السبت 20 فبراير 2021 03:32 م

منذ نحو أسبوعين، صعدت جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) في اليمن، من هجماتهم في محافظة مأرب الاستراتيجية للسيطرة عليها، كونها تعد أهم معاقل الحكومة اليمنية، والمقر الرئيسي لوزارة الدفاع، إضافة إلى تمتعها بثروات النفط والغاز.

ويقول مراقبون، إن الحوثيين يريدون السيطرة على مأرب، كورقة تفاوضية هامة في محادثات السلام المرتقبة برعاية أمريكية، خصوصا مع تعيين واشنطن مبعوثا خاصا لها إلى اليمن "تيموثي ليندركينج".

ويحبس الكثيرون أنفاسهم ترقباً لما يمكن أن يسفر عنه الهجوم، من نتائج عسكرية وسياسية وإنسانية.

وباستثناء الادعاءات المتضاربة لأنصار طرفي النزاع، فإن إحجام قيادتي الجانبين عن إعطاء أي معلومات موثقة بشأن سير المواجهة، يبرهن حتى الآن على الأقل، ليس فقط على عدم إمساك أي طرف منهما بزمام المعركة، وانعدام قدرته على توجيه مجرياتها، بل كذلك على سرعة التغير الذي يشهده أو يمكن أن يشهده مسرح القتال بين ساعة وأخرى وفقاً لإمكانات وأداء كل منهما.

وتبدو خسائر الطرفين المتحاربين حتى الآن كبيرة، خصوصاً في الأرواح.

كما تفيد مصادر أن المواجهة أخذت طابعاً عقائدياً بين المتشددين الإسلاميين السنة، ومعهم رجال القبائل المحليين من جهة، والمقاتلين الحوثيين الشيعة من جهة أخرى.

ويرى أحد شيوخ المنطقة أن أي توسع لسلطة الحوثيين في مأرب "سينزلق بهم أكثر في مناطق نفوذ أشد خصومهم، وستتوسع المقاومة الداخلية ضدهم، ويبدأ صراع الأجنحة داخل الحركة نفسها يتضح بقوة باعتبار أن موارد مأرب المالية ستكون سبباً لهذا التنازع".

غير أن ذلك لا يقلل أو ينفي خطورة الزحف الذي يقوم به الحوثيون باتجاه مأرب من حيث إمكانية أن يؤدي بالتأكيد إذا نجح إلى تغييرٍ في مسار وسيناريوهات الصراع.

مكمن الخطورة

تكمن خطورة المدينة، في أنها غنية بالنفط والغاز، ووقوعها في أيدي الحوثيين، يمكن أن يسلب حكومة وقوات الرئيس المعترف به دولياً "عبدربه منصور هادي"، آخر معاقلها على الأرض في شمال البلاد، الذي يسيطر الحوثيون على أغلب محافظاته الـ13 تقريباً، بما في ذلك العاصمة صنعاء.

كما قد لا يقتصر هذا في حال حدوثه على إضعاف مركز تلك الحكومة في أي مفاوضات محتملة مستقبلاً فحسب بل أن يؤدي إلى خروج تدريجي لها من المشهد أو إلى بقائها شكلاً في أحسن حال، خصوصاً إذا تقلص حجم الدعم الذي يفترض أن التحالف السعودي لا يزال يوفره لها.

وبالتالي فقد يتحول الصراع، إما إلى مواجهة بين شمال البلاد الخارج في معظمه عن سيطرة حكومة "هادي" مع جنوبها الذي تواجه فيه هذه الحكومة منافسة شديدة مع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم بقوة من قبل الإمارات، أو أن نشهد إلى جانب هذا أو بدونه اصطفافا (سنياً) عريضاً غير مستبعد في شمال وجنوب البلاد، مدعوماً من قبل الرياض في مواجهة (المشروع الشيعي) للحوثيين الزيدية المتحالف مع طهران.

كما يكمن جزء من خطورة المشهد الراهن، في أن هجوم الحوثيين على مأرب، يتم وسط ما يبدو في نظر البعض أشبه بخذلان من قبل أطراف داخل التحالف الذي تقوده السعودية، وحتى على الصعيد السياسي اليمني، بما فيه قوى قبلية في مأرب نفسها.

وذلك نكاية بحزب التجمع اليمني للإصلاح ذي التوجه الإسلامي المتهم طوال السنوات الماضية بالسيطرة على محافظة مأرب وثرواتها المعدنية والطبيعية الأخرى.

فعلى الرغم من أن السعودية ظلت تتعامل مع (الإصلاح)، ولو تكتيكياً لضرورات مرحلية بوصفه رافعة سياسية وعسكرية مهمة لحكومة "هادي"، خلال أعوام النزاع الستة الماضية، إلا أن مراقبين لا يرون في الغارات التي تنفذها مقاتلاتها على مواقع وطرق إمدادات الحوثيين حول مأرب، رداً كافياً ومتناسباً مع حجم وكثافة الهجوم الذي يشنه مقاتلو الحركة الحوثية من محاور وجبهات عدة من خارج وداخل حدود المحافظة.

خسارة سعودية

ويحذر محللون من مغبة التراخي إزاء هجوم الحوثيين على مأرب، المحافظة النفطية المتاخمة للحدود السعودية، ويرون أن السعوديين قد يرتكبون خطأً استراتيجياً جسيماً في حال عدم أخذ هذه التطورات على محمل الجد الذي تتطلبه منهم.

وحمل القيادي البارز في حزب الإصلاح "حميد عبدالله الأحمر"، التحالف بقيادة السعودية المسؤولية عن كامل النتائج التي انتهت إليها الحرب حتى الآن، باعتبار أن "التحالف هو من يدير الحرب".

وقال: "مخازن الحرب بيد التحالف، والتحركات بيده، والشرعية (اليمنية) والجيش الوطني هما من يدفع الأثمان الكبيرة لهذه الإدارة".

ولا يعفي "الأحمر"، الحكومة اليمنية من مسؤوليتها عن "عدم مقاومتها لانحراف هذه الحرب (عن مسارها) من بدايته والتماهي، مع ما تم فيه"، لكن "الانحراف تم بوعي من قبل التحالف دون شك"؛ حسب قوله.

كما نبه سياسي يمني كبير، طلب إخفاء هويته، من مخاطر أن "تتوهم السعودية أن بإمكانها في حال هزيمة الإصلاح في مأرب، أن تتوصل إلى صفقة مع الحوثيين لضمان أمن حدودها الجنوبية".

وأشار إلى أن الرياض "لن تتمكن من جعل الحوثيين جاراً وشريكاً لأمنها، ولا من لجم الطموحات المختلفة للحوثيين، إذا تمكنوا من ثروة مأرب النفطية والغازية وبسطوا سلطتهم على كامل المحافظات الشمالية المحاذية لحدود المملكة، خصوصاً أن قرار الحوثيين النهائي بيد طهران وليس بأيديهم".

هيبة أمريكية

في جانب آخر، من مخاطر الهجوم على مأرب، الذي تزامن مع هجمات أخرى في العمق السعودي هو أنه يبدو رداً غليظاً على مبادرات الإدارة الأمريكية الجديدة، لوقف مبيعات الأسلحة للسعودية ولإلغاء تصنيف الحركة الحوثية كمنظمة إرهابية عالمية وتعيين ممثل خاص لواشنطن في اليمن.

إذ يوحي انطلاق زحف الحوثيين نحو مأرب عقب إعلان هذه المبادرات بأيام، عدم اكتراث من قبل الحركة الحوثية بها.

ويعتقد البعض بأنه مثلما جاءت مبادرة إدارة الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب"، لوصم الحوثيين بالإرهاب "متعثرة ومتأخرة إلى ما قبل أيام من انتهاء ولايتها"، فإن إلغاء إدارة الرئيس الجديد "جو بايدن" الجديدة لذلك التصنيف "أتى هو الآخر متسرعاً ومرتبكاً"، ولن يمهد الطريق التي تأمل واشنطن أن يسلكها الحوثيون للعودة إلى طاولات التفاوض.

مجموعة الأزمات الدولية، تعتقد أن مبادرات "بايدن" لا تخص اليمن على نحو مباشر، بل "تأتي كجزء من مراجعة أوسع لسياستها في الشرق الأوسط".

فيما يضيف آخرون أن تراجع إدارة "بايدن" عن تصنيف الحوثيين كإرهابيين، يندرج أساساً في سياق المناكفات السياسية في الداخل الأمريكي، ويعتبرون أنه جاء من حيث لم تدرك إدارة "بايدن" بمثابة "هدية للحوثيين وضوءٍ أخضر لشن هجومهم على مأرب".

ما قد يتفق مع هذا الطرح هو نفي الحوثيين أنفسهم أي ارتباط بين تلك المبادرات والعمليات القتالية للحركة في مأرب.

ماذا لو؟

وهناك احتمال آخر، يكمن في انكسار زحف الحوثيين على مأرب، الأمر الذي قد تكون له كما لنجاحه، آثاره الخطيرة، التي يمكن أن ينعكس أولها على الوضع الإنساني في هذه المحافظة التي استضافت ما يزيد على مليونين من النازحين إليها هرباً من جحيم القتال في مختلف مناطقهم.

يرى الكاتب والمحلل السياسي المهتم بالشأن اليمني "آدم بارون"، في ذلك "تطوراً يهدد بخلق أزمة إنسانية كبيرة".

وأضاف: "لقد شاهدت القتال يصل بالفعل إلى مخيمات النازحين في منطقة (صِرْواح) غرب المحافظة، وإذا تحرك القتال باتجاه مأرب فسيكون هناك نزوح جماعي كبير في أنحاء مختلفة".

لكن انتكاسة الهجوم على مأرب التي تتطلع الحركة الحوثية منذ زمن إلى السيطرة عليها، لن تتوقف عند حدود مأرب، بل يمكن في رأي خبراء أن ترتد على الحركة نفسها، وتتسبب في انقسامات وتصدعات عميقة داخل صفوفها، بالنظر إلى حجم (التضحيات) البشرية والمادية التي خسرتها عند أسوار مأرب.

ويصر خصوم الحوثيين على أن هذه الجماعة المذهبية التي تحولت إلى تنظيم عسكري، لم يتوقف عن القتال منذ ظهوره، لن تكون بعد معركة مأرب مثلما كانت قبلها، "قادرة على حكم البلاد (الواقعة تحت سيطرتها) لوحدها، ولن تقبل بالشراكة مع أحد، كما لا يمكنها ترك السلطة حتى لو أرادت ذلك.

ما قد يجعل الأمر أكثر صعوبة أن إشكالية الحركة الحوثية منذ البداية، كما يرى نائب رئيس مركز البحوث والدراسات اليمني "همدان دماج"، حين قال: "تكمن في أن أيديولوجيتها السياسية الاجتماعية تعتمد اعتماداً كبيراً على استخدام قوة السلاح وعلى إقصاء الآخرين".

المصدر | الخليج الجديد + بي بي سي