الأربعاء 20 يناير 2021 09:34 ص

يواجه ناشطون وصحفيون في العراق حملة من الاتهامات والتهديدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي من حسابات وهمية ومجهولة الهوية، تحمل صور شخصيات معروفة أو ميليشيات وفصائل منطوية تحت "الحشد الشعبي".

وقال أحد الناشطين البارزين في مدينة الموصل: "تم تهديدي بحرق منزل والدتي في الموصل وقتل شقيقي وتصفيتي"، مشيرا إلى تعرضه لتهديدات مما وصفها بالجيوش الإلكترونية.

والجيوش الإلكترونية هي مصطلح يطلق على مجموعات مدربة تعمل وفق أجندات خاصة وتهدف إلى التأثير على الخصوم، والترويج لوجهة نظر معينة، وإسكات وتشويه سمعة المناوئين، إلى جانب ترويج الإشاعات والأكاذيب وخلق البلبلة، عبر حسابات بأسماء وهمية تدار عن طريق روبوتات (Bots).

وأضاف الناشط، الذي رفض الكشف عن هويته لدواع أمنية: "تم اتهامنا بالعمالة والتشهير بأسمائنا وذلك لإيجاد حجة قوية لتصفيتنا".

وتابع الناشط الموصلي: "غالبية الرسائل تصل من حسابات تحمل صورة القائد السابق لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، أو لعلم كتائب حزب الله، فضلاً عن اتصالات نتلقاها لتبشيرنا بالقتل على حد قول المتصل".

وتستفيد الفصائل المسلحة والأحزاب السياسية في العراق من "الجيوش الإلكترونية" أو كما يسميه البعض "الذباب الإلكتروني"، من أجل الدعاية والتسويق، وأيضاً توجيه الانتقادات وشنّ حملات ترهيب وتهديد لتكميم أفواه المعارضين.

ظهور الجيش الإلكتروني في العراق

وذكر الصحفي الاستقصائي، "رياض الحمداني"، في حديث لموقع "الحرة"، أنّ "أول ظهور لفكرة الجيش الإلكتروني كان عام 2010 عبر موقع فيسبوك كونه الأكثر انتشاراً واستخداماً في العراق، وكانت نشأتها على يد الحزب الإسلامي وحزب الدعوة الذي كان يدير البلاد منذ عام 2003، وذلك بهدف تهديد الصحفيين بالتصفية أو القتل".

أما الباحث بالشأن السياسي العراقي، "غانم العابد"، فاعتبر أنّه "قد يتصور البعض بأن موضوع الجيوش الإلكترونية في العراق تزامن مع تفجر الاحتجاجات الشعبية في البلاد، مطلع أكتوبر/تشرين الأول عام 2019، أو أنها مرتبطة بميليشيا واحدة، ولكنها للحقيقة تعمل وفق إدارة وإشراف مباشر من قبل الحرس الثوري الإيراني، ويعود زمن تأسيسها إلى عام 2014 وتحديداً بعد سيطرة داعش (تنظيم الدولة) على المحافظات الغربية والشمالية من العراق".

وأضاف أنّه "في إطار الحرب مع داعش، قامت طهران بتأسيس منظومة جيوش إلكترونية تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني بشكل مباشر على كل مواقع التواصل الاجتماعي، والهدف هو دعشنة كل معارض لسياسة إيران واظهاره بصورة الإرهابي أو المتعاطف مع التطرف والإرهاب".

ولفت إلى أنّ "هذه الطريقة التي اعتمدتها إيران وميليشياتها في العراق على المنصات وأصبحت تعمل وفقاً لهذه الخطة، كما اعتمدت في تلك الفترة الجيوش الإلكترونية التي تديرها لتكذيب وطمس الجرائم والمجازر التي قامت بها الميليشيات ضد المدنيين والأبرياء".

وبحسب خبير تقني عراقي، فإن كبرى الحسابات المؤثرة والموالية لإيران وميليشياتها في البلاد تدار عبر الجيوش الإلكترونية، وأوضح أن ما يحصل هو "توجيه الهاشتاج (وسم) الأساسي من القناة المؤثرة نفسها، بعد ذلك يأتي عمل مجموعات تحتوي على الآلاف من الأعضاء الافتراضيين (حسابات وهمية)، ويتم التداول بهذا الهاشتاج عبر هذه الحسابات بكثرة، حيث لكل شخص فعلي 10 حسابات وهمية على الأقل ويقوم بنشر 10 تغريدات على الاقل بالساعة، وهكذا تكون هناك 100 تغريدة من قبل شخص واحد فقط خلال ساعة".

ويؤكد "العابد" أن "هذه الجيوش تدار بشكل مؤسسي ومنظم، ويتجاوز عد حساباتها الـ20 ألفا تنشر أفكار وتوجيهات الميليشيات".

وشدد الناشط والمدون العراقي، "سيف الدين علي"، على أنّ "جميع المسؤولين في القنوات والحسابات يتقاضون رواتب عالية جداً، علماً أنّ اجتماعات الجيوش الإلكترونية المهمة تتم في مقرات قنوات فضائية تابعة ومدارة من قبل الميليشيات".

ولفت "علي" إلى أنّ "غالبية الحسابات التي تحرض على القتل والطائفية تحمل صورة محمد محمد صادق الصدر أو صورة أبومهدي المهندس وتحمل شعارات 313 أو تحمل اسم الحشد الشعبي، والعديد منها بأسماء تزعم أن سيدة وراء الحساب على سبيل المثال: بنات الحشد، بنات المقاومة، بنات الشايب".

وأضاف أنّ "بعض الحسابات التي تحرض على قتل ناشطين وتفجير منازلهم تتخذ أسماء مرتبطة بمقتدى الصدر، وأبرزها صفحات درع آل الصدر الإلكتروني، كروب ولد محمد الصدر، منظومة الدفاع عن آل الصدر".

وعن تدريب عناصر الجيوش الإلكترونية، كشف "الحمداني" أنّ "الفصائل الموالية لإيران تعتمد على جيش منظم يضم مجموعة من الخبراء المدربين في لبنان، على يد حزب الله، لإنشاء محتوى وحملات منظمة هدفها فرض المزيد من السيطرة والحدّ من الأصوات المعارضة من خلال ترهيب وتهديد الناشطين".

وأوضحت مصادر لموقع "الحرة"، أنّ "المدعو ك.ه" (خبير تقني من حزب الله)، درب حوالى ألف شخص لمدة 8 أشهر بين عامي 2017 و2018، في أحد القواعد العسكرية في بغداد، على إدارة الجيوش الإلكترونية وأطلق حينها على هذه المجموعة اسم "جيش المقاومة الإلكتروني".

وأضافت المصادر أنّه "تم تنظيم امتحان للمتدربين لاختيار أكثرهم مهارة، والذين أرسلوا فيما بعد إلى إيران لتدريبهم على خبرات تقنية أخرى أبرزها قرصنة الحسابات، وإيقاف حسابات وصفحات المدونين والناشطين"، مشيرةً إلى أنّ "خبير حزب الله سبق أن نظّم تدريبات في جمعية مقرّها المغرب، تزعم أنها تكافح الجريمة الإلكترونية وترشد حول عدم الوقوع كضحايا للمجرمين الإلكترونيين".

وكان تحقيق أجرته صحيفة "تليجراف" البريطانية، في أغسطس/آب 2020، قد كشف عن قيام "حزب الله" اللبناني بتدريب الآلاف من ناشطي وسائل التواصل الاجتماعي المدعومين من إيران، لإنشاء ما يسمى "الجيوش الإلكترونية" في جميع أنحاء المنطقة.

وأفادت الصحيفة أنه منذ عام 2012، يقوم "حزب الله" بتنظيم دورات لتعليم المشاركين كيفية التعامل مع الصور رقميًا، وإدارة أعداد كبيرة من حسابات وسائل التواصل الاجتماعي المزيفة، وإنشاء مقاطع فيديو.

ونقلت الصحيفة عن "محمد"، وهو شاب عراقي شارك في التدريبات، أن مبنى التدريب من الخارج يبدو متهالكاً لكنه من الداخل مليء بأدوات التكنولوجيا المتقدمة، مشيراً إلى أن مدة الدورة استمرت 10 أيام وطلب منه عدم التحدث مع أحد، كما تمت مراقبة الطلاب بواسطة الكاميرات طوال فترة بقائهم في بيروت.

الاستراتيجية المتبعة

وأشار الناشط "سيف الدين علي"، إلى أنّ "التحريض على القتل يتم بداية باستهداف الشخصيات عبر حملات منظمة ضدهم، للتأثير على الأنصار  وتشويه سمعة المُستهدف، ويأتي بعد ذلك الاستهداف الجسدي، عبر التصفية أو إحراق المنزل، يلي ذلك إعادة نشر المنشورات القديمة التي تهدف إلى عدم التعاطف مع المُستهدف".

وتابع أنّ "الجيوش الإلكترونية تركز بعد ثورة تشرين ( التظاهرات المطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد عام 2019) على الطائفية من خلال دعم هاشتاجات فتنوية تهدف لتشتيت الصفوف العراقية التي وحدتها ثورة تشرين".

ولفت إلى أنّه "في الفترة الأخيرة يتم التحريض على الناشطين من خلال نشر قوائم تحمل أسمائهم مع رسالة تقول إنه يجب تنظيف العراق من العملاء والخونة الذين يريدون تخريب العراق، كما ورد اسمي في جميع تلك القوائم".

وعن تنامي ظاهرة الجيوش الإلكترونية وازدياد دورها وأثرها على أرض الواقع، اعتبر المدون "علي" أنّه "بعد ثورة تشرين جميع الجيوش الإلكترونية التابعة للجهات السياسية اتحدت على أمر واحد، وهو إسقاط ثورة تشرين وترهيب الناشطين، بل والتحريض على قتلهم وتبرير قتلهم حتى".

وأضاف أنّ "أول التهم التي أطلقتها الجيوش الإلكترونية التابعة للميليشيات المسلحة وللأحزاب السياسية هي العمالة لأمريكا، إذ روّجوا لفكرة تمويل الثورة من قبل أمريكا".

ولفت الباحث بالشأن السياسي العراقي، "غانم العابد" إلى أنّ "طريقة دعشنة سنة العراق طبقت على شيعة العراق الذين يمثلون الغالبية العظمى من متظاهري تشرين، بنفس طريقة التسقيط، لكن بما أنّهم من أتباع المذهب الجعفري ولا يمكن دعشنتهم جرى اتهامهم بالعمالة للسفارة الأمريكية، فكان كل ناشط في هذه المظاهرات يتم اتهامه بأنّه مدعوم من واشنطن أو مرتبط بها، وذلك لإيجاد المبرر لاغتيالهم".

وذكر أنّ "النقطة التي دائماً ما يركز عليها الجيش الإلكتروني هي افتعال مشاكل طائفية عبر التهجم على المقدسات السنية، بانتظار أن يرد شخص سني على هذا التهجم لإحداث شرارة فتنة".

وأشار الخبير الأمني، "سرمد البياتي"، في حديث لموقع "الحرة"، إلى أنّ "لدى وزارة الداخلية دائرة خاصة تعنى بهذا الملف، ولكنها لا تستطيع السيطرة الكاملة على كل ما يجري عبر الإنترنت"، مشدداً على ضرورة إيجاد حل لهذه الظاهرة واتخاذ إجراءات قانونية حقيقية رغم صعوبة هذا الأمر".

وأكّد "البياتي"، أنّ "الجيوش الإلكترونية تشكل خطراً كبيراً لا يمكن الاستهانة به، إذ وقع ضحية أعمالها عدد كبير من الناشطين والصحفيين".

أما "العابد"، فأعرب عن أمله بـ"خطوات مهمة لإدارتي تويتر وفيسبوك تجاه الآلاف من الحسابات التي تديرها الجيوش الإلكترونية التابعة للحرس الثوري والأذرع الإيرانية المسلحة التابعة لها في العراق ودول أخرى بالمنطقة"، مؤكًدا أنّها "تمارس إرهاباً وتهديداً للناشطين عدا عن كونها تحولت لمنصات رئيسية في ضخ الكراهية والمعلومات المضللة للجمهور".

المصدر | الخليج الجديد + الحرة