الأحد 7 مارس 2021 09:25 ص

جاء رفع السرية عن تقرير الاستخبارات الخاص بمقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" مصحوبا بقلق ليس فقط في الرياض ولكن أيضا في واشنطن. فمنذ عام 2015، لم يخلق أي عمل سعودي آخر نفس القدر من العداء في الولايات المتحدة والقلق في الداخل مثل فعل مقتل "جمال خاشقجي".

وكان مقتل الصحفي السعودي ختاما لمتوالية من السياسات الضارة منذ وصول ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" إلى السلطة، بما في ذلك المستنقع المدمر للحرب في اليمن، وزيادة القمع السياسي، واعتقالات فندق "الريتز كارلتون" في عام 2017، واختطاف رئيس وزراء لبنان. وتدعو العديد من الأصوات في واشنطن وخارجها إلى فرض عقوبات تستهدف ولي العهد كخطوة لإعادة ضبط العلاقات الأمريكية السعودية.

بالرغم من أن ذلك سيكون بمثابة رادع قوي، إلا أن فرض عقوبات مباشرة على "محمد بن سلمان" لن يكون كافياً لإصلاح "المشكلات المنهجية" في العلاقة أو جعل العلاقة تمثل قيم "الولايات المتحدة".. إن ما قد يساعد في تحقيق هذه الأهداف هو تغيير العلاقة المشوهة بين الحكومتين إلى علاقة صحية على مستوى الشعبين. وفي الوقت الحالي، لا تعتبر العلاقات بين الجانبين صحية وطبيعية ولا تعكس القيم الديمقراطية والليبرالية.

رواج نظريات المؤامرة

بالرغم من تقارب العلاقة الأمنية، كان مئات الآلاف من السعوديين الذين يسافرون إلى الولايات المتحدة للدراسة في الخارج هم حاملو مشاعل العلاقات العامة. ورغم ذلك، لم تكن هناك جهود متضافرة للولايات المتحدة للتعامل مع وسائل الإعلام أو المجتمع السعودي لتجنب إغضاب الشركاء السعوديين وتجنب الاشتباك مع المجتمع السعودي المفترض أنه معادٍ لأمريكا. والنتيجة هي ازدهار نظريات المؤامرة المعادية لأمريكا في وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية والمسموعة.

وفي السنوات القليلة الماضية فقط، قامت شبكة "العربية" السعودية بتضخيم المزاعم الكاذبة حول ما يسمى باليسار الراديكالي في الولايات المتحدة والهجمات الشخصية ضد المسؤولين الأمريكيين مثل النائبة "إلهان عمر". وقارن كتاب الأعمدة في السعودية الحزب الديمقراطي بالنازيين، وقامت الصحف السعودية بتجميع رسائل البريد الإلكتروني لوزيرة الخارجية السابقة "هيلاري كلينتون" كدليل على مؤامرة مؤيدة للإسلاميين ومؤيدة لقطر.

تتغلغل هذه الروايات في سوق الإعلام السعودي الخاضع لسيطرة حكومية مشددة وصولا إلى عالم "تويتر" السعودي الأكثر حيوية وحماسة.

إن الادعاءات القائلة إن السعودية في "حرب وجودية" مع الغرب أو إن تقرير مكتب مدير الاستخبارات الوطنية في مقتل "خاشقجي" "ينقل الصراعات الأمريكية الداخلية" إلى العلاقات الأمريكية السعودية جزء لا يتجزأ من حملة تعبئة واسعة عبر الإنترنت لتشويه سمعة التقرير.

وقد ذهب "خالد المالك"، رئيس جمعية الصحفيين السعوديين، إلى حد القول إن "هذه ليست الولايات المتحدة التي نعرفها". لذلك يجب على الولايات المتحدة أن تسأل نفسها: "ما هي أمريكا التي يعرفها السعوديون؟".

إن الإرث المدمر لأمريكا في الشرق الأوسط يتحدى بالفعل رواية إدارة الرئيس "جو بايدن" حول سياسة الولايات المتحدة. وقد سلط كل من الأمير "تركي الفيصل"، الرئيس السابق للمخابرات السعودية والسفير السابق لدى الولايات المتحدة، والأمير "بندر بن سلطان"، أشهر سفراء المملكة العربية السعودية في الولايات المتحدة، الضوء على الفجوة بين القيم والأعمال الأمريكية في حديثهم عن الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن الإشارة إلى نفاق الولايات المتحدة ليس الحجة المضادة الرئيسية التي يتم تداولها في وسائل الإعلام الاجتماعية السعودية السائدة لتحدي تقرير الاستخبارات. وبدلاً من ذلك، فإن الحجج القائلة بأن التقرير مدفوع بـ"كره ولي العهد" و "ابتزاز المملكة" تغمر وسائل الإعلام السعودية على الإنترنت وخارجها لحشد الرأي العام حول ولي العهد وضد التقرير ومؤلفيه الأمريكيين.

إعادة التواصل

وإذا كانت إدارة "بايدن" تريد حقًا إعادة ضبط علاقتها مع السعودية، فيجب عليها التواصل مع الشعب السعودي، ليس فقط عبر شرح السياسة الأمريكية الحالية تجاه السعودية ولكن أيضًا من تحمل المسؤولية عن جميع السياسات الأمريكية التي تتعارض مع رؤية السعوديين. ربما يكون من المستحيل على الحكومة السعودية قبول مكتب مكتب ديمقراطي أو معهد جمهوري دولي على أراضيها. لكن على سفارة الولايات المتحدة في الرياض أن تبدأ على الأقل ببرامج تواصل متواضعة لشرح السياسات والقيم الأمريكية والنظام السياسي الأمريكي للجمهور السعودي الأوسع. وفي حين أن الدبلوماسيين الأمريكيين لا يملكون بالطبع أي سيطرة على قرارات التحرير والبث السعودي، يبدو أن وزارة الخارجية لم تبذل سوى القليل من الجهد لتأطير نتائج التقرير لأي جمهور خاص عدا النخبة.

لم تشر حسابات تويتر الخاصة بالسفارة الأمريكية والقنصليات الأمريكية داخل المملكة، على سبيل المثال، إلى "خاشقجي" منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2018. ولم يكن لدى مواقع السفارة أي شيء تقوله حول التقرير.

بقدر ما يهدف هذا إلى تجنب أي تهديد للأولويات الأمنية للولايات المتحدة مع المملكة، فإن الجهود المبذولة لكتم الأخبار تعزز الشعور بأن إصدار التقرير كان شيئا سيئا وهي خطوة صغيرة لإرضاء الكونجرس والرأي العام الأمريكي على حساب العلاقات مع المملكة. ورغم أن هذه المبادرات التواصلية قد لا تؤدي إلى كسب الدعم لسياسات الولايات المتحدة، فإنها ستساعد على أقل تقدير في مواجهة المعلومات المضللة حول الدوافع وراءها. للقيام بذلك، يجب على الحكومة الأمريكية أيضًا الضغط على السلطات السعودية للتوقف عن تجريم تفاعل المواطنين مع السفارات الأجنبية، وخاصة سفارات الدول التي تصفها بالحلفاء.

يشعر الكثيرون في السعودية أن بلادهم تُعامل بشكل غير عادل في المناقشات العامة الأمريكية. إذا كان الأمر كذلك، يجب على السلطات السعودية أيضًا مواجهة التحدي المتمثل في التواصل مع الجمهور الأمريكي لشرح السياسات السعودية. هناك توافق رسمي مذهل في الرياض على أن الحملات الرئاسية الأمريكية تشمل تقريع السعودية كأمر طبيعي. وهناك أيضًا اعتقاد مهووس لدى المسؤولين السعوديين بأنه من الأفضل دفع أموال لشركات العلاقات العامة والضغط الأمريكية لشرح السياسات السعودية للأمريكيين بدلاً من أن يتحدث السعوديون عن أنفسهم.

يتعارض هذا النهج، في الواقع، مع الاتجاهات القومية للسعودة التي تحث المواطنين السعوديين على خدمة بلادهم وتؤكد على دورهم في الدفاع عن المملكة ضد الأعداء والخصوم المتصورين.

يعد انفتاح السعودية على العالم الخارجي جزءًا من رؤية ولي العهد 2030، وهي استراتيجية لتقليل اعتماد البلاد على النفط وتنويع اقتصادها. يجب أن يشمل هذا الافتتاح التفاعل السياسي والنقاش مع الحكومة الأمريكية ومنظمات المجتمع المدني في الولايات المتحدة وداخل المملكة. ستكون الخطوة الجيدة هي تسهيل الوصول وطلب المعلومات للصحفيين والباحثين الذين يدرسون ويكتبون عن المملكة. يجب على السعودية أيضًا تشجيع آلاف الطلاب السعوديين في الولايات المتحدة على السعي للحصول على التدريب والمشاركة في المناقشات السياسية حول سياسات بلادهم مع زملائهم الأمريكيين. ومع ذلك، لكي ينجح هذا، يجب ألا يخضع المواطنون السعوديون للرقابة أو العقوبة أو وضعهم تحت المراقبة بسبب وجهات نظرهم، لا من قبل الأطراف الأمريكية أو نظيرتها السعودية.

يصادف هذا العام الذكرى السنوية العشرين لهجمات 11 سبتمبر/أيلول على الولايات المتحدة، التي سممت العلاقات الثنائية لسنوات ولم تؤد إلى نهاية المؤامرات في كلا البلدين على أن الحكومة الأخرى كانت تقف وراء الهجمات. لا ينبغي ترك المواطنين الأمريكيين مع رؤية مشوهة للشعب السعودي بناءً على تصرفات الحكومة السعودية. كما لا ينبغي أن تكون علاقات أمريكا مع شريك أمني وثيق رهينة لنظريات المؤامرة التي تحمل الولايات المتحدة المسؤولية عن المشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي لا نهاية لها.

المصدر | ياسمين فاروق وأندرو ليبر - كارنيجي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد