الثلاثاء 19 يناير 2021 01:05 م

يتواصل الجدل في مصر حول قرار تصفية مصانع الحديد والصلب في حلوان (جنوبي القاهرة)، بعد عقود من العطاء والمنافسة في السوق المصري.

ووسط إنفاق سخي من قبل نظام الرئيس الحالي "عبدالفتاح السيسي" على مشاريع سياحية وعقارية، استندت الحكومة في قرار التصفية إلى تكبد الشركة العملاقة خسائر بمعدل 500 مليون جنيه سنويا، أي ما يعادل 32 مليون دولار.

وعلى الرغم من الانتقادات الصاخبة التي صاحبت القرار، وتشريد نحو 7500 عامل، وتعزيز احتكار القطاع الخاص لتلك السلعة الاستراتيجية، فإن وزير قطاع الأعمال "هشام توفيق"، زاد من حدة الجدل، بإعلانه أن "المصنع ما يسواش 10 صاغ (الجنيه يساوي 100 صاغ أو قرش)"، وفق تعبيره.

ومع الجدل، تزايدت التساؤلات، هل هناك شبهات فساد وراء التصفية، لماذا تأخرت محاولات الهيكلة والتطوير، من يدفع ثمن التصفية، وما مصير العمالة المشردة، وهل هناك مستفيد من وراء القرار؟!.

أصول عملاقة

يعد المجمع الذي أنشأه الرئيس الراحل "جمال عبد الناصر" في خمسينيات القرن الماضي، قلعة ضخمة تزود السوق المصرية بمنتجات الحديد والصلب بنوعية جيدة وأسعار مدعومة.

ووصلت كمية الانتاج في أعوام عديدة إلى نحو 1.5 مليون طن سنويا، شملت القضبان والصفائح والأنابيب ومستلزمات السكك الحديدية والجسور والأنفاق والصناعات والتحويلية وغيرها.

وتمتلك الشركة أصولا وخامات، يقول خبراء إنها تكفي لسداد ديونها، متمثلة في 790 فدانا من الأراضي بمنطقة التبين (مقر الشركة)، إلى جانب 45 فدانا من الأراضي مشتراة بنفس المنطقة، و654 فدانا بمنطقة الواحات البحرية (غرب)، و19 ألف متر تمثل محاجر الشركة بمحافظة السويس (شرق).

ولم يعرف بشكل محدد حجم وقيمة الخردة المملوكة للمصنع، والتي تفاوتت تقديراتها من 750 ألف طن في البداية، إلى 350 ألف طن، وأخيرا 40 ألف طن فقط، بحسب تصريحات الوزير الحالي "هشام توفيق".

وعلى الرغم من تلك الأصول الضخمة، تراكمت خسائر الشركة  حتى بلغت 8.5 مليار جنيه حتى نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، إضافة إلى مديونية بقيمة 6 مليارات جنيه، منها 1.5 مليار جنيه لشركة إنتاج الكهرباء، و241 مليون جنيه لشركة فحم الكوك، و165 مليون جنيه لمرفق المياه، و116 مليون جنيه لهيئة السكة الحديد، و539 مليون للضرائب والتأمينات الاجتماعية.

جدل وزاري

وزير التجارة والصناعة المصري الأسبق "منير فخري عبدالنور"، دخل على خط الأزمة، معلنا تأييده خطوة "توفيق"، ومشيدا بقرار التصفية، استنادا إلى أن إنتاجية  المصنع متدنية للغاية بالمقارنة لخطوط الإنتاج الحديثة، مما يزيد من تكلفة إنتاجه وهو ما يستحيل معه منافسة الإنتاج المحلي أو المستورد.

وأضاف "عبدالنور" عبر "فيسبوك"، أن تكلفة العمالة لإنتاج طن حديد تسليح بلغت ألف جنيه بينما هذه التكلفة 100 جنيه في المصانع المصرية الحديثة، ما يعني من وجهة نظره ضرورة وقف نزيف الخسائر، وبيع الأصول غير المستغلة وخطوط الإنتاج المتهالكة والأراضي المملوكة للشركة، ورفع القيود على تسويق إنتاج شركة "الكوك" وفك الارتباط بينها وبين شركة الحديد والصلب.

لكن "عبدالنور" لم يجب في رده على التساؤلات التي طرحها نائب رئيس الوزراء المصري الأسبق "زياد بهاء الدين"، في مقاله بـ"المصري اليوم"، حول مع إذا كانت التصفية حتمية، أم أن الوضع كان يمكن تداركه؟، ولماذا  تحقق صناعة الحديد والصلب المملوكة للقطاع الخاص أرباحا، بينما لا تحقق سوى خسائر للقطاع العام؟، وما البدائل الأخرى التى جرى التفكير فيها ودراستها قبل الوصول لقرار التصفية؟.

وبينما أقر الخبير الاقتصادي "ممدوح الولي"، نقيب الصحفيين المصريين الأسبق، بتقادم معدات الشركة، وحاجتها لكم كبير من الطاقة ومن العمالة، بما يزيد من تكلفة الإنتاج ويقلل من تنافسية أسعار منتجاتها، أشار إلى سبب آخر يقف وراء قرار التصفية.

ويرى "الولي" في مقاله المنشور على موقع "عربي 21"، تحت عنوان "غموض حول أسباب تصفية أكبر شركة حديد حكومية"، أن استهداف الحصول على أراضي الشركة الضخمة، قد يكون هو السبب الرئيس لتصفيتها، مثلما حدث سابقا مع شركات حكومية عملاقة، جرى تحويلها من النشاط الصناعي إلى النشاط العقاري، منها الشركة القومية للأسمنت، وشركة كفر الدوار للغزل والنسيج، ومصنع السماد بالمنصورة، وشركة الدلتا للصلب.

الرابح والخاسر

الإذاعة الألمانية "DW"، اعتبرت هي الأخرى أن قرار التصفية غير صائب، وسيعني الارتهان أكثر فأكثر إلى الاستيراد من السوق العالمية بمئات الملايين من الدولارات سنويا.

ومن تبعات القرار كذلك، منح القطاع الخاص الفرصة لاحتكار منتجات استراتيجية وفرض أسعارها أكثر من أي وقت مضى وخاصة خلال أزمات كتلك التي يمر بها العالم حاليا نتيجة فيروس "كورونا".

ووفق دراسة لبنك الاستثمار القومي (حكومي)، العام 2017، فإن تحذيرات جادة وقائمة من ضعف التنافسية في ظل احتكار "شركة حديد عز" الخاصة لنحو 50% من إنتاج الحديد في مصر.

لكن "الولي" له رأي آخر، يتمحور حول المستفيدين من قرار التصفية، وأن الجيش المصري أصبحت لديه مصانع منتجة للحديد، ولم يعد بحاجة إلى إنتاج حديد حلوان.

وخلال السنوات الأخيرة، تعاظم "بيزنس" الجيش المصري في مجال الحديد، واستحوذ في العام 2016 على 82% من مجموعة "صلب مصر"، وأعلن رفع طاقته الإنتاجة إلى مليوني طن سنويا، في 2017، بحسب تصريحات رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وقتها، اللواء "كامل الوزير"، قبل توليه وزارة النقل.

وفي مايو/أيار 2018، استحوذت المؤسسة العسكرية على مصنع (بشاي للصلب)، بعد تعرض مالكه لضغوط كبيرة من قبل البنوك لتسديد المديونات المستحقة عليه.

وفي أغسطس/آب 2018، اشترى جهاز الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة المصرية، 95% من أسهم شركة "حديد المصريين" التي كان يمتلكها رجل الأعمال "أحمد أبو هشيمة"، وتسيطر على 22% من إنتاج الحديد بمصر.

مبادرة إنقاذ

الخبير الاقتصادي "أحمد السيد النجار"، رئيس مجلس إدارة "الأهرام" السابق، اعتبر تصفية الشركة بدلا من إصلاحها هي كارثة بكل المعايير، مقترحا عبر "فيسبوك" إعادة هيكلة واستغلال أصول الشركة، بما سيدر دخلا هائلا على الشركة، يتم به تحديثها.

واتفق معه الأكاديمي المعروف "حسن نافعة"، مطالبا بإصلاح الخلل القائم حاليا في المجمع بدلا من الحلول السهلة قصيرة النظر، مؤكدا أن التجديد والإحلال من مبادئ الإدارة الرشيدة، بدلا من بيعه خردة، وهي خيانة وطنية، وفق تعبيره.

بينما يلفت الكاتب الصحفي "جمال سلطان"، رئيس تحرير صحيفة "المصريون"، الانتباه إلى أن "قرار غلق وتصفية شركة الحديد والصلب قرار سياسي وليس قرارا اقتصاديا، وأن هشام توفيق وزير قطاع الأعمال لا يملك قرارا بهذا الحجم من رأسه، لا هو ولا رئيس الوزارة نفسه".

وعلى المنوال ذاته، طالب نقيب الصحفيين المصريين السابق "يحيى قلاش"، عبر "فيسبوك"، بوقف القرار فورا، والتحقيق في مؤامرة انهيار هذا الصرح، وعدم التسليم بعملية تصفية مشبوهة وكارثية فعلها من لا يملك ليعطيه لمن لا يستحق!!".

وكتب مدير تحرير الأهرام المسائي "محمد حسن"، عبر "فيسبوك"، قائلا إن "شركة الحديد والصلب تمتلك خردة تتجاوز قيمتها ما عليها من ديون، وتمتلك أراض بقيمة تفوق 50 ضعف ما عليها من ديون، وأن حوالي 50% من خطوط إنتاجها تعمل بكفاءة، وتحتاج إلى هيكلة".

وتتداول مواقع التواصل وأحزاب معارضة دعوات ومبادرات لإنقاذ المجمع من بينها طرح أسهمه على الجمهور بهدف زيادة رأسماله وإصلاح مصانعه، وهو صخب لم يتجاوز بعد ساحة الفضاء الإلكتروني، ويبدو أنه تأخر أمام قرار التصفية المدعوم من نظام يعد المصريين منذ سنوات بدولة جديدة.

المصدر | الخليج الجديد