الأربعاء 3 مارس 2021 04:32 ص

تهدد معركة مأرب مبادرة السلام الجديدة التي أطلقتها إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن"، كونها منطقة استراتيجية في وسط اليمن. وبينما تحشد جميع الأطراف مواردها من أجل الاستيلاء على مأرب، لتعزيز موقفها التفاوضي بشأن وقف إطلاق النار، فإن حياة مئات الآلاف من السكان المحليين والنازحين داخليًا أصبحت عرضة للخطر مرة أخرى، مما يجعل  فك الاشتباك في مأرب خطوة أولى حاسمة على طريق وقف إطلاق النار الشامل والسلام في اليمن.

أصعب تحدي للحوثيين

يواجه الحوثيون أصعب تحد عسكري لهم حتى الآن، حيث اضطروا لإلقاء الكثير من مواردهم العسكرية والبشرية المهمة في معركة مأرب، في الوقت الذي يواجهون فيه تحديات في جبهات مهمة أخرى، في تعز والحديدة وصعدة.

وتعتبر قيمة محافظة مأرب اقتصادية في المقام الأول، فهي تحتوي على معظم النفط والغاز المنتجين حاليًا في البلاد، ولكنها أيضًا ذات أهمية استراتيجية هائلة، نظرًا لموقعها. وبما إنها تعد محور دفاع قوي عند التلال المؤدية إلى صنعاء، فإن السيطرة على مأرب ستسمح أيضًا للحوثيين بقطع أي دعم بري من الشمال إلى حلفاء "التحالف العربي" في حضرموت والجنوب.

وإذا شن الحوثيون هجومًا في المستقبل، فإن سيطرة قوية على مأرب ستسمح لهم أيضًا بإرسال قوات إلى حضرموت في الشرق وشبوة في الجنوب. وسيسهل الاستحواذ على شبوة الانتقال إلى شاطئ البحر شرق المكلا، ويقطع أي دولة جنوبية محتملة في المنتصف.

ومع ذلك، فإن مأرب، المحاطة بأميال من التضاريس الصحراوية المنبسطة، ليست أرضًا مثالية لمقاتلي الحوثيين، الذين هم أكثر مهارة واعتيادًا على المناطق الجبلية الوعرة. وتنتشر قوات الحوثيين دون أي غطاء خارج المدينة، مما يجعلهم أهدافًا سهلة للقصف الجوي والأرضي، وفي حين لا توجد أرقام موثوقة، تفيد التقارير أن خسائر الحوثيين في مأرب مرتفعة للغاية، وحتى لو سيطروا بشكل كامل على المدينة، فإن القوات المطلوبة لاحتلالها يمكن أن تضعف سيطرتهم على مناطق ومدن مهمة أخرى.

ويوجد نفس دافع الحوثيين لمحاولة الاستيلاء على مأرب لدى القوات المناهضة للحوثيين، مما يقودهم إلى التجمع لمواجهة كبيرة هناك. وقد تم تعزيز قوات الرئيس "هادي" من قبل القوات الموالية لنائبه "علي محسن"، والقوات العشائرية من مأرب، والقبائل الساخطين من الجوف والبيضاء. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المحادثات جارية من أجل انضمام قوات من الساحل الغربي (قوات طارق صالح حول الحديدة)، وكذلك مقاتلين جنوبيين من الضالع.

وبما أن أعداد هؤلاء هائلة، فقد يفوقون عدد الحوثيين قريبًا، ومع ذلك، فمن الناحية النوعية؛ يجب أن تكون القوات المناهضة للحوثيين تحت قيادة واحدة لتشكل تهديدًا حقيقيًا، وهذه عقبة لم يتم التغلب عليها بعد. فطوال فترة الصراع، قاتلت هذه القوات ضد بعضها البعض بقدر ما قاتلوا الحوثيين، وسيتعين على قادتهم دفن خلافاتهم، على الأقل مؤقتًا، للقتال بفعالية في مأرب.

معضلة التحالف

مع ضغط إدارة "بايدن" لإنهاء الحرب في اليمن، يبدو التحالف الذي تقوده السعودية مترددًا في الالتزام بالقتال المستمر في مأرب. وتشكو القوات المناهضة للحوثيين من أن الغارات الجوية ضد الحوثيين لم تكن قادرة على دعم العمليات على الأرض بشكل كامل، ولا تزال الأضرار الجانبية من هذه الغارات كبيرة.

وقد تكون رغبة الدول العربية في تكوين علاقة قوية مع الإدارة الجديدة في واشنطن أقوى من رغبتها في مساعدة اليمنيين على المضي قدمًا في حرب لا يمكن الفوز بها في نهاية المطاف. وبما أن واشنطن تعيد تقييم موقعها الاستراتيجي في الخليج، فإن دعم الرياض لشركائها اليمنيين في عملية عسكرية كاملة سيكون الآن أكثر صعوبة من السنوات الأربع الماضية.

لذلك، فإن اتخاذ خطوة تالية في هذا الاتجاه يجب أن يشمل الضغط على هؤلاء الحلفاء لقبول أي اتفاق لوقف إطلاق النار يمكن للمبعوث الخاص للولايات المتحدة أن يتوصل إليه.

لقد فر العديد من اللاجئين اليمنيين في مأرب بالفعل من القتال في الجنوب ومن المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتضخم عدد سكان المدينة في السنوات الأخيرة إلى ما يقرب من 3 ملايين، ولهذا ففي حالة اشتداد المعارك، ستكون الكارثة الإنسانية الناتجة مصدر قلق لجميع الأطراف، فضلاً عن كونها سببًا آخر لوقف الحرب والإسراع في تقديم المساعدة الإنسانية التي تشتد الحاجة إليها.

شروط السلام الصعبة

تعتبر معركة مأرب، التي تبدو عالقة في حرب أبدية، مثالًا ممتازًا على "معضلة السجينين" الفلسفية، ووفق هذه النظرية، يخون سجينان بعضهما البعض، على الرغم من أن كلاهما سيكون أفضل حالًا إن تعاونا، وذلك لأن كل منهما يخشى أن يخونه الآخر أولاً.

ينطبق هذا على الحالة اليمنية، حيث يخشى كل جانب أن يؤدي وقف هجماته وإلقاء أسلحته إلى خطر استمرار الجانب الآخر في الهجوم وهزيمته. ولهذا، يحتاج الوسطاء إلى إقناع كلا الجانبين بالمخاطرة من أجل السلام، وإلا سيبقون عالقين في الحرب إلى أجل غير مسمى.

ويعتبر وقف إطلاق النار المتزامن هو السبيل الوحيد المعقول للخروج من الأزمة، مع مكافآت على التعاون وإجراءات عقابية ضد أولئك الذين يرفضون القيام بذلك.

أمام الحوثيين خيار مهم عليهم القيام به، فإما يسمحون لخطابهم الأيديولوجي بدفعهم إلى الزاوية الإيرانية المحدودة في الشرق الأوسط، أو أن يكونوا محاورين براجماتيين من أجل السلام، مع التركيز على ما يحتاجون إليه وليس ما يرغبون فيه، وهو: رفع الحصار، وفتح مطار صنعاء، ودفع الرواتب للموظفين في الشمال.

تريد حكومة "هادي" استعادة مقر سلطتها في صنعاء كحكومة مركزية لعموم اليمن، لكن سيتعين عليها أن تكون على مستوى معايير الشفافية الصارمة وتجتث الفساد داخلها.

أما الحراك الجنوبي فيرغب في دولة منفصلة، لكن المجلس الانتقالي الجنوبي يجب أن يتم اختياره بشكل ديمقراطي من قبل جميع الجنوبيين ويجب أن يخفف من مطالبه لكي يتم ضمه في الحكومة اليمنية، وبالنسبة للسعودية، فإن تعاونها مشروط بالأمن ضد الوجود الإيراني في اليمن وصواريخ الحوثيين العابرة لحدودها.

وقد فشل استخدام القوة على مدى السنوات الست الماضية في التوصل إلى حل عسكري للصراع اليمني، كما فشلت جهود الوساطة العديدة. وسيتعين على الوسيط الأمريكي الجديد التركيز على وقف فوري لإطلاق النار في مأرب لإتاحة أي فرصة للمضي قدمًا نحو السلام الكامل.

ولا يتضمن حل النزاع إعطاء الأطراف المتحاربة ما تطلبه بل ما يحتاجون إليه، وسيتمثل أفضل حل في اتفاق عدم اعتداء متبادل بين السعودية وإيران، لكنه لا يزال بعيدا في هذه المرحلة. ومع ذلك، يمكن للولايات المتحدة الاستمرار في ضمان الدفاع عن المناطق الحساسة في السعودية من خلال استمرار نشر صواريخ "باتريوت" وتدريب الوحدات العسكرية السعودية. ويمكن للحوثيين بدورهم التفاوض على اتفاق مع السعودية، متعهدين بعدم إطلاق صواريخ على الرياض مقابل إنهاء السعودية قصفها الجوي لليمن.

وسيؤدي رفع الحصار عن اليمن إلى تمرير البضائع الإنسانية، مع الاستمرار في مراقبة ووقف شحنات الأسلحة، لتلبية احتياجات كل من السعوديين واليمنيين. أما تفاصيل الحكومة اليمنية المستقبلية فيجب أن يحددها اليمنيون أنفسهم، بناءً على مبادئ الديمقراطية واللامركزية الإقليمية. ويمكن للمجتمع الدولي أن يساهم بسخاء في إعادة بناء اليمن، وضمان الاحتياجات والخدمات الأساسية الضرورية للتخفيف من المعاناة التي جلبتها سنوات الحرب والأوبئة والمجاعات.

وحدها اتفاقية تقاسم للسلطة، وحكومة ديمقراطية خالية من الفساد، يمكن أن تكون الضامن النهائي للسلام والازدهار في اليمن، لكن على المانحين الدوليين لعب دور مباشر في ضمان حدوث ذلك.

المصدر | نبيل خوري - منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد