أنهت الثورة التي قادها "الخميني" عام 1979 ما يقرب من 5 قرون من الحكم الإمبراطوري المستمر لإيران.

لكنها استمرت في التقليد الفارسي المتمثل في التوسع الإقليمي والهيمنة الإقليمية التي يعود تاريخها إلى "كورش الكبير"، في القرن السادس قبل الميلاد والتي تمتد من شمال أفريقيا إلى آسيا الوسطى.

سعى الثوار في إيران إلى تحقيق هدفهم الإمبراطوري تحت ستار البعد الديني، وليس الغزو العسكري، لكنهم وسعوا نفوذ البلاد من خلال ذلك.

أدت حرب إيران مع العراق في الثمانينات إلى إبطاء تغلغلها في المنطقة العربية، ومع ذلك، فتحت هزيمة العراق في "عاصفة الصحراء" عام 1991 واحتلاله من قبل القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها في عام 2003 الطريق أمام طهران لتأكيد نفوذها في الشرق الأوسط.

في العام الماضي، تفاخر وزير مخابرات إيراني سابق بأن إيران تسيطر الآن على 4 عواصم عربية (بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء).

مع ذلك، أدى انسحاب الولايات المتحدة في 2018 من الاتفاق النووي الإيراني إلى إضعاف إيران اقتصاديًا بشكل تدريجي، كما عزلت طهران دوليًا، وتحاول حاليا التعامل مع العقوبات، والتحالف السني الإسرائيلي الجديد، والهجمات الإسرائيلية المتكررة والعجز المتزايد.

منذ صعود الإمبراطورية الصفوية عام 1501، توقفت الأطماع الإيرانية الإقليمية عند بوابات الهند في الشرق، كما تم حظرهم في الشمال من قبل روسيا القيصرية، تاركة الأراضي العربية في الغرب باعتبارها المنفذ الوحيد لتحقيق خطط إيران العظيمة لتصبح قوة عالمية.

وبالمثل يعتقد قادة الثورة الإيرانية أنه يحق لهم بسط نفوذهم في المنطقة العربية، وناشد "الخميني" وآلته الدعائية العرب لإسقاط أنظمتهم الرجعية وتنصيب حكومات ثورية إسلامية.

وركز "الخميني" دعواته بشكل خاص على الشعب العراقي، لقد فعل كل ما في وسعه لزعزعة استقرار العراق، بما في ذلك محاولات الاغتيال وزرع العبوات الناسفة وإصدار أوامر بقصف مدفعي يومي، ما أدى إلى الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988.

يشعر الكثير من الإيرانيين، سواء أكانوا من الفرس أو الأذريين، أن لهم حقًا تاريخيًا في حكم المنطقة، في عام 1971، أمر "محمد رضا شاه" بإقامة احتفال في مدينة برسيبوليس القديمة لإحياء ذكرى 2500 عام لتأسيس الإمبراطورية الفارسية.

وهو تقليد استمر عليه المرشد الأعلى الحالي "علي خامنئي"، وتماشيا مع الفكر الإمبريالي للنخب الإيرانية، ذكّر "خامنئي" العالم مؤخرًا بأن الوجود الإقليمي لإيران غير قابل للتفاوض.

ظهر الإسلام في مكة عام 610 وانتشر بسرعة مذهلة، ليغلب على الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية.

في عام 636، هزم الجيش العربي المسلم الفرس في معركة القادسية في جنوب وسط العراق، وبعد 16 عامًا، انهارت الإمبراطورية الساسانية.

أذهل هذا الحدث الفرس الذين رأوا ثقافتهم وحضارتهم متفوقة على العرب الفاتحين، بفضل دينهم، الذي أسلمت له إيران بشكل دائم، لعب العرب دورًا حاسمًا في تشكيل الهوية الإيرانية الحديثة، بالرغم من اعتناق الفرس الإسلام فقد رفضوا اللغة العربية ولم يتقبلوا هزيمتهم التاريخية.

تبلورت أسس تاريخ الإسلام في السلالتين الأموية والعباسية بين عامي 661 و1258 في الأراضي التي قبلت التعريب، ما أبقى بلاد فارس خارج مراكز القوة وعمّق معضلة الوعي القومي الفارسي.

طور العديد من العرب على مر القرون الانطباع بأن الإيرانيين متعجرفون، كما أدار العرب ظهورهم للثقافة الإيرانية خلال صحوة القرن التاسع عشر.

لقد اختاروا محاكاة أوروبا، وتحديداً فرنسا، لأنها قدمت نفسها كدولة ليبرالية حتى بعد الاستعمار، ونجد أن معظم الإيرانيين العلمانيين والمتدينين يكرهون العرب، لا يهم إذا كانوا سنة أو شيعة.

في المراحل الأولى من الحرب العراقية - الإيرانية، انشق نحو 40 ألف جندي شيعي عراقي واتجهوا إلى إيران، التي سجنتهم لأنهم عرب.

على افتراض إمكانية تطبيع علاقاتها مع طهران، حاولت دول مجلس التعاون الخليجي إقامة علاقات ودية مع إيران، في ديسمبر/كانون الأول 2007، دعت قطر الرئيس الإيراني "محمود أحمدي نجاد" لحضور قمة المجلس في الدوحة، وسار العاهل السعودي الملك "عبدالله" معه يدا بيد كبادرة صداقة، لكن جهود المصالحة العربية تعثرت لأن الزعماء الدينيين في إيران تصرفوا كأنهم في مهمة إلهية.

أدى التعاون الأمريكي والبريطاني في تنفيذ عملية "أجاكس" عام 1953 لإقالة رئيس الوزراء الإيراني "محمد مصدق" وإعادة حكم "محمد رضا شاه" إلى إذلال الشعب الإيراني بشدة.

لم يغفر الإيرانيون "للشاه" لتواطؤه مع الأجانب - الذين لطالما أعاقوا من تطلعاتهم الوطنية - للعودة إلى السلطة.

لعب الانقلاب الذي دبرته وكالة المخابرات المركزية دورًا في إنجاح ثورة "الخميني" الملهمة، لم تتوافق خطط الثورة الإسلامية للهيمنة الإقليمية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ناهيك عن العرب، وتسببت على الفور في تسميم العلاقات بينهما، لقد ساءت مع مرور الوقت.

كشفت السنوات القليلة الماضية من الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران ضعفها العسكري وعدم قدرتها على الانتقام، خاصة أن قدرتها على استخدام وكلائها الإقليميين والإفلات من العقاب تتضاءل.

في الذكرى الأولى لاغتيال قائد لواء القدس الإيراني "قاسم سليماني"، أعلن قائد "حزب الله" "حسن نصرالله" أن الانتقام لمقتله مسؤولية كل الأحرار، وأكد للشيعة أن محور المقاومة (إيران والعراق وسوريا والحوثيين واليمن ولبنان) خرج أقوى بعد مقتل "سليماني".

وزعم "نصرالله"، زوراً، أن الاغتيال أوجد وضعاً عسكرياً عرّض الوجود الأمريكي للخطر في العراق، ما أجبر إدارة "دونالد ترامب" على سحب القوات الأمريكية من البلاد.

وبالرغم من الأدلة الدامغة على عكس ذلك، قال إن إيران لا تطلب من حلفائها القيام بعمليات عسكرية لصالحها، وقال إن إيران تعرف متى وكيف وأين ترد على مقتل "سليماني".

وأشاد "نصرالله" بضبط النفس الإيراني في عدم الوقوع في فخ الانتقام، قائلاً إن التحالف الذي تقوده له قيادة حقيقية ومسؤولة جعلت الانتصارات ممكنة، وفي النهاية علّق الأمر قائلاً: "إن قتل قادتنا يجعلنا أكثر تصميما على المثابرة لتحقيق أهدافنا".

لقد أدرك الإيرانيون أن الرئيس الأمريكي المنتخب "جو بايدن" لن يرفع العقوبات المفروضة على إيران دون مبرر، وبدلاً من ذلك سوف يلتزم إلى حد كبير بالتوقعات بعيدة المدى التي وضعها سلفه لطهران.

وقد رفض وزير الخارجية الإيراني المحبط "جواد ظريف" شروط "بايدن" المسبقة لرفع العقوبات وطالب الولايات المتحدة بالالتزام باتفاق عام 2015، وقال "ظريف" إن الولايات المتحدة ليست في وضع يسمح لها بوضع شروط لإعادة التفاوض بشأن الصفقة التي انسحب منها "ترامب" من جانب واحد في 2018.

كما اتهمت إيران إسرائيل بقتل "محسن فخري زاده"، كبير علمائها النوويين، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لكنها لم ترد، كاشفة عن ضعف طهران العسكري وعدم وجود خيارات.

وتدقق إسرائيل، التي تواصل قواتها الجوية استهداف الأصول الإيرانية في سوريا، بعناية في النشاط الإيراني في جميع أنحاء المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالتقدم في برنامجها النووي.

ليس هناك شك في أن سياسة إيران تجاه المنطقة العربية توسعية، وتجمع بين الدين والطموحات الإمبريالية الفارسية، وواصلت الثورة الإسلامية والحكومات الإيرانية منذ عام 1979، السياسة الإقليمية لإمبراطوريات بلاد فارس القديمة والبهلويين بين عامي 1925 و1979.

أصدرت القمة الحادية والأربعين لمجلس التعاون الخليجي، التي عقدت مؤخرًا في المملكة العربية السعودية، "إعلان العلا"، الذي أنهى حصار قطر وأوصل إلى سياسة خارجية موحدة، ولا يعد هذا التحول خبراً موضع ترحيب في طهران.

تهدف التدريبات العسكرية الإيرانية المتكررة إلى إرسال إشارة إلى الولايات المتحدة أنها سترد بشكل كبير على أي هجوم.

وكشفت إيران عن قاعدة صواريخ تحت الأرض على ساحل الخليج العربي خلال جولة غير مجدولة قام بها قائد الحرس الثوري الإيراني، "حسين سلامي"، لكن العروض العسكرية لطهران ليست أكثر من مجرد تمثيلية لأن ميزان القوة العسكرية يميل بشكل فاضح نحو خصومها.

عندما زار القائد الجديد للواء القدس، "إسماعيل قآني"، بغداد العام الماضي، اعتقدت الميليشيات العراقية الموالية لإيران أنه سيوزع مساعدات نقدية كما فعل سلفه، وقد أصيبوا بخيبة أمل، لأنه لم يعطهم شيئًا.

وطلبت منه السلطات العراقية التقدم بطلب للحصول على تأشيرة دخول قبل زيارته الثانية، قال "قآني" لقادة الميليشيات ألا يتوقعوا أموالاً من إيران، وبدلاً من ذلك، عليهم أن يعتمدوا على منحة الحكومة العراقية البالغة ملياري دولار.

وقد ابتليت الميليشيات العراقية المدعومة من إيران بالانقسامات بعد مقتل نائب رئيسها الذي قتل في نفس الهجوم مع "سليماني".

من غير المرجح أن تستخدم إيران وكلاءها الإقليميين لشن هجوم مشابه للهجوم الذي تم تنفيذه ضد منشآت "أرامكو" النفطية السعودية في سبتمبر/أيلول 2019 حيث حذرت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران من أن أي هجوم ضدهما من قبل وكلاء طهران سوف يستدعي رد فعل ساحقًا ضد إيران.

وأدان المحافظون الإيرانيون سياسة الرئيس الإصلاحي "حسن روحاني" القائمة على الصبر الاستراتيجي في مواجهة العقوبات الأمريكية القاسية، ومع ذلك، حذر "أحمدي نجاد" القادة الإيرانيين من التصعيد وحثهم على تجنب أي إجراءات قد تؤدي إلى الحرب.

لا تنحني إيران تحت الضغط الخارجي، فتحقيق أهدافها الوطنية يفوق أي اعتبار، واعتزازها أهم من المصالح الاقتصادية، ومع ذلك، ستتجنب القيادة الإيرانية التصعيد، حتى مع استمرارها في برنامجها النووي، والذي لا يمكن إيقافه إلا من خلال هجوم أمريكي شامل.

تفتخر إيران بمدارس فكرية حيوية ومتنوعة تشهد على ثرائها الثقافي الهائل، بالرغم من أن اختلافاته الأيديولوجية تعقد القدرة على عرض سياسة محلية وخارجية توافقية فإن الشعب الإيراني وحده هو القادر على إخراج البلاد من هذه المعضلة الدائمة.

المصدر | هلال خشان | جيوبوليتكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد