الثلاثاء 19 يناير 2021 08:42 م

في مقابلة عام 2016 مع "بلومبرج"، وصف ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" رؤيته لمستقبل المملكة في عصر ما بعد الكربون، وهي رؤية من شأنها توجيه الثروة النفطية إلى محفظة واسعة ومتنوعة من الأسهم والأصول العالمية.

وتجعل مثل هذه الخطوة، على حد تعبير الأمير "الاستثمارات من الناحية الفنية هي مصدر إيرادات الحكومة السعودية"، وبالتالي "فطم" البلاد عن اعتمادها على النفط في عصر تقلب أسعار النفط وسياسة "أوبك+" المتقلبة.

وبعد ما يقرب من 5 أعوام، ظهرت خطط إعادة الهيكلة المماثلة التي تقودها الدولة، التي غالبا ما تبدأ تسميتها بكلمة "رؤية"، في جميع دول مجلس التعاون الخليجي الـ6.

ومن خلال إنشاء وتنمية صناديق الثروة السيادية، يعتمد مسار اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بشكل متزايد على 3 عناصر، هي: أداء الاستثمارات الدولية، والتوسع الإقليمي للتكتلات غير النفطية، والتنفيذ الناجح للبنية التحتية الطموحة ومشاريع التحفيز المصممة لدعم القطاعات غير النفطية.

ومع وجود أكثر من 3 تريليونات دولار أمريكي من الأصول الخاضعة للإدارة فيما بينها، تظل أكبر 10 صناديق ثروة سيادية في مجلس التعاون الخليجي لاعبا قويا في الأسواق العالمية، وتحتل 35% من المراكز في أعلى 20 تصنيفا لهذه الصناديق.

وقد لوحظ هذا الثراء في فورة الشراء التي أعقبت الوباء، حيث استحوذت صناديق الثروة السيادية في مجلس التعاون الخليجي على حصص في الصناعات المتضررة بشدة مثل السياحة والنقل، وهما قطاعان تنظر إليهما دول المجلس كمصدر محتمل للتنويع الاقتصادي.

وكانت الرغبة في المخاطرة صعودية بما يكفي لضخ 40 مليار دولار أمريكي في صندوق الاستثمار العام السعودي من الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي.

وبعد 5 أشهر فقط من هذا الدعم، أعلن ولي العهد السعودي أن صندوق الاستثمارات العامة سيضخ ضعف هذا المبلغ في الاقتصاد المحلي في عامي 2021 و2022.

ومع ذلك، وسط معدلات فائدة منخفضة أو حتى سلبية بين الاقتصادات المتقدمة، إلى جانب التقييمات الحادة في العديد من أسواق الأسهم، أجبرت المنافسة على العائد بين المستثمرين المؤسسيين العديد منهم على تحمل ديون الأسواق الناشئة الأكثر خطورة، و/أو توجيه الاستثمار في المشاريع باهظة الثمن والبدائل غير السائلة مثل إيداعات الأسهم الخاصة وأسواق العقارات الأجنبية.

ولعل المثال الأكثر تأثيرا هو أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي وشركة "مبادلة" للاستثمار في أبوظبي قد التزما معا بمبلغ 60 مليار دولار أمريكي لصندوق "سوفت بنك فيجن"، وهو صندوق رأس مال عالي المخاطر يركز على شركات التكنولوجيا الناشئة.

وبالرغم من الضجيج حوله، فقد عانى الصندوق من خسائر فادحة عندما خضعت بعض شركات المحفظة الأكثر شهرة، مثل شركة "وي وورك" للعمالة المشتركة، لتخفيضات حادة في القيمة.

وبدون وجود قطاع محلي جدير بالملاحظة في مجال التكنولوجيا أو علوم الحياة للتحدث عنه، فإن لدى دول مجلس التعاون الخليجي خيارات قليلة بخلاف إعادة رأس مالها الاستثماري إلى الوطن.

وكان أحد المجالات التي تمكنت فيها اقتصادات الخليج من الحفاظ على النمو غير النفطي هو التوسع الإقليمي والترويج للتكتلات الخليجية.

وبالرغم من أن هذه الشركات مملوكة ملكية خاصة، لكنها تحافظ عادة على اتصال بجهاز الدولة بسبب تكوين المساهمين، بما في ذلك صناديق الثروة السيادية.

ومن خلال هندسة عمليات الدمج والتوسع من خلال استثمارات المصب في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تعمل التكتلات الخليجية، المدعومة برؤوس أموال صناديق الثروة السيادية، على توسيع نطاق حضورها بشكل متزايد من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر الخارجي في دول الخليج المجاورة في قطاعات مثل البناء والتجزئة والزراعة والاتصالات.

وبالرغم من أن صناديق الثروة السيادية تبحث عادةً عن استثمارات في الخارج وتنفذها، لكن الصدمات المصاحبة لوباء "كوفيد-19"، والتقلبات في سوق الطاقة، أجبرت بعض الدول الأعضاء في المجلس الخليجي على إعادة التفكير وإعادة توجيه تفويض هذه الصناديق.

ومع استمرار أسعار النفط في لعب الدور الأكبر في الميزانيات الحكومية، من المرجح أن يتفاقم العجز المالي بين دول المجلس في غياب الإصلاح المالي أو مصادر أكثر استقرارا وتنوعا للإيرادات العامة.

وبالتالي، فإن المسؤوليات المنوطة بصناديق الثروة السيادية تتماشى بشكل متزايد مع أولويات السياسة المحلية، لا سيما مع تطوير القطاع الخاص، وقدرته على استيعاب العمالة من المناصب المتضخمة والمكلفة في الخدمة المدنية التي يشغلها ويطمح إليها معظم مواطني دول المجلس.

ولا يزال التفاوت في الأجور بين القطاعين العام والخاص واسعا ولا يمكن تحمله.

وفي معالجة هذه المشكلة، لجأ صانعو السياسة إلى قواعد لعب جديدة خلال فترات الركود في أسواق النفط، من خلال تحفيز نشاط القطاع الخاص عبر مشاريع البنية التحتية التي ترعاها الدولة.

وتلعب كل من البنية التحتية المتعلقة بالتجارة، و"المدن الذكية"، ومناطق الجذب السياحي، أدوارا متكررة في الحيلة التي وضعها صناع القرار في الخليج، التي تشمل خطط التنمية التي تمتد لعقد أو عقود.

وبالنظر إلى الخطط المختلفة في المجلس: رؤية السعودية 2030، ورؤية قطر 2030، ورؤية البحرين 2030، ورؤية أبوظبي 2030، الاستراتيجية الصناعية 2030 في دبي، ورؤية الكويت 2035، ورؤية 2040 في سلطنة عمان، نجد أنها كلها تلميحات إلى الضرورة الملحة والحاجة إلى التجديد الاقتصادي، لكن الأهداف في كل خطة تظل غامضة، حيث يرفض النقاد مثل هذه المبادرات باعتبارها مشاريع طموحة غير واقعية على نطاق واسع.

وتشير مؤشرات السياسة الأخرى، مثل ترحيل المهاجرين، والإصلاحات المخطط لها لنظام الكفالة سيئ السمعة، الذي مكن لعقود من استيراد العمالة الرخيصة منخفضة المهارة لتلبية متطلبات القوى العاملة في قطاعات مثل البناء والتجزئة، إلى أن معظم دول المجلس تخطط لارتفاع كبير في سلاسل القيمة العالمية.

وتشمل بعض أكثر القطاعات التي يتم الاستشهاد بها في وثائق "رؤى" دول مجلس التعاون الخليجي؛ السياحة والرعاية الصحية والإعلام والترفيه وتكنولوجيا المعلومات والنقل.

ولتحقيق هذه الطموحات، لا يزال يتعين على دول المجلس الاعتماد على العمالة الأجنبية، وإن كانت ذات مهارات عالية مع الخبرة الفنية اللازمة، جنبا إلى جنب مع رفع مهارات مواطنيها.

ولا تزال المنطقة مصدرا مهما للطلاب الدوليين لمؤسسات التعليم العالي في الولايات المتحدة وأوروبا، لكن مؤسساتها التعليمية الخاصة شهدت تدفقا في التمويل، ويمكن أن تستفيد من الضخ المالي المحلي من خلال صناديق الثروة السيادية.

وتعد أمور مثل التغلب على التحيزات الثقافية ضد أنواع معينة من العمل، وتعزيز مشاركة المرأة في العمل، والمحاولات الفاشلة لفرض حصص من المواطنة في وظائف الشركات الخاصة، عوامل كامنة في صراع المنطقة للاحتفاظ بتوازن بين المحافظة الاجتماعية التقليدية وأجندتها الاقتصادية الحديثة.

وبعد أن نجحت في احتواء التكاليف البشرية لوباء "كوفيد-19"، تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها في منعطف حرج سيحدد مدى قابلية استقرار مستقبلها في عصر ما بعد النفط.

ولا يزال تأجيل الضرائب على الشركات وانخفاض صادرات النفط يضغطان على المالية العامة المنهكة بالفعل.

وبالرغم من الخلاف السياسي، لكن تدابير التقشف التي تم اتخاذها أثناء الوباء تشير إلى مستقبل أكثر استدامة لاقتصادات دول المجلس.

ومع توقع تقلص الفوائض المالية القائمة على النفط إلى الأبد، فإن تجنب الاعتماد على النفط سوف يتطلب جهدا كبيرا في محاولة للخروج من منطقة الراحة الخليجية في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

المصدر | أرمان سيدو | أوراسيا ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد