الأربعاء 20 يناير 2021 05:39 ص

يرى الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" أن بطولة العالم لكرة اليد للرجال 2021 في القاهرة والإسكندرية فرصة لتقديم أفضل ما لديه في وقت تواجه فيه علاقات مصر مع أقرب شركائها الإقليميين والعالميين رياحًا معاكسة كبيرة.

وستعمل الاستضافة الناجحة للبطولة، وهي الأولى التي تضم 32 فريقًا بدلاً من 24 فريقًا متنافسًا، أيضًا على مواجهة الانتقادات الموجهة إلى تعامل الحكومة مع جائحة فيروس "كورونا".

واعترفت وزيرة الصحة المصرية "هالة زايد" مؤخرًا بأن عدد المصريين الذين أصيبوا بالفيروس أكثر مما ذكرت الحكومة حتى الآن.

كما أن الاستضافة الناجحة ستشكل إنجازًا يضاف للإنجازات التي يفتخر بها رئيس الاتحاد الدولي لكرة اليد، المولود في مصر، "حسن مصطفى".

محاولة تجميل الصورة

اتخذت مصر تدابير صحية احترازية صارمة تتعلق بالوباء من أجل البطولة منذ لحظة وصول الفرق والمسؤولين والصحفيين إلى مطار القاهرة الدولي.

وتطبق الإجراءات على ترتيبات التدريب والإقامة ووسائل الإعلام، وكذلك النقل من وإلى الفنادق، وأماكن المباريات الأربعة المخصصة للبطولة، لتظهر مصر عزمها على عدم تحويل البطولة إلى مصدر لانتشار "كورونا".

دفع هذا القلق الاتحاد الدولي لكرة اليد والسلطات المصرية في اللحظة الأخيرة إلى تأجيل خطة للسماح للجماهير بالدخول إلى الملاعب الأربعة التي تشمل الصالة الرياضية باستاد القاهرة، والصالة الرياضية بالعاصمة الجديدة (العاصمة الصحراوية المصرية المبنية حديثًا شرق القاهرة)، وصالة الدكتور "حسن مصطفى" بالجيزة، وصالة برج العرب الرياضية بالإسكندرية.

وقال الاتحاد الدولي لكرة اليد إن القرار قد اتخذ "بالنظر إلى الوضع الحالي لكورونا بالإضافة إلى المخاوف التي أثيرت  من قبل اللاعبين أنفسهم".

قمع الأطباء

يتهم المنتقدون مصر بأنها تستضيف البطولة على الرغم من أنها تبدو غير قادرة على تلبية المتطلبات الأساسية للعاملين في المجال الصحي الذين هم في الخطوط الأمامية لمكافحة الوباء.

واحتج الأطباء والممرضات على ارتفاع عدد الإصابات في صفوفهم لأنهم يفتقرون إلى معدات الحماية الكافية، ويهددون بالسجن إذا لم يحضروا إلى العمل على الرغم من الخطر على حياتهم.

وتجلت حملة "السيسي" الوحشية على أي نوع من الانتقادات، في اعتقال العديد من الأطباء بتهم الإرهاب بسبب التعبير عن مظالمهم.

لا ورقة توت للنظام

وإذا نحّينا جانباً حقيقة أن تأثير بطولة كرة اليد يتضاءل عند مقارنته بمكانة استضافة حدث ضخم مثل كأس العالم أو الألعاب الأولمبية، فمن غير المرجح أن توفر بطولة كرة اليد الكثير من أوراق التوت لقبضة القمع القاسية لـ"السيسي" ضد أي شخص يعبر عن رأي عدا أنصاره المتملقين.

وينطبق هذا بشكل خاص على الإدارة القادمة للرئيس الأمريكي المنتخب "جو بايدن" التي لم ترتبط فقط بوعد بالتركيز على حقوق الإنسان في سياستها الخارجية، وإنما عليها أيضًا أن تفعل ذلك في محاولتها لإصلاح صورة أمريكا واستعادة مصداقيتها، التي تضررت بشدة من قبل سنوات حكم "دونالد ترامب" الأربع، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه سلطوي قوض أسس الديمقراطية.

وبالمثل، فإن البطولة لن تغير التصورات في إيطاليا ومعظم أوروبا التي تحمل جهاز المخابرات التابع لـ"السيسي" وسلطات إنفاذ القانون المسؤولية عن اختطاف وتعذيب وقتل "جوليو ريجيني".

وكان "ريجيني"، وهو طالب دراسات عليا في جامعة كامبريدج يبلغ من العمر 28 عامًا، يدرس النقابات المستقلة في مصر، قبل أن يختفي في أواخر يناير/كانون الثاني 2016.

وتم العثور على جثته مشوهة للغاية في حفرة لدرجة أن والدته لم تتمكن من التعرف على ابنها إلا من خلال أنفه، وبحسب ما ورد أصيب بكسر في رقبته ورسغه وأصابع قدمه وأصابع يده وأسنانه قبل وفاته، بينما نُحتت أحرف على جلده المصاب بحروق شديدة وكدمات.

وتدهورت العلاقات بين مصر وإيطاليا الشهر الماضي بشكل أكبر عندما أغلقت النيابة العامة المصرية تحقيقها في مقتل "ريجيني"، رافضة نتائج النيابة الإيطالية التي اتهمت 4 مسؤولين أمنيين مصريين بالمسؤولية عن وفاته.

توترات مع الحلفاء الخليجيين

قد لا يكون سجل "السيسي" البغيض في مجال حقوق الإنسان مصدر قلق للإمارات والسعودية، لكن البطولة لن تفعل شيئًا يذكر لإصلاح التصدعات في علاقته مع الدولتين الخليجيتين، وهما الداعمان الماليان الرئيسيان له.

وفي خطوة لن تمر مرور الكرام في العواصم الخليجية، اختارت مصر فندق "سانت ريجيس" القطري الذي افتتح حديثًا على ضفاف نهر النيل في القاهرة كأحد النقاط اللوجستية الرئيسية للبطولة، بما في ذلك المركز الإعلامي.

ووصل وزير المالية القطري "علي شريف العمادي" إلى القاهرة الأسبوع الماضي لافتتاح الفندق بعد ساعات من رفع قمة مجلس التعاون الخليجي مقاطعة اقتصادية ودبلوماسية لقطر استمرت أكثر من 3 سنوات بقيادة السعودية والإمارات، والتي شاركت فيها مصر والبحرين، وهكذا كان "العمادي" أول مسؤول حكومي قطري يزور مصر منذ المقاطعة عام 2017.

كان الهدف من اختيار الفندق هو الإشارة إلى السعودية والإمارات بقلق مصر من أن المصالحة مع قطر تنطوي على الكثير من التنازلات، بما في ذلك إسقاط المطالب بإغلاق شبكة تليفزيون "الجزيرة" التي تمولها الدولة ووقف دعم الجماعات السياسية مثل جماعة "الإخوان المسلمون".

اضطرت مصر إلى الموافقة على مضض على رفع المقاطعة، على الرغم من أنها قبلت استمرار الاستثمار القطري وإمدادات الغاز القطرية على مدى سنوات المقاطعة الماضية.

مخاوف التطبيع

كما شعرت مصر بالتهميش بسبب قيام الإمارات والبحرين بإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، حيث حرمت هذه الخطوة مصر من دورها كقناة دبلوماسية رسمية رئيسية لإسرائيل مع العالم العربي في الوقت الذي يسعى فيه نظام "السيسي" لإظهار أفضل ما لديه في انتظار تولي "بايدن" منصبه.

كما تتفاقم مخاوف "السيسي" بسبب الدعم الإماراتي لإثيوبيا التي يختلف معها حول بناء سد على نهر النيل يهدد إمدادات المياه في مصر؛ بالإضافة إلى النفوذ الإماراتي المتزايد في السودان المجاور، وخطط ربط الإمارات وإسرائيل عبر خط أنابيب ينافس مصر في بيع الغاز إلى أوروبا، والاهتمام الإماراتي بميناء حيفا الذي يمكن أن يخلق بديلاً لقناة السويس.

كل هذا يمكن أن يقوض موقف مصر كركيزة أساسية لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ويقنع الولايات المتحدة بتحويل النقطة المحورية لسياستها الأوسع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى الخليج.

وسعى "السيسي" إلى استباق إدارة "بايدن" القادمة من خلال إطلاق سراح السجناء، وتسليط الضوء على علاقاته الجيدة مع المسيحيين المصريين، وتوظيف شركات ضغط أمريكية للدفاع عنه أمام معسكر "بايدن" وكذلك الكونجرس.

إن استضافة بطولة العالم لكرة اليد هي خطوة صغيرة في الجبل الذي يحاول "السيسي" تحريكه، خاصة بعد تشويه "ترامب" له من خلال وصفه بأنه "الديكتاتور المفضل لدي"، وهذه تسمية من غير المحتمل أن تتغير بسبب بطولة كرة يد.

المصدر | جيمس ان دورسي | أوراسيا ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد