السبت 6 مارس 2021 10:51 م

لطالما كان الشرق الأوسط ساحة للمنافسة بين القوى العظمى بسبب موقعه الفريد. وعلى مدى القرون القليلة الماضية، شهدت المنطقة صراعا بين الإمبراطوريتين العثمانية والإيرانية، وتدخلات روسية وغربية في شؤون المنطقة. وفشل التأسيس الأنجلو-فرنسي لنظام الدولة في الشرق الأوسط في القرن العشرين في تحقيق الاستقرار.

وواصلت إيران وتركيا بناء أسس الدولة الحديثة بمفردهما، ولم تتصالح الدول العربية الناشئة حديثا مع إقامة دولة يهودية في فلسطين. وكذلك فشلت معاهدتا السلام المصرية والأردنية مع إسرائيل في نشر السلام والاستقرار في جميع أنحاء المنطقة.

واليوم، تَعِد اتفاقيات التطبيع الأخيرة بين إسرائيل من جهة والإمارات والبحرين والسودان والمغرب من جهة أخرى بفتح فصل جديد مرة أخرى في العلاقات في الشرق الأوسط. لكن مشاكله المعقدة ومشهده السياسي المتنوع يعني أن السلام لا يزال بعيد المنال بالنسبة لهذه المنطقة المنقسمة.

الاعتماد على الغرب

وعندما زار الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" السعودية في مايو/أيار 2017 لحضور قمة الرياض، أعلن عن تشكيل تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي "ميسا"، وهو نوع من الشراكة الأمنية التي من شأنها أن تساعد في ملء فراغ السلطة في المنطقة.

وأراد "ترامب" إنشاء آلية دفاع موحدة ومنصة اقتصاد وطاقة مشتركة تمنع الصين وروسيا من ملء الفراغ. وقاطعت كل من تركيا وإيران القمة، معتقدة أنها جزء من محاولة لتقويض نفوذهما. ولم تتحقق اتفاقية "ميسا" لأن مصر والأردن وقطر لم تعتبر إيران تهديدا أمنيا، وفضلت الكويت وعُمان البقاء بعيدا عن الصراعات المتفجرة في المنطقة.

وفي الواقع، فإن معظم الدول العربية، باستثناء السعودية، لم تأخذ التحالف الجديد على محمل الجد، معتقدة أنه سيحولها إلى بيادق بدلا من حلفاء. وفي كل الأحوال لم يكن هذا المشروع قادرا على معالجة عدم الاستقرار في المنطقة؛ لأنه تجاهل القضايا المحلية التي تسبب ذلك، مثل قمع الدولة وتعصب النظام ضد المعارضة السلمية.

وخلال العقود الماضية، فشلت الدول العربية في التعاون مع بعضها البعض وغالبا ما كانت تفضل الاعتماد على وسيط غربي. وانهارت معاهدة التعاون الاقتصادي والدفاع المشترك التي أبرمتها جامعة الدول العربية عام 1950 لأن مصر والسعودية كانتا تخافان من سيطرة الهاشميين في العراق. أما القيادة العربية المشتركة، التي تأسست عام 1964 كمنصة يمكن من خلالها مواجهة إسرائيل، سرعان ما أصبحت غير موجودة، ما جعل انتصار إسرائيل المذهل في حرب الأيام الستة عام 1967 يبدو أسهل.

وعندما عقدت مصر اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1978، عقد العرب قمة في بغداد وقرروا إقامة الجبهة الشرقية بين سوريا والعراق لتعويض خسارة مصر. لكن المشروع فشل بسبب التنافس الشخصي بين "حافظ الأسد" و"صدام حسين". وفي عام 1991، مباشرة بعد انتهاء عملية عاصفة الصحراء، وقعت دول مجلس التعاون الخليجي إعلان دمشق مع سوريا ومصر، وكلاهما اتفقا على تقديم قوات للمساعدة في دعم الأمن العربي، لكن الاتفاقية ألغيت لاحقا لأن السعوديين فضلوا الاعتماد على دعم واشنطن بدلا من ذلك.

وبالنسبة للكثيرين في الشرق الأوسط، فإن السيناريو المثالي هو أن تنشئ السعودية تحالفا مع إسرائيل وتركيا كقوة موازنة ضد الطموحات الإقليمية الإيرانية. ومن وجهة نظرهم، فإن هذا أمر منطقي؛ لأن إسرائيل حريصة على الشراكة مع دول الخليج الكبرى مثل السعودية والإمارات، وقد حاولت تركيا مؤخرا إقامة علاقات صداقة مع الدول العربية.

لكن مثل هذا التحالف لا يزال بعيد المنال. فلم تحقق أنقرة نجاحا يُذكر في استمالة الدول العربية، باستثناء قطر وحكومة الوفاق الوطني الليبية المحاصرة. كما أن السعوديين لا يثقون في إخوانهم العرب، معتقدين أنهم مهتمون فقط بالمال السعودي وينظرون لمكانة الرياض كزعيم للعالم السني بعين الطمع. لكن مع تقليص إدارة "بايدن" للعلاقات مع السعودية، ستحتاج الرياض إلى إعادة التفكير في ترددها.

التحالف الإماراتي الإسرائيلي الناشئ

وبالنسبة للإمارات، فإن تقاربها مع إسرائيل هو أكثر من مجرد تطبيع للعلاقات. وتعتقد أبوظبي أن علاقتهما يمكن أن تتطور إلى تحالف اقتصادي وعسكري. ولدى أبوظبي احتياجات استراتيجية تعتقد أن إسرائيل يمكن أن تساعد في تلبيتها في مجالات مثل التكنولوجيا الزراعية، والاكتفاء الذاتي من الغذاء، والأمن السيبراني، والسياحة، والتكنولوجيا الفائقة، والتجارة.

وترى الإمارات نفسها وإسرائيل كدولتين لديهما اقتصادات حديثة وقوات مسلحة فعالة يمكنها تغيير شكل المنطقة. ويريد ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" تحويل الإمارات إلى إمبراطورية اقتصادية يحميها جيش قوي وشبكة من العلاقات مع الشركاء الاستراتيجيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وإسرائيل.

ولدى الإمارات وإسرائيل توقعات مختلفة بشأن اتفاقية التطبيع. ولدى ولي عهد أبوظبي أوهام العظمة، ويعتقد أن إسرائيل بحاجة إليه لإضفاء الشرعية على وجودها. وبصفتها مركزا للنقل الجوي والتعليم والثقافة والإعلام، تؤمن الإمارات بقدرتها على ربط إسرائيل بالمنطقة وبالتالي بباقي العالم. ومن ناحية أخرى، تريد إسرائيل بناء تحالف ضد إيران. ومن غير المرجح أن تتماشى الإمارات مع مثل هذا المشروع، خاصة وأن إدارة "بايدن" تتبع مسارا دبلوماسيا لحل القضية النووية الإيرانية، ولن تنضم الإمارات إلى تحالف يجلب معه مخاطر الحرب دون دعم الولايات المتحدة.

وتعد آفاق التعاون الاقتصادي بين الإمارات وإسرائيل محدودة أيضا. وتتوقف التنمية الاقتصادية لدولة الإمارات على قدرتها على الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وهو ما يتماشى مع سياسة "بن زايد" في تعزيز العلاقات الجيدة مع الديكتاتوريين العسكريين مثل "عبدالفتاح السيسي" في مصر، و"خليفة حفتر" في ليبيا، و"عبدالفتاح برهان" في السودان وقادة طموحين مثل ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان". وبالتالي، فإن احتمال نشوب نزاع مسلح مع إيران أمر غير وارد.

وفي الواقع، لا تتوافق المصالح الاقتصادية للإمارات وإسرائيل من نواح كثيرة، وتخطط إسرائيل لربط ميناء حيفا بطريق الحرير البحري في مبادرة الحزام والطريق الصينية. ويتجاوز المشروع الخليج العربي، لتجنب مضيق هرمز، وسوف يقلل هذا بشكل فعال من أهمية ميناء "جبل علي" الإماراتي، وهو الأكبر حاليا في الشرق الأوسط.

لذلك من غير المحتمل أن يتجاوز الوفاق الإماراتي الإسرائيلي التعاون الأمني، الذي كان قائما بالفعل بين إسرائيل والعديد من الدول العربية، بما في ذلك مع الأردن منذ عام 1948، ومصر منذ اتفاقية كامب ديفيد، ودول الخليج منذ مبادرة السلام العربية عام 2002. وفي الشرق الأوسط، يصعب بناء تحالفات مع إسرائيل لأنها تبرز كقوة رائدة ويبدو حلفاؤها العرب كشركاء صغار؛ حيث يميل ميزان القوى بشكل حاسم لصالح إسرائيل.

المثلث الروسي التركي الإيراني

وكان اللاعبان الرئيسيان في الشرق الأوسط اللذان تم استبعادهما من التحالف العربي الإسرائيلي الناشئ هما بالطبع تركيا وإيران، وكلاهما لديه علاقات معقدة مع قوة خارجية غالبا ما تلوح في الأفق في العديد من النزاعات الإقليمية، وهي روسيا.

وإلى حد ما، يبدو أن لدى روسيا وتركيا وإيران بينها ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم. وارتفع إجمالي التجارة بين روسيا وتركيا من 4.5 مليار دولار في عام 2000 إلى 25.7 مليارات دولار في عام 2018. ويميل الميزان التجاري لروسيا بسبب واردات تركيا من النفط والغاز الروسي. كما أن لتركيا ميزان تجاري سلبي مع إيران بسبب وارداتها من الطاقة الإيرانية. لكن العقوبات الأمريكية على إيران أضرت بالتجارة بين البلدين، التي تقلصت من 25.7 مليار دولار في 2013 إلى 3.4 مليارات دولار في 2020. وتأمل تركيا في زيادة التجارة مع روسيا إلى 100 مليار دولار ومع إيران إلى 30 مليار دولار.

ومع ذلك، فإن الاختلافات الأيديولوجية والتاريخية بين الدول الثلاث، فضلا عن التنافس بينها كقوى إقليمية، تهدد أي فرصة لأن تصبح دولا حليفة بشكل وثيق. ولدى روسيا وتركيا أجندتان مختلفتان في سوريا، ويثير توغل أنقرة في جنوب القوقاز، خاصة لدعم أذربيجان في نزاع ناغورني قره باغ، غضب موسكو.

كما أن علاقة تركيا بإيران معقدة. ويبقى البلدان بحاجة إلى بعضهما البعض اقتصاديا، وهما حريصان على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بالرغم من الانقسامات السياسية الحادة بينهما. وفي ظل عدم وجود عالم عربي موحد، من المرجح أن تتصاعد المنافسة بين تركيا وإيران في نهاية المطاف لأنهما يسعيان إلى إزاحة بعضهما البعض في الجوار القريب، خاصة في سوريا والعراق.

وتسمح سوريا لإيران بالوصول إلى البحر الأبيض المتوسط ​​و"حزب الله" في لبنان والحدود الإسرائيلية، وبالنسبة لتركيا، تتيح سوريا الوصول البري إلى لبنان والأردن وشبه الجزيرة العربية. أما بالنسبة للعراق، فقد كان لقرون ساحة معركة بين الإمبراطورية العثمانية وبلاد فارس.

وجعلت الإطاحة بـ"صدام حسين" عام 2003 إيران القوة المهيمنة في العراق، لكن تركيا تحاول أيضا تأسيس موطئ قدم هناك، ما قد يعيد إحياء التنافس التاريخي بينهما في البلاد. ومع احتياطيات النفط المؤكدة التي يبلغ إجماليها 115 مليار برميل، والتي يمكن أن ترتفع إلى 215 مليارا، سيكون العراق نقطة تركيز رئيسية لتركيا في المستقبل.

لكن في الوقت الحالي، يعتبر اعتماد تركيا على إيران وروسيا في النفط والغاز هو العامل الرئيسي الذي يمنع تصعيد التوترات. لكن أنقرة تبحث أيضا عن مصادر بديلة ولديها بالفعل حصة في احتياطيات النفط في بحر قزوين من خلال خط أنابيب "باكو - تبيليسي - جيهان"، وخط الأنابيب عبر البحر الأدرياتيكي، وخط الأنابيب عبر الأناضول، والمكون الأرضي لمبادرة الحزام والطريق الصينية. وكذلك تقوم تركيا بالتنقيب عن الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، بالرغم من أن العديد من الدول أعربت عن قلقها بشأن عملياتها هناك.

ولا يزال السلام الحقيقي في الشرق الأوسط بعيد المنال. ولم ينطلق مشروع "ترامب (الناتو العربي)، ومن غير المرجح أن يؤدي التحالف الإماراتي الإسرائيلي إلى أي تغييرات ملموسة. وقد تجد تركيا وإيران صعوبة في تجاوز خلافاتهما السابقة والتركيز على التعاون الاقتصادي المحتمل.

أما العامل الوحيد المتبقي فهو الصين التي نجحت في إقامة علاقات اقتصادية مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وخاصة إسرائيل والسعودية والإمارات، دون المساس بعلاقاتها التجارية مع إيران وتركيا. لكن استثماراتها لن تجلب الرخاء إلى الشرق الأوسط.

ويتطلب المشروع الصيني استقرارا إقليميا واستعدادا للتعاون، وكلاهما غائب بشكل مؤسف في الشرق الأوسط. علاوة على ذلك، أصبحت الصين سلطوية بشكل متزايد. ويعد نظام الائتمان الاجتماعي الخاص بها محاولة للتحكم في جميع جوانب حياة الناس في الصين، وربما ينتشر إلى أجزاء أخرى من العالم كجزء من مبادرة الحزام والطريق. وفي منطقة تعاني من العنف والانقسامات، لن يبشر صعود الصين بالخير.

المصدر | هلال خاشان - جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد