الاثنين 8 يونيو 2020 05:36 م

"طارق عثمان": لا شيء يدوم إلى الأبد

في سلسلة مقالاته بعنوان "قصر الأحلام للأمريكيين"، في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول 2019، استعرض "مايكل دوران" الـ70 عاما الماضية من الصراع العربي الإسرائيلي، وخلص إلى أن (إسرائيل) لن "تعيد إلى طاولة المفاوضات ما حصلت عليه في ساحة المعركة"، لأن ديناميات القوة في الشرق الأوسط تميل إلى (إسرائيل) على حساب منافسيها.

ويقول إن وجهة النظر الواقعية هذه يجب أن توجه سياسة الولايات المتحدة في المنطقة، والتي يجب أن تنطلق من الفرضية القائلة بأنه لن يكون هناك "حل الدولتين" في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

لكن هذا الاستنتاج يتجاهل حقيقة غير ملائمة، وهي أن ديناميكيات القوة تتغير. ولهذا السبب بالضبط أعادت (إسرائيل) أحيانا الأراضي التي استولت عليها في ساحة المعركة.

وفي عام 1979، أعادت شبه جزيرة سيناء إلى مصر، بعد عملية مفاوضات طويلة.

وفي عام 2000، انسحبت من جنوب لبنان بعد أن أدركت أن مزايا البقاء لا تستحق التكاليف التي يمكن أن يتسبب بها "حزب الله" اللبناني.

وفي عام 2005، أدت حسابات مماثلة، إلى جانب الضغوط الديموغرافية، إلى انسحاب (إسرائيل) من غزة.

وفي قلب هذه الانسحابات، كانت هناك سلسلة من التقييمات من قبل (إسرائيل) أخذت في حساباتها تحولات القوة النسبية لمنافسيها، ورأت أن ذلك يتطلب تغييرا في الاستراتيجية.

وفي حرب عام 1973، عبرت مصر قناة السويس وانتقلت بسرعة إلى شبه جزيرة سيناء، موضحة أنها امتلكت التقنيات العسكرية الحديثة وكانت قادرة على نشرها بشكل مبتكر في إطار زمني أقصر مما توقعه معظم الخبراء الإسرائيليين.

وهز الهجوم المصري العقيدة الأمنية الإسرائيلية، التي كانت قائمة منذ حرب 1967 على الهيمنة العسكرية، وأثبت أن التفوق الإسرائيلي بعيد عن كونه أمرا مضمونا.

ومهد هذا التحول الكبير في المشهد الاستراتيجي للشرق الأوسط الطريق لاتفاقيات "كامب ديفيد" لعام 1978، واتفاق "الأرض مقابل السلام" بين مصر و(إسرائيل)، الذي أثبت ديمومته لأكثر من 40 عاما.

واليوم، أصبحت القوة التكنولوجية والعسكرية والاقتصادية لـ (إسرائيل) أكبر بكثير من تلك التي لدى خصومها مجتمعين.

لكن ما حدث في منتصف السبعينات يمكن أن يحدث مرة أخرى، لقد بنت إيران وسوريا و"حزب الله" قدرات هجومية خطيرة على الحدود الشمالية لـ (إسرائيل).

وتمكنت "حماس"، التي تعلمت الدروس من تجربة "حزب الله"، من تعطيل الحياة في جنوب (إسرائيل)، وإذا عززت هذه الجهات الفاعلة تعاونها، واستخدمت التقنيات التي يمكن الوصول إليها بشكل متزايد، مثل الصواريخ ذات القدرات العالية، فيمكنها سد فجوة القوة مع (إسرائيل).

ولن يهدف مثل هذا التحالف إلى هزيمة (إسرائيل)، بل السعي بدلا من ذلك إلى زيادة التكلفة التي تتحملها (إسرائيل) في أي مواجهة مع أعضاء هذا التحالف، ويمكن لمثل هذه التغييرات أن تغير حسابات الأمن في (إسرائيل).

وحتى لو بدت هذه الإمكانية بعيدة، تظل الحقيقة أنه لا ينبغي للمجتمعات الناجحة أن تبني مذاهبها الأمنية على قدرتها الدائمة المفترضة على التحكم في الآخرين.

وفي (إسرائيل)، كان لدى الجندي المتمرس "إسحاق رابين" هذه الرؤية الاستراتيجية. وكانت رؤيته هي أن (إسرائيل) لا تستطيع ولا تريد، السيطرة بشكل دائم على عدد كبير من السكان الذين يسعون إلى الاستقلال.

وفي الوقت الذي أصبح فيه رئيس وزراء (إسرائيل) لولاية ثانية في عام 1992، رأى "رابين" أن أمن (إسرائيل) على المدى الطويل يتطلب دولة فلسطينية قابلة للحياة، وإن كانت دولة لا تشكل أي تهديد لـ(إسرائيل).

وفهم أن "الأرض مقابل السلام" هي الصيغة الوحيدة القابلة للتطبيق، وتمت مهاجمة "رابين" على عدة جبهات خلال المحادثات التي انبثقت عن هذه البصيرة، وفي النهاية، اغتال إسرائيلي متطرف "رابين" عام 1995.

وتتضمن المادة التي قدمها "دوران" أيضا العديد من المغالطات، على سبيل المثال، قدم حرب الأيام الستة عام 1967 على أنها صراع بين الدول العربية المدعومة من الاتحاد السوفييتي، و(إسرائيل)، بمراقبة فقط من الولايات المتحدة.

وفي الواقع، كانت الولايات المتحدة قد قررت في السابق دعم (إسرائيل)، لا سيما ضد الحركات القومية العربية التي كانت تكتسب قوة في ذلك الوقت، وكانت واشنطن متورطة بشكل وثيق في تحضير (إسرائيل) وتنفيذها للحرب.

كما يخطئ "دوران" باتهام الدول العربية بتشويه معنى قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242، ودعا القرار (إسرائيل) صراحةً إلى الانسحاب "من الأراضي المحتلة" في حرب عام 1967، باستخدام عبارة يدعي "دوران" أنها "غامضة عمدا".

وكتب أن الدول العربية أصرت في وقت لاحق على أن القرار يطلب من (إسرائيل) الانسحاب من كل تلك الأراضي، بالرغم من أن الأمريكيين تأكدوا من أن كلمة "كل" لم تظهر فيما يسميه "دوران" بـ"النص الرسمي".

لكن موقف العرب استند إلى النسخة الفرنسية من القرار، التي تطالب (إسرائيل) بالانسحاب من جميع الأراضي التي احتلتها خلال الحرب.

ووفقا لميثاق الأمم المتحدة، فإن كلا الإصدارين لهما وزن قانوني متساوٍ، ولا يعد النص الفرنسي أقل رسمية من النص الإنجليزي.

ويشيد "دوران" بإدارة "ترامب" كونها "تلعب سياسة القوة بدلا من محاولة تحريك العالم وراءها"، وأنها "تحدت أوهام الناس" بشأن الشرق الأوسط.

ولكن إذا كانت أفكار الإدارة حول المنطقة تشبه أفكار "دوران"، فإنها تتصرف فقط على أساس مجموعة أخرى من الأوهام.

رد "مايكل دوران"

لقد قلت سابقا إن حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كما هو متصور تقليديا، غير واقعي، وإن إدارة "ترامب" حكيمة في تعديل سياسة الولايات المتحدة وفقا لذلك.

ورد "طارق عثمان" بالتأكيد على أنه بالرغم من أن الحل قد يبدو غير واقعي اليوم، فإن "ديناميكيات القوة تتغير"، ولكن السؤال ليس ما إذا كانت ديناميكيات السلطة قد تتغير في المستقبل، ولكن ما إذا كان من المحتمل أن تتغير.

ولكي يصبح حل الدولتين قابلا للتطبيق، يجب على "حماس" أن تنهار، ويجب على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية أن يرسموا رؤية مشتركة للمستقبل، ومن ثم عليهم أن يسيروا بخطى ثابتة نحو تسوية مع (إسرائيل)، وربما تكون الخطوات المطلوبة لكي تصبح هذه الرؤية حقيقة أكبر من أن يتم حصرها.

لكن لربع قرن، أصر القادة الأمريكيون بعناد على معالجة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني كما لو أنه قائم فقط على الاستيطان.

وبين عامي 1993 و2017، استثمر 3 رؤساء، والعشرات من كبار مساعديهم، آلاف الساعات في السعي إلى اتفاق سلام دائم.

ولم يتلقَّ أي هدف دبلوماسي آخر هذا المستوى من الاهتمام المستمر عبر الإدارات، ولا تبرر الثمار الضئيلة لهذا العمل الاستثمار الضخم.

ودعما لاعتقاده بأن حل الدولتين في متناول اليد، يستحضر "عثمان" ذكرى "إسحاق رابين"، وكان "رابين" رجلا عسكريا مخضرما وقائدا سياسيا، ولم يكن صانع سلام مرصع بالنجوم، ومع ذلك كان لا يزال مستعدا لتقديم تنازلات مؤلمة.

ويردد قول "عثمان" صدى أقوال الرئيس الأمريكي السابق "بيل كلينتون"، الذي كان يذكر في ​​كثير من الأحيان، في رثاء، أنه لولا اغتيال "رابين"، كان الإسرائيليون والفلسطينيون قد وقعوا على اتفاقية سلام اليوم.

وتعد هذه خرافة تتجاهل الهوة بين مواقف "رابين" و"كلينتون"، فلم تكن الرؤية التي اتبعها "رابين" متوافقة مع المعايير التي قدمها "كلينتون" للمفاوضين في عام 2000، والتي اقترحت إقامة دولة فلسطينية في 94 إلى 96% من الضفة الغربية، والسيادة الفلسطينية على غور الأردن والقدس الشرقية.

وفي خطاب ألقاه أمام الكنيست قبل شهر من اغتياله، وصف "رابين" الكيان الفلسطيني الذي كان يتوقع أن يخرج من اتفاقيات "أوسلو"، وأوضح أنه سيكون "أقل من دولة"، وأنه سيقبل السيطرة الإسرائيلية على غور الأردن ووجود القدس موحدة تحت السيادة الإسرائيلية.

من ناحية أخرى، كانت رؤية "رابين" أكثر توافقا مع ما يسمى اليوم بـ"صفقة القرن"، خطة السلام التي أعلنت عنها إدارة "ترامب".

ويعكس اقتراح الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" إجماعا واسعا في السياسة الإسرائيلية؛ فقد أشاد بالصفقة كل من رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" ومنافسه "بيني جانتس".

كما يكرس "عثمان" الكثير من الجهد للتحقق من صحة التفسير العربي للقرار 242، وهو أنه يجب على (إسرائيل) الانسحاب من جميع الأراضي التي احتلتها بعد حرب عام 1967.

وتعد النقاط التي طرحها "عثمان" حول هذا الموضوع أكاديمية تماما، ولم تقبل أي إدارة أمريكية هذا التفسير للقرار.

واعتبر المحررون الأمريكيون والبريطانيون النص باللغة الإنجليزية على أنه النسخة النهائية، وقد بذلوا جهدا لضمان دعمه لنتائجهم المفضلة، وهي انسحاب القوات الإسرائيلية من بعض الأراضي المحتلة فقط، وبعد أن يعترف جيران (إسرائيل) بحدودها الجديدة.

ورأى الأمريكيون "الأرض مقابل السلام" كوسيلة لإجبار أعداء (إسرائيل) على التنازل، وقام الرئيس "ريتشارد نيكسون" ومستشاره "هنري كيسنجر" بتطوير "الأرض مقابل السلام" إلى عقيدة متماسكة، لكن الرئيس "جيمي كارتر" حولها في وقت لاحق وصممها كأداة لفرض التنازلات من (إسرائيل) بدلا من جيرانها.

واستخدمت اتفاقات "أوسلو" نهج "كارتر" كقالب لها، لكن أوسلو ولدت في وقت فريد من نوعه، مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، عندما بدت سياسة القوة معلقة وبدت المعجزات ممكنة.

ولا أحد يدعي أننا نعيش في مثل هذه اللحظة الآن، ومع ذلك، استمر ما أصبح يُعرف باسم "معايير كلينتون" في دفع السياسة الأمريكية حتى ظهور إدارة "ترامب".

ويمكن اعتبار "عثمان" محقا في أن ديناميكيات القوة تتغير، ولكن في الأعوام الـ25 الأخيرة في الشرق الأوسط، تغيرت في الغالب إلى الأسوأ.

وشهدت واشنطن صعود إيران، وتفكك الدول العربية، وظهور الجهادية، وعودة ظهور روسيا، وتدهور العلاقات الأمريكية التركية.

وفي مواجهة هذه التطورات المقلقة، أصبحت الولايات المتحدة متناقضة بشكل متزايد حول دورها القيادي في المنطقة.

ولكن لم تكن جميع التغييرات سلبية، فقد برزت (إسرائيل) كقوة اقتصادية، خاصة في قطاع التكنولوجيا الفائقة، وطورت تقاربا غير مسبوق مع دول الخليج.

والآن، أكثر من أي وقت مضى، تكمن مصالح واشنطن في بناء القوة الإسرائيلية لدعم الهيكل الأمني ​​الإقليمي المتهالك للولايات المتحدة، وليس في تمزيق هذه القوة في السعي وراء وهم السلام.

وفي هذا السياق، يقع على عاتق القادة الفلسطينيين، الذين لا تزال سياساتهم مليئة بالثورية، إثبات أن قوميتهم يمكن أن تعزز السلام والاستقرار الدوليين.

وتعكس خطة "ترامب" هذا الواقع الجديد، فهي تعود إلى الفهم الأصلي لفكرة "الأرض مقابل السلام"، وإلى فكرة "نيكسون" عن كيفية صياغة استراتيجية ناجحة للشرق الأوسط.

وإذا كان خصوم (إسرائيل) يرغبون في شراكة ومساعدة أمريكية، فإن العبء يقع مرة أخرى عليهم لإثبات أن تطلعاتهم تخدم مصالح الولايات المتحدة.

المصدر | طارق عثمان ومايكل دوران | فورين أفيرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد