الأربعاء 24 فبراير 2021 04:04 ص

ورثت إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" مجموعة من القضايا المتعلقة بإيران؛ حيث تمتلك إيران برنامجًا نوويًا متقدمًا وترسانة صواريخ باليستية وسياسة إقليمية تدعم مجموعات تقاتل بالوكالة، ويعتبر البرنامج النووي هو الأكثر إلحاحًا من بين هذه المجموعة.

ومنذ مايو/أيار 2018، عندما انسحب الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" من الاتفاق النووي الإيراني وبدأ في زيادة ضغط العقوبات على طهران، سارعت الحكومة الإيرانية في تطوير برنامجها النووي، مما قلل الفترة اللازمة لإنتاجها سلاحًا نوويًا من عام إلى بضعة أشهر.

وأوضح "بايدن" أنه يعتزم إعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي والامتثال لقيوده طالما فعلت إيران الشئ نفسه، كما أشارت إيران إلى أنها أيضًا مستعدة للعودة إلى التزاماتها، طالما أن الولايات المتحدة سترفع العقوبات. لكن العملية لن تكون بهذه البساطة التي يوحي بها هذا التبادل، فلكي يكون الاتفاق النووي مستدامًا، يجب حمايته من التقلبات السياسية المستقبلية.

ويتطلب ذلك من الموقعين معالجة نقاط الهشاشة في الاتفاقية، والتي تشمل طول الجداول الزمنية وشروط استئناف العقوبات، بالإضافة إلى المشاكل خارج النطاق الحالي للاتفاقية، مثل برنامج الصواريخ الإيراني والأنشطة الإقليمية المزعزعة للاستقرار. وبدون خطة إقليمية شاملة، ستظل أجندة إدارة "بايدن" المتعلقة بإيران عرضة لمعارضة داخلية في واشنطن وشركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

مخاوف جيران إيران

يخشى منتقدو الاتفاق النووي، سواء داخل الولايات المتحدة أو في إسرائيل والخليج، أن تتخلى إدارة "بايدن" عن نفوذها على إيران إذا عادت إلى الاتفاق بسرعة كبيرة وألغت العقوبات. وبدلاً من ذلك، دعت هذه الأصوات البيت الأبيض إلى الدخول في مفاوضات جديدة، بحيث يتم الموافقة بموجبها على تخفيف العقوبات فقط مقابل حل وسط بشأن القضايا العالقة.

لكن طهران رفضت بشكل قاطع مثل هذا النهج، قائلة إنها لن تدخل محادثات أوسع إلا بعد عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي الأصلي. وينظر جيران إيران إلى مثل هذا الاحتمال بقلق، فهم يسعون إلى سياسة أمريكية تتعامل بحزم مع التوترات الإقليمية المتصاعدة وتمنع طهران من إثارة الأزمات في الجوار. ولم تحقق حملة "أقصى ضغط" التي شنها "ترامب" هذه الغايات، بل تضمن رد طهران بـ"المقاومة القصوى" احتجاز الناقلات واستهداف منشآت النفط السعودية بجرأة.

وتعتقد هذه الدول أن العودة إلى الاتفاق النووي دون قيود إضافية، تهدد بمزيد من تمكين أنشطة إيران الإقليمية، كما إن لديها مخاوف أكبر بشأن التزام الولايات المتحدة تجاه المنطقة، بعد أن أصيبت بالإحباط من الدعوات الأمريكية لتقاسم الأعباء وإنهاء "الحروب الأبدية" جنبًا إلى جنب مع التناقضات السياسية التي تشير إلى تقلبات الأولويات الأمريكية.

إذن؛ كيف يمكن للولايات المتحدة أن تعالج التوترات الإقليمية المتعلقة بإيران على أفضل وجه؟ لإيجاد إجابة على ذلك قام "سانام فاكيل"، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد "تشاتام هاوس"، هو وزملاؤه، بإجراء مقابلات مع 210 من صانعي السياسات والخبراء الحاليين والسابقين في 15 دولة.

وشملت هذه الدول الأطراف في الاتفاق النووي الإيراني، مثل الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، والصين، فضلاً عن دول منخرطة في أزمات نشطة في الشرق الأوسط، مثل إسرائيل وإيران، وفلسطين وسوريا ولبنان واليمن والعراق والسعودية والإمارات.

الاتفاقية غير كافية

في الفترة من يوليو/تموز إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2020، قدم الفريق أسئلة لمن قابلهم حول أفضل السبل لإدارة وحل النزاعات في الشرق الأوسط. وسألهم الفريق عن الصعوبات والتوترات الجيوسياسية الموجودة في المنطقة وكيف يعتقدون أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية قد تؤثر على البيئة الأمنية.

كما استطلع الفريق تصوراتهم عن جذور التوترات الإقليمية وطلب توصيات لمعالجتها، مع إيلاء اهتمام خاص لدور إيران في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين واليمن. ولم ير الخبراء والممارسون للسياسة إمكانية لمعالجة القضايا الإقليمية بشكل شامل في حوار مباشر واحد مع إيران، كما لم تتوقع غالبيتهم أن تتنازل طهران عن دعمها لوكلائها الإقليميين أو أن تحد من برنامج الصواريخ الباليستية.

ورأى معظمهم أن عزل إيران يأتي بنتائج عكسية مقارنة بإضفاء الطابع الإقليمي على حلول مشتركة للمشاكل. ولمعالجة السلوك الإقليمي الإيراني، أوصى الخبراء بمعالجة كل صراع إقليمي على حدة وبالتوازي، من خلال مناقشات متعددة الأطراف بين الجهات الفاعلة ذات الصلة. ويمكن للمشاركين في هذه المناقشات أن يتعاملوا بشكل جماعي مع المخاوف التي تثير قلقهم مثل الميليشيات والصواريخ وانتشار الأسلحة النووية، على مسارات متوازية أيضًا.

وعندما سئل الخبراء في الاستطلاع عن الخطوة الأولى التي قد تساعد في استقرار المنطقة، فضل 45% منهم العودة إلى الاتفاقية النووية الإيرانية لعام 2015، معتبرين أن العودة إلى الاتفاق ستساعد في استعادة التعاون عبر الأطلسي، ووقف برنامج إيران النووي، وبناء الثقة بين طهران وواشنطن. وعلاوة على ذلك، فإن إحياء الاتفاق من شأنه أن يقلل التوترات في دول مثل العراق، التي وقعت بين "أقصى ضغط" من جهة واشنطن و"أقصى مقاومة" من جهة طهران.

ومع ذلك، شدد معظم الخبراء على أن الولايات المتحدة يجب أن تعود إلى الاتفاق النووي مرة أخرى مسلحة بخطة عمل واضحة لمعالجة أوجه القصور فيها، وشدد المشاركون تحديدا على الحاجة إلى مخطط لحل النزاعات الإقليمية بعد العودة إلى الاتفاق.

وأشاروا إلى أنه فور الانضمام إلى الاتفاق النووي في عام 2015، وسعت إيران تواجدها في العراق واليمن ولبنان وسوريا. لذلك يجب على إدارة "بايدن" العودة إلى الاتفاقية بخطة محددة تتضمن العمليات الإقليمية التي ستنفذها بسرعة. وهكذا، يمكن للإدارة تهدئة مخاوف المعارضين في الكونجرس وكذلك المعارضين الإقليميين، طالما تتشاور إدارة "بايدن" وتنسق مع الشركاء الإقليميين بشأن خططها.

وأشار المشاركون في الاستطلاع إلى أنه من خلال إنشاء مسارات حل النزاع المتوازية، يمكن لإدارة "بايدن" أن تظهر أنها ترسم مسارها الخاص ولا تكرر التاريخ. ويمكنها أن تصر على التزام جميع الأطراف بالمشاركة في هذه المسارات اللاحقة كجزء من التفاوض على الاتفاق النووي وتنفيذه. كما يمكن إغراء إيران بالمشاركة بوعدها بتخفيف العقوبات أو الاستثمارات، حيث سيكون تأمين التزام طهران أمراً حاسماً لتهدئة مخاوف اللاعبين الإقليميين.

وأوصى أكثر من 50% من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم بأن يكون المسار الأول في المسارات المتوازية هو المسار الذي يجمع جميع الأطراف المشاركة في الحرب في اليمن، بما في ذلك إيران. كما يجب أن يكون هناك مسار آخر يدعم الحوار بين دول الخليج، من أجل تعزيز الثقة والتعاون وتعزيز آليات حل النزاعات. هذا بالإضافة لمسار لإحياء المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية ومسار يعالج الصراع في سوريا، باعتبارهما ضروريان بشكل خاص للحد من النفوذ الإيراني.

ويمكن أن تعمل المسارات الأخرى على تدابير بناء الثقة على مستوى المنطقة في مجالات مثل الدبلوماسية الصحية، والسياحة الدينية، والتبادلات الشعبية، والتجارة، والبيئة.

أهمية الدور الأمريكي

وبقدر ما رأى الأشخاص الذين شملتهم المقابلات ضرورة جعل حل المشاكل الإقليمية ضمن عمليات إقليمية، فقد أكدوا أيضًا على أن الولايات المتحدة لديها دور حاسم تلعبه في تحقيق الاستقرار في المنطقة.

وأعرب المشاركون في الاستطلاع، وخاصة المحليين منهم، عن قلقهم من أن التزام الولايات المتحدة المتذبذب تجاه الشرق الأوسط من شأنه أن يولد حالة من عدم اليقين تقوض أمن المنطقة. وقال 33% منهم إن عدم اليقين الناشئ عن تناقضات السياسة الأمريكية جعل المنطقة أقل أمنًا. ومن هؤلاء، كان 57% عراقيون، و 50% إماراتيون، و 45% سعوديون.

وليس من المستغرب أن 30% فقط من الإيرانيين الذين شملهم الاستطلاع و 23% من الإسرائيليين ينظرون إلى الولايات المتحدة كقوة استقرار في المنطقة، لكن 50% من الأمريكيين شعروا أن للولايات المتحدة دورًا حاسمًا تلعبه في تسهيل عمل المسارات المتوازية.

وتشير نتائج استطلاع الخبراء إلى أن إدارة "بايدن" لديها فرصة لقلب الصفحة الخاصة بسنوات "ترامب" الأربع من سياسة المقايضات في الشرق الأوسط.

ويمكن أن يكون عصر "بايدن" حقبة مشاركة متعددة الأطراف تمهد لمرحلة من الاستقرار، مع دعم الولايات المتحدة لدول الشرق الأوسط في اتخاذ خطوات تدريجية لمعالجة الصراعات الإقليمية، لا سيما تلك التي تشمل إيران، ويمكن لمثل هذه العملية في نهاية المطاف أن ترسي الأساس لانفراجة وحوار إقليمي أوسع.

المصدر | سانام فاكيل - فورين بوليسي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد