السبت 20 مارس 2021 10:05 ص

فوضى مالية وخراب اقتصادي في لبنان

تجاوز سعر الدولار 15 ألف ليرة ما يعادل 10 أضاعف السعر المعترف به من قبل مصرف لبنان المركزي.

عندما يتأخر علاج مشكلة تتعقد ويصبح حل كان صالحاً لعلاج أزمة اقتصادية أو مالية منذ أشهر غير فعال وقد يأتي بنتائج كارثية لدى تطبيقه.

تعويم الليرة قد يحتاج تعويما آخر لعدم الاستقرار السياسي والمالي وعدم توافر سيولة دولارية تغطي احتياجات السوق وتعثر تشكيل حكومة تؤمن قروضا دولية وسيولة.

*     *     *

عندما يتأخر علاج مشكلة ما تتعقد الأمور، ويصبح الحل الذي كان صالحاً لعلاج أزمة اقتصادية أو مالية منذ أشهر غير فعال، وقد يأتي بنتائج كارثية في حال تطبيقه.

 وهذا ما حدث مع الليرة اللبنانية التي تشهد تهاوياً متواصلاً منذ شهور، خاصة عقب إعلان الحكومة التوقف عن سداد الديون الخارجية، ثم إغلاق أبواب البنوك أمام المتعاملين من وقت لأخر، ووضع قيود شديدة على عمليات سحب النقد الأجنبي وتحويلات الأموال للخارج، وصولاً إلى مرور البلاد بفوضى مالية شاملة تعيشها الآن.

بل وتعيش البلاد أسوأ أزماتها الاقتصادية على الإطلاق حيث صعود قياسي لأزمات البطالة والفقر والتعثر المالي وتهريب الأموال إلى الخارج والفساد وإغلاق المصانع وهروب الاستثمارات الأجنبية وشلل قطاع السياحة الحيوي، وعدم قدرة المحال التجارية والمستوردين على توفير السلع والبضائع بسبب اختفاء النقد الأجنبي.

العملة اللبنانية البالغ سعرها الرسمي 1510 ليرات للدولار شهدت اليوم الثلاثاء سقوطاً مدويا جديداً حيث بلغ سعر الدولار نحو 15 ألف ليرة، وهو ما يعادل 10 أضاعف السعر المعترف به من قبل مصرف لبنان المركزي.

يواكب هذا التهاوي في قيمة العملة اللبنانية حدوث قفزات في أسعار كل السلع الرئيسية، بما فيها المواد التموينية والغذائية، واختفاء سلع ضرورية، وفقدان ثقة المتعاملين بالعملة المحلية، وزيادة ظاهرة "الدولرة" في المجتمع، وارتفع الطلب على النقد الأجنبي، خاصة الدولار، داخل الأسواق، ما يهدد بتسريع احتمال تطبيق السلطات القائمة توصية صندوق النقد الدولي بتحرير سوق الصرف والتعويم الكامل لليرة، وذلك على غرار تجارب دول عربية، منها السودان ومصر وغيرهما.

أو على الأقل التعويم المدار في أسعار الصرف كما حدث في المغرب والجزائر وليبيا والعراق، وإن كنت أستبعد السيناريو الأخير، لأن الأزمة التي تمر بها عملة لبنان أكبر من أي مسكنات وحلول تدريجية ومؤقتة، والسيناريو الأقرب هنا هو التعويم الكلي والمفاجئ لليرة وترك السعر لقوى العرض والطلب.

لكن التعويم الكامل ليس حلاً، وله تكلفة سياسية واقتصادية باهظة قد لا يستطع صانع القرار تحملها حالياً، والأخطر تأثيرات القرار على المواطن حيث يعقب التعويم مباشرة حدوث موجات تضخم عنيفة وقفزات قياسية في أسعار كل السلع والخدمات وفي مقدمتها الأغذية والمياه والكهرباء وغاز الطهي والبنزين والسولار والمواصلات والتعليم والصحة وغيرها.

ولن يوقف التعويم الكلي تهاوي الليرة طالما بقيت الأوضاع السياسية والاقتصادية والمالية على حالها، فأزمة العملة اللبنانية باتت غاية في التعقيد، خاصة مع الفوضى المالية التي تمر بها البلاد وعمقتها الأزمة السياسية والأمنية القائمة.

كما عمق الأزمة نفض البنك المركزي يده من التزامات مالية مستحقة عليه تجاه تمويل الواردات وسداد أعباء الدين الخارجي ومستحقات عملاء البنوك الدولارية، كما نفض يده من مهمته الأساسية وهي الدفاع عن العملة المحلية في وجه المضاربات والسوق السوداء التي تعصف به.

وتعويم الليرة قد يحتاج إلى تعويم آخر في المستقبل في ظل عدم حدوث استقرار سياسي ومالي، وعدم توافر سيولة دولارية لتغطية احتياجات الأسواق والتجار والمودعين، وفي ظل تعثر تشكيل حكومة وحدة وطنية من التكنوقراط قادرة على الدخول في مفاوضات جادة مع المؤسسات المالية الدولية، خاصة صندوق النقد الدولي، والحصول على جرعة تمويلية تساهم في توفير السيولة الدولارية للأسواق.

كما أن احتمالية عجز المصارف اللبنانية عن توفير ودائع العملاء، بعد انتهاء مهلة البنك المركزي القاضي برفع رؤوس أموال البنوك، واستمرار رياض سلامة في منصب حاكم " محافظ" مصرف لبنان قد يعقد المشهد النقدي للبلاد في ظل الاتهامات الخطيرة والشبهات التي تلاحقه.

المشهد اللبناني بات معقداً جداً والمواطن يغلي لأنه لا حل في الأفق، وسقوط الليرة هو أحد أبرز ملامح الأزمة الاقتصادية والمالية التي يمر بها لبنان، وأحد مظاهر الخراب الاقتصادي الذي تشاهده النخب الحاكمة وكأنهم يشاهدون انقلاباً مالياً يحدث في دولة أخرى دون أن يحركوا ساكناً ولو بحده الأدني وهو سرعة تشكيل حكومة وحدة وطنية.

* مصطفى عبد السلام كاتب صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد