الجمعة 22 يناير 2021 10:50 م

تركت رئاسة "دونالد ترامب" بصمة لا تمحى على السياسة العالمية.

وعلى مدى الأربعة أعوام الماضية، قام عدد كبير من القادة السياسيين في جميع أنحاء العالم بتقليد خطاب "ترامب" وأسلوبه وسياساته الحكومية، بدءا من الدعوات لاستعادة نوع من العظمة الوطنية "المفقودة" وانتقاد السياسيين التقليديين، إلى المواقف المتشددة بشأن قضايا القانون والنظام والنهج القومي للهجرة والتجارة.

وقام بعض القادة بذلك لأغراض انتخابية، حيث رأوا أن استراتيجية "ترامب" السياسية وسيلة ناجحة لكسب الأصوات، بينما دعم آخرون الرئيس الأمريكي من أجل الاستفادة من وجود علاقة وثيقة مع البيت الأبيض.

وكان الكثير منهم في مكان ما بين الاثنين، حيث جمعوا بين التحركات التكتيكية والتقارب الأيديولوجي الحقيقي مع "ترامب".

لكن في الوقت الذي ينتهي فيه عهد "ترامب" في منصبه كرئيس للولايات المتحدة، ستظل القومية والشعبوية قوى مؤثرة في السياسة العالمية في المستقبل المنظور، مع تنامي الدوافع الاجتماعية والاقتصادية التي تغذيها بما في ذلك عدم المساواة في الدخل، والخوف من تأثير العولمة على الوظائف، والهوية الوطنية، والتغيرات الديموغرافية، والاستياء الشعبي من المؤسسة السياسية والاقتصادية التقليدية.

  • المستفيدون من إدارة "ترامب"

وكانت هناك آثار لخطاب "ترامب" في دعوات رئيس الوزراء البريطاني "بوريس جونسون" إلى "استعادة السيطرة" على المملكة المتحدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، في حين وافق حزب القانون والعدالة الحاكم في بولندا على آراء إدارة "ترامب" بشأن القضايا الاجتماعية والسيادة الوطنية والهجرة.

وكان الخطاب العدواني لرئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" وهجماته على وسائل الإعلام مشابها لـ "ترامب"، في حين كان موقف الرئيس البرازيلي "جاير بولسونارو" المتشدد بشأن الجريمة قريبا جدا من موقف الرئيس الأمريكي.

وفي غضون ذلك، أشادت أحزاب المعارضة اليمينية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الرابطة الإيطالية والتجمع الوطني الفرنسي، بـ "ترامب" ووعدت بتبني سياسات مماثلة إذا وصلت إلى السلطة.

واستفاد العديد من هؤلاء القادة من علاقاتهم الجيدة مع البيت الأبيض في عهد "ترامب".

واستخدم "جونسون" تحالفه مع "ترامب" لإرسال رسالة إلى الناخبين في المملكة المتحدة مفادها أن الولايات المتحدة دعمت بريطانيا خلال مفاوضات التجارة الحرة المتوترة مع الاتحاد الأوروبي، حتى وإن كان الأمر انتهى بـ "جونسون" بالتوقيع على صفقة مع الكتلة.

ورأت بولندا في الحفاظ على العلاقات الوثيقة مع "ترامب" وسيلة لتحقيق هدفها طويل الأمد المتمثل في تأمين وجود أكبر للقوات الأمريكية في البلاد.

وكان اعتراف إدارة "ترامب" بالقدس عاصمة لإسرائيل، والأهم من ذلك، انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني، انتصارات سياسية مهمة لـ "نتنياهو".

ومن جانبه، استخدم "بولسونارو" الخطاب العام الأولي لـ "ترامب" حول "كوفيد-19" لإثبات صحة توجهه لإعطاء الأولوية لإبقاء الاقتصاد مفتوحا مع التقليل من خطورة الوباء.

وفي الوقت نفسه، قدم تقارب "ترامب" الشخصي مع القادة المثيرين للجدل، مثل الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"، دعما سياسيا من البيت الأبيض لهؤلاء القادة على الأقل لفترة من الوقت.

  • عامل "بايدن"

وفي الأشهر المقبلة، من المحتمل أن يصبح القادة الشعبويون والقوميون أكثر براجماتية.

وفي بعض الحالات، قد يخفف بعضهم من حدة العناصر الأكثر تطرفا في سياساتهم لتجنب تأجيج التوترات مع الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة "جو بايدن".

وفي الواقع، بدأ هذا التحول بالفعل خلال الأسابيع الأخيرة من إدارة "ترامب"؛ فقد أجبر هجوم مؤيديه على مبنى "الكابيتول"، في 6 يناير/كانون الثاني، معظم المعجبين به في الخارج على النأي بأنفسهم عن "ترامب"، سواء لأسباب محلية بسبب الاستياء من الصور القادمة من الولايات المتحدة، أولحسابات السياسة الخارجية لإبقاء الباب مفتوحا للتعاون مع إدارة "بايدن" القادمة.

لكن هذا التغيير في السلوك من المرجح أن يكون تكتيكيا وجزئيا فقط.

وفي حين أن "بايدن" قد يكون من أشد المنتقدين للأنظمة الشعبوية والاستبدادية مقارنة بسلفه، فإن المصلحة وليس الأيديولوجية ستظل تهيمن على علاقات إدارته الجديدة مع هذه الحكومات.

وستحتفظ واشنطن بعلاقاتها مع حلفائها الاستراتيجيين، بغض النظر عن أيديولوجية قادة هذه الدول.

وينطبق الشيء نفسه على الحكومات القومية والشعبوية التي تتعامل مع الولايات المتحدة.

وسوف تستمر دول أوروبا الوسطى والشرقية في اعتبار البيت الأبيض الضامن النهائي ضد العدوان الروسي، ما يعني أنها ستسعى إلى التحالف مع واشنطن بغض النظر عن المسؤول.

وسيظل حلفاء الولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ أيضا يتطلعون إلى البيت الأبيض للحصول على تطمينات ضد صعود الصين، في حين سيظل التعاون مع الولايات المتحدة أحد أعمدة السياسة الخارجية لكل من إسرائيل والمملكة المتحدة.

  • إرث "الترامبية" الدائم

ومن غير المرجح أن تُترجم نهاية ولاية "ترامب" في الولايات المتحدة إلى نهاية الأيديولوجيات القومية والشعبوية العالمية لسبب أساسي وهو أن جميع العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت شعبية هذه المعتقدات لا تزال سائدة كما كانت دائما.

وفي الواقع، ستؤدي الأزمة الاقتصادية العميقة التي أحدثتها جائحة "كوفيد-19" إلى تفاقم البطالة وعدم المساواة والغضب من المؤسسة السياسية والاقتصادية، وهي الظروف التي دفعت "ترامب" والقادة المشابهين في التفكير إلى السلطة على مدى العقد الماضي.

ويعني هذا أن السردية التي تقول أن الحكومات لا تفعل ما يكفي لحماية الوظائف المحلية وأن الحروب التجارية وتراجع العولمة هي أفضل طريقة للفوز بالسباق ضد الاقتصادات المنافسة والشركات متعددة الجنسيات، قد وجدت لتبقى وستستمر في تشكيل السياسة العالمية في المستقبل المنظور.

ويمكن قول الشيء نفسه عن الأيديولوجية المناهضة للمؤسسية، التي تلقي باللوم على النخب الوطنية والدولية، بما في ذلك السياسيون والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام الرئيسية، وتتبنى الخطاب الذي يربط الهجرة بالجريمة والإرهاب وتراجع الأجور.

وكانت القوى الشعبوية والقومية مزعجة للغاية للبلدان التي ظهرت فيها. وفي أوروبا الغربية، أدت إلى مزيد من الأنظمة السياسية المجزأة بسبب تحدي هيمنة الأحزاب التقليدية، ما أدى إلى حكومات أكثر هشاشة وعملية صنع سياسات أطول وأكثر تعقيدا.

وفي غضون ذلك، شهدت أوروبا الشرقية صعود الحكومات التي أضعفت سيادة القانون، وأدت إلى تهميش الأقليات، وزادت من الضغط على وسائل الإعلام الناقدة.

وفي الولايات المتحدة، عمقت طبيعة "ترامب" الشعوبية الانقسامات الاجتماعية والسياسية بطرق قد تستغرق عقودا لإصلاحها.

وفي الأعوام القادمة، سيستمر هذا المناخ السياسي المتغير في إجبار قادة أحزاب الوسط في جميع أنحاء العالم على التحرك إما إلى اليمين أو اليسار أكثر لجذب الناخبين بسبب الاستقطاب المتزايد، ما يجعل تحقيق الإجماع السياسي والاجتماعي صعبا بشكل متزايد.

وبالرغم من اعتبارها "ترامبية"، فإن معظم السياسات المرتبطة بإدارة "ترامب" لم تولد معه ولن تنتهي برئاسته.

وفي الواقع، كان العديد من أقران "ترامب" الأيديولوجيين في السلطة قبل فترة طويلة من انتخابه، ومن المرجح أن يصمدوا بعده عدة أعوام.

ومن المؤكد أن الكثيرين سيتبعون خطاه في المستقبل.

المصدر | أدريانو بوسوني/ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد