الأحد 4 أبريل 2021 09:23 ص

تثير حملة الاعتقالات الموسعة التي شهدها الأردن، أمس السبت، تساؤلات عدة حول حقيقة وكواليس خلافات القصر في المملكة الهاشمية، في منطقة ملتهبة إقليميا.

وتحمل سخونة الأحداث في البلد العربي، رياحا محملة بالعواصف السياسية، بالتزامن مع إقالات لوزراء، واحتجاجات في الشارع الأردني، ومطالبات بإقالة الحكومة.

وتشير حملة التضامن العربي والدولي الواسع مع نظام العاهل الأردني، الملك "عبدالله الثاني"، إلى مخاطر ما يجري في البلد الصغير المجاور لـ"إسرائيل"، وما قد يحدث مستقبلا من تداعيات حال المساس باستقرار عمّان.

اعتقالات موسعة

ووفق وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا)، فإن الاعتقالات طالت المستشار السابق لملك الأردن "باسم عوض الله"، والشريف "حسن بن زيد"، أحد أفراد العائلة المالكة وآخرين؛ لأسباب "تتعلق بالأمن"، دون توضيح.

بينما تؤكد مصادر مطلعة أن عدد المعتقلين ناهز العشرين، وشملت القائمة مرافقين ومقربين من الأمير "حمزة"، الأخ غير الشقيق لملك الأردن، وولي العهد السابق.

اللافت أن البيانات الرسمية الأردنية لم تذكر اسم أي من المعتقلين، باستثناء "عوض الله" و"بن زيد"، بينما نفى رئيس هيئة الأركان المشتركة الأردنية، اللواء الركن "يوسف أحمد الحنيطي"، في بيان، اعتقال الأمير "حمزة".

ويزيد من حساسية الموقف، أن قوة مشتركة من الأمن العسكري والمخابرات وبإشراف قائد الجيش، هي من نفذت عملية الاعتقال، ما يؤكد صلة الأمر بمستويات سيادية حساسة في المملكة، ويعزز مصداقية التقارير المتداولة عن "انقلاب قصر" جرى إفشاله مبكرا.

وتتداول أوساط إعلامية أن حملة الاعتقالات مستمرة في صفوف شخصيات قد تكون على صلة بمحاولة الانقلاب، لا سيما وأن رئيس أركان الجيش، اللواء الركن "يوسف الحنيطي" شدد على أنه "لا أحد فوق القانون" وأن "أمن الأردن واستقراره يتقدّم على أي اعتبار".

مستشار "بن سلمان"

على الرغم من مسارعة الديوان الملكي السعودي، إلى إعلان وقوف المملكة التام إلى جانب الأردن ومساندته بكل إمكاناتها لكل ما يتخذه الملك "عبدالله الثاني" من قرارات وإجراءات لحفظ الأمن والاستقرار، فإن أصابع الاتهام وُجهت صوب "باسم عوض الله" المقرب من ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان".

وعمل "باسم عوض الله" وزيرا للمالية والتخطيط، ورئيسا للديوان الملكي الأردني سابقا، ثم عينه الملك "عبدالله" مبعوثا إلى السعودية، قبل أن يقال في العام 2018، ليصبح بعدها مقربا من "بن سلمان"، وأحد القائمين على مشروع مدينة "نيوم"، فضلا عن تمتعه بعلاقات وطيدة مع الإمارات حيث عين عضوا في مجلس إدارة كلية دبي للإدارة الحكومية العام 2008.

ويعزز صحة القول بمتانة العلاقة بين "عوض الله" و"بن سلمان" ظهور الأول في المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته السعودية في أكتوبر/تشرين الأول 2018، بعد أيام من مقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" بقنصلية المملكة في إسطنبول، ومرافقته ولي العهد السعودي خلال صلاة العيد.

أما الشريف "حسن بن زيد"، المعتقل الآخر الرئيسي، فهو من الأشراف الهاشميين، وهو شقيق النقيب الشريف "علي بن زيد"، الذي قتل أثناء مشاركته في مهمات القوات المسلحة الأردنية في أفغانستان، العام 2010.

وفي السابق، عمل "بن زيد" مديرا لمكتب الأمير "علي بن الحسين"، وسبق أن شغل منصب مبعوث العاهل الأردني للسعودية، وهو المنصب الذي سبق أن شغله "عوض الله"، فضلا عن كونه يحمل الجنسية السعودية إلى جانب جنسيته الأردنية.

وعمل شقيقه "عبد الله" مستشارا في مكتب ملك الأردن، (مسؤول الاتصال الاستراتيجي)، قبل أن ينتقل للعمل مع "باسم عوض الله" في السعودية.

إقامة جبرية

ويبدو أن كواليس الانقلاب بصدد انكشاف أستارها الواحد تلو الآخر، خاصة بعد تسريب مقطع فيديو لولي العهد السابق، قال خلاله إنه وُضع قيد الإقامة الجبرية وطُلب منه البقاء في المنزل وعدم الاتصال بأي شخص، مؤكّداً أنه لم يكن ضمن أي مؤامرة أجنبية.

وقال الأمير "حمزة": "أبلغت رئيس أركان الجيش أنني لست مسؤولًا عن الفساد وسوء الحوكمة، وفقدان ثقة الناس في مؤسسات الدولة".

وصعد ولي العهد السابق هجومه قائلا: "الأردن تحول من دولة متقدمة في التعليم والاقتصاد إلى دولة تعتقل شعبها بسبب الانتقادات"، معتبرا أن "ما يجري تحول حزين ومؤسف في الأردن"، وأن "النظام الحاكم قرر أن الفساد وسوء الإدارة أهم من حياة وكرامة ومستقبل أكثر من 10 ملايين شخص يعيشون في المملكة".

ولم يكشف رئيس أركان الجيش الأردني، في بيانه، عن أسباب وضع الأمير "حمزة" قيد الإقامة الجبرية، لكنه قال في بيانه إنه "طُلب منه التوقف عن تحركات ونشاطات تُوظف لاستهداف أمن الأردن واستقراره"، دون تفاصيل عن طبيعة تلك التحركات.

انقلاب معقد

وتفيد مصادر استخباراتية بأن الأمير "حمزة" قاد محاولة انقلاب معقدة وبعيدة المدى فاشلة، قبل فترة، تضم على الأقل أحد أفراد العائلة المالكة الأردنية وكذلك بعض زعماء القبائل وأعضاء المؤسسة الأمنية في البلاد، بحسب صحيفة "وشنطن بوست".

ووصف مسؤول استخباراتي رفيع، الخطة بأنها "منظمة تنظيماً جيداً"، وقال إن المتآمرين لديهم فيما يبدو "علاقات خارجية"، متوقعا حدوث اعتقالات إضافية.

ونقلت الصحيفة عن مستشار أردني للقصر الملكي، دون كشف هويته، أن الاعتقالات جاءت على خلفية "تهديد لاستقرار الدولة".

ولا يعرف على وجه الدقة، طبيعة العلاقة بين الأمير "حمزة" وشقيقه الملك "عبد الله" الذي عزله عن ولاية العهد بعد أكثر من 5 سنوات من توليه العرش، في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2004، واختار نجله الأكبر "الحسين بن عبدالله" ولياً للعهد ،ضمن عملية إعادة ترتيب لمؤسسة العرش الهاشمي.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، "مالك العثامنة" في حديثه لـ"الحرة"، أن اعتقال "عوض الله" ربما يعتبر رسالة شديدة اللهجة للسعودية، في إشارة إلى احتمالات تورط الرياض في محاولة الانقلاب، على خلفية الخلاف مع عمان حول التطبيع والوصاية الهاشمية على القدس وملفات أخرى.

لكن رئيس الديوان الأردني السابق "جواد العناني" يعتقد أن الأردن يريد تحصين نفسه بأن يكون محايدا إذا حدثت تغييرات في السعودية مستقبلا، فأراد إظهار موقفه عبر إنهاء مهمة "عوض الله" استباقا لحدث معين.

ويرى آخرون أن هناك نوعا من الإحباط لدى الملك "عبدالله" من أداء "عوض الله" أو جديته في العمل لصالح الأردن، فهو مبعوث للملك في الديوان الملكي بالسعودية، لكنه يعمل على أجندات "بن سلمان".

تبقى إذن كل الاحتمالات الواردة، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الجارية، ومن ستطوله حملة الاعتقالات، والخطوة المقبلة من قبل عاهل الأردن، لاحتواء الموقف، وإعادة ترتيب البيت من الداخل.

المصدر | الخليج الجديد