والتمريضية وفرق الخدمات الطبية المساندة والذين يتعاملون مع مرضى كورونا بشكل يومي، بالإضافة إلى العاملين الصحيين في دور المسنين وخدمات العناية المنزلية.

كما حددت الدوحة العاملين في بعض الوزارات والمؤسسات في الدولة كأولوية ثانية، لضمان سير العمل في الخدمات الضرورية وخدمات الطوارئ، في ظل خطة موضوعة بشأن تدرج وصول التطعيم وتوزيعه حسب الفئات السنية الأكبر فالأصغر، على أن يتم الانتهاء من تطعيم أغلبية السكان خلال العام الجاري.

صفقة سياسية؟

وفي ظل التعاون اللافت بين الإمارات والصين، تصاعدت شكوك بشأن "تسييس" حملات التطعيم ضد كورونا انطلاقا من مصالح الدولتين الاقتصادية، خاصة في ظل اختبارات وإعلانات رسمية تؤكد أن اللقاح الصيني هو الأقل فعالية مقارنة باللقاحات الأمريكية والبريطانية.

فنتائج اللقاح التجريبي لشركة "سينوفاك" الصينية، "كورونا فاك"، كشفت أن "مستوى الأجسام المضادة المنتجة كان أقل مقارنة بالأشخاص الذين تعافوا من المرض"، وبالتالي كانت النتائج أقل من التوقعات، خاصة بالمقارنة مع لقاحات "أكسفورد-أسترازينيكا" و"موديرنا" و"فايزر".

وفي 9 ديسمبر/كانون الأول، أشارت السلطات الصحية في الإمارات إلى معدل فعالية بلغ 86% للقاح "سينوفارم" الصيني، بعد التجارب البشرية التي أُجريت في البلاد، ومع ذلك، لاحظ العديد من العلماء أن الإعلان يفتقر إلى البيانات الكافية والعديد من التفاصيل الهامة الأخرى.

لكن ذلك لم يكبح إدارة شركة الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية "جروب 42"، ومقرها أبوظبي، من استكمال تجارب لقاح "سينوفارم" الصيني على الأشخاص في الإمارات والأردن ومصر والبحرين، بالتعاون مع شركة "تشاينا ناشيونال بيوتيك جروب" الصينية.

وكانت نفس الشركة الصينية التي تعمل مع دول مجلس التعاون الخليجي في تجارب لقاح "سينوفارم" قد تورطت في فضيحة لقاح معيب في عام 2018.

وأعلنت مجموعة الصين الوطنية للتكنولوجيا الحيوية أن الإمارات تسلمت، في 5 يناير/كانون الثاني الجاري، 3 ملايين جرعة من لقاح "سينوفارم"، فيما أعلنت وزارة الصحة الإماراتية توفيره في جميع المراكز الصحية بمختلف إمارات الدولة للمواطنين والمقيمين.

واعتبر عضو مجلس الدولة ووزير الخارجية الصيني "وانج يي"، في كلمة ألقاها بمؤتمر وزاري بين الصين ومجلس التعاون الخليجي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أن اللقاحات أصبحت أبرز دليل على التعاون بين الصين ودول الخليج في مجال مكافحة الفيروس.

وعبر "وانج" عن تفاؤله بربط التعاون مع دول الخليج في حملة التلقيح ضد كورونا بإعادة الإعمار الاقتصادي والمفاوضات بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ومجلس التعاون الخليجي والبناء المشترك لمشاريع مبادرة الحزام والطريق المهمة.

ويعتقد مدير الأبحاث في مجموعة "فيوتشر ريسك"، "تريستان كندردين"، أن دول مجلس التعاون الخليجي التي وافقت على شراء لقاحات الصين في المرحلة الأخيرة من التجارب السريرية تترك مجالا دبلوماسيا لـ "المناورة السياسية"، وفقا لما أورده موقع "إنسايد أرابيا".

وأوضح "كندردين": "يمكنهم الموافقة على شراء هذه اللقاحات في هذه المرحلة، ولكن بعد ذلك يشترون لقاح فايزر الأكثر تقدما عندما يصبح متاحا"، مشيرا إلى أن هكذا مناورة تعد خيارا شرعيا للدول الخليجية، "أي شراء اللقاحات من بائعين متعددين في حين لا يزال السوق غير مؤكد، ثم شراء كميات أكبر بمجرد تحديد جودة اللقاحات في السوق".

وفي السياق ذاته، قال "محمد باقر فاروق"، الباحث المشارك في معهد "كلينجينديل" في هولندا وأستاذ العلاقات الدولية المساعد في جامعة "ليدن"، إن الصين تقدم لقاحها على أنه "للمصلحة العامة"، لكنه في الواقع يعبر عن كثير من "الاهتمام الجيوسياسي المتضمَن في دبلوماسية اللقاحات الصينية" حسب تعبيره.

وأضاف: "كانت الكثير من الدول التي تطوعت لمراحل تجربة اللقاحات الصينية، بما في ذلك بعض دول الخليج، هي تلك التي لها أهمية استراتيجية بالنسبة للصين، وخاصة في جغرافيا مبادرة الحزام والطريق، مثل الإمارات والسعودية والبرازيل ودول أخرى".

ووفقا لما نقله موقع المونيتور عن "آدم ني"، مدير مركز سياسة الصين في "كانبيرا"، فـ"من المرجح جدا أن تستخدم بكين اللقاح لأغراض استراتيجية، بما في ذلك تحسين سمعتها التي تضررت في جميع أنحاء العالم نتيجة للوباء".

في السياق ذاته، يمكن قراءة مشاركة الإمارات في التجارب السريرية للقاء الروسي لفيروس كورونا "سبوتنيك V"، حيث سبق أن أعلنت وزارة الصحة الإمارتية، في بيان، أن دائرة الصحة في "أبوظبي" تجري تجارب اللقاح الروسي المفتوحة على 500 متطوع مبدئيا، فيما تتولى شركة أبوظبي للخدمات الصحية "صحة" إجراء التجارب على أشخاص بالغين أصحاء من مختلف الجنسيات من سكان أبوظبي، على ألا تقل أعمارهم عن 18 عاما، وألا يكون قد سبق إصابتهم بفيروس كورونا.

كما أعلنت الوزارة، الخميس الماضي، بدء مشاركة المتطوعين ضمن المرحلة الثالثة من التجارب السريرية على اللقاح الروسي لفيروس كورونا القائم على الفيروسات الغدية.

زاوية أخرى محلية لـ "تسييس" التطعيم باللقاح المضاد لكورونا تمثلت في إعطاء "أولوية" لشرائح بعينها في إطار مستهدفات اقتصادية واجتماعية للدول الخليجية.

وكانت الكويت في صدارة دول الخليج المعبرة عن هذا التوجه، إذ كشفت مصادر حكومية أن الدفع الأولى من جرعات لقاح كورونا ستكون "مقصورة على المواطنين وفق شرائح محددة"، على أن "يتم شمول المقيمين بالتطعيمات في المرحلة الثالثة، وفقا لما أوردته صحيفة القبس (محلية).

المصدر | الخليج الجديد + متابعات