السبت 10 أبريل 2021 10:30 م

تلعب إسرائيل بالنار من خلال الهجمات المتكررة على السفن الإيرانية والاحتفاء بتلك الأنباء وتسريها. وفيما تكافح الولايات المتحدة وإيران لإيجاد صيغة للعودة إلى الاتفاق النووي، يبدو أن قادة إسرائيل ورؤساء أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية يحاولون عرقلة أي تفاهم محتمل بين طهران وواشنطن.

وشهد الثلاثاء الماضي حدثا جديدا يؤكد هذا الاتجاه، حيث تعرضت سفينة إيرانية تدعى "ساويز" لهجوم باستخدام لغم بحري أثناء إبحارها في البحر الأحمر بالقرب من الساحل الإريتري. ويُعتقد أنا كوماندوس البحرية الإسرائيلية نفذوا هذه العملية، بينما لم تعلق إسرائيل على الحادث.

لكن صحيفة "نيويورك تايمز"، التي أصبحت منفذ التسريبات الإسرائيلية الرسمية، قالت إن مسؤولا أمريكيا أبلغ إدارته بأن القوات الإسرائيلية هي من ضربت السفينة. ولم يتم الإبلاغ عن المدى الكامل للضرر.

ووفقا للمسؤول الأمريكي، وصف الإسرائيليون الهجوم بأنه رد انتقامي على الضربات الإيرانية السابقة على السفن الإسرائيلية، وقالوا إن السفينة "ساويز" تعرضت لأضرار تحت الماء.

وبالرغم من تسجيلها رسميا كسفينة شحن، إلا أن "سافيز" هي عمليا سفينة عسكرية مملوكة للحرس الثوري الإيراني وتديرها قواته الخاصة.

وزعمت المواقع الإيرانية ووسائل التواصل الاجتماعي أن مهمة "ساويز" كانت مكافحة القرصنة، لكن مصادر الاستخبارات الغربية تقول إن السفينة معروفة بأنها تُستخدم كمنصة لمهام جمع المعلومات الاستخبارية الإيرانية ولتنفيذ عمليات سرية.

حرب بحرية جديدة

وبدأت الحرب البحرية بين إسرائيل وإيران في عام 2018، بعد أن أعلن "دونالد ترامب" انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وفرض عقوبات مؤلمة على طهران. وشجع رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" ورئيس الموساد "يوسي كوهين" الرئيس الأمريكي آنذاك وقدموا له دعما قويا.

وأجبر تراجع الاقتصاد الإيراني طهران على تقليص الدعم المالي لميليشياتها الشيعية المنتشرة في سوريا و"حزب الله" اللبناني. وتقدر الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أن دعم إيران لميزانية "حزب الله"، بنحو 700 مليون دولار في العام، عانى من تخفيضات كبيرة منذ عام 2018.

وأدى ذلك إلى خفض رواتب عشرات الآلاف من مقاتلي "حزب الله"، وتقليص المدفوعات لعائلات القتلى أو الجرحى في الحرب الأهلية السورية، وتقليل التدريبات، ما قوض الاستعداد واللياقة العسكرية للقوات العسكرية.

وتحت ضغط الحاجة إلى المال، توصل الجنرال "قاسم سليماني"، القائد الأسطوري لـ "فيلق القدس"، الذي اغتالته الولايات المتحدة في يناير/كانون الثاني 2020، إلى خطة إبداعية. فقد رتب لتهريب النفط وبيعه في سوريا، متحايلا على العقوبات الدولية المفروضة على كل من دمشق وطهران.

وتم استخدام كل الوسائل الممكنة لتضليل وكالات التجسس الغربية وشركات الشحن الدولية. وبدأ تحميل النفط الإيراني في الموانئ باستخدام شركات وهمية، وتهريبه على ناقلات تحمل أسماء متغيرة. واشترى تجار إيرانيون وسوريون ولبنانيون النفط وبالمقابل دفعوا للميليشيات الشيعية و"حزب الله" بالليرة السورية.

وتحدت تحركات "سليماني" المعقدة إسرائيل، التي ردت بخطتها الخاصة. وكانت الفكرة العامة هي بدء حملة وقائية واسعة النطاق باستخدام الأدوات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والنفسية.

وتمت ترجمة ذلك إلى تكثيف عمليات جمع المعلومات الاستخبارية السرية من قبل المخابرات العسكرية ووحدات الموساد، إلى جانب آلاف الضربات الجوية على أهداف مرتبطة بالميليشيات الشيعية و"حزب الله" والحرس الثوري الإيراني.

وتم تنفيذ معظم الهجمات في سوريا، وأخرى على الحدود العراقية، وزُعم أن بعض الهجمات وقعت في لبنان. لكن المعركة لم تتوقف على ذلك فقط فقد امتدت من الأرض والجو والأمن السيبراني إلى البحار.

وكانت الفكرة هي استخدام الموساد وقدرات الاستخبارات العسكرية للحصول على معلومات دقيقة من شأنها أن تمكن إسرائيل من تخريب القوارب الإيرانية دون إغراقها أو التسبب في كوارث بيئية.

بدأت الثرثرة

وسارت الأمور بشكل جيد حتى قررت إيران أن التزام الصمت لم يعد مناسبا.

وقبل أسابيع قليلة، قرر الحرس الثوري الإيراني الرد بشكل تدريجي. وهاجمت القوات الإيرانية سفينة شحن مملوكة جزئيا لتاجر السيارات الإسرائيلي وقطب الشحن "رامي أنغار"، وكانت السفينة تنقل مركبات من شرق آسيا إلى الهند. ويعد "أنغار" صديقا لرئيس الموساد "كوهين"، حتى أنه تبرع بالمال إلى كنيسه.

ولم تكن مثل هذه الخطوة لتحدث لو لم تسرّب إسرائيل أنباء هجماتها على السفن الإيرانية بشكل متكرر. فلم يعد بإمكان إيران أن تغض الطرف.

وسرعان ما تابعت طهران ذلك بهجوم آخر. وقامت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري بتخريب سفينة أخرى يملكها رجل الأعمال الإسرائيلي "إيهود أنجل"، الشريك التجاري لعائلة "عوفر".

وتمتلك عائلة "عوفر" أسطولا من السفن وناقلات النفط التي تتخذ من سنغافورة مقرا لها، والتي كانت في الماضي تتعامل مع إيران وتم فرض عقوبات عليها في نهاية المطاف من قبل إدارة "أوباما".

وإذا جرى تنفيذ المهمات التخريبية بشكل سري وبعيدة عن نظر الجمهور، كان بإمكان إيران أن تتجاهلها وكأنها لم تحدث.

لكن في اللحظة التي بدأت فيها الثرثرة الإسرائيلية، كان من الواضح أن القيادة الدبلوماسية والعسكرية الإسرائيلية تمارس لعبة خطيرة قد يكون لها تأثيرات معاكسة.

ويمكن لإيران أن ترد وتفعل الشيء نفسه. وآخر ما تحتاجه إسرائيل هو حرب تخريب بحرية. ويأتي 90% من البضائع التي تستوردها إسرائيل وتصدرها عن طريق السفن. وتعتبر الطرق البحرية هي نقطة ضعف إسرائيل. وتسبب هذه الحوادث إزعاجا لدوائر الشحن أيضا، خوفا من زعزعة الاستقرار التي قد ترفع تكاليف التأمين.

بالإضافة إلى ذلك، تناقش الإدارة الأمريكية الجديدة سياستها تجاه إيران وتحاول الوصول إلى صيغة للعودة إلى الاتفاق النووي ورفع العقوبات. وتدمر المواجهة في البحر تطلعات البيت الأبيض للاستقرار والتقدم.

وفي نهاية أبريل/نيسان، يعتزم رئيس الأركان الإسرائيلي "أفيف كوخافي" و"يوسي كوهين"، الذي يغادر قريبا منصبه في الموساد، السفر إلى واشنطن لمناقشة مخاوف إسرائيل بشأن الاحتمال المتزايد بأن تتغلب الولايات المتحدة وإيران على الصعوبات ويتوصلا إلى اتفاق نووي جديد.

ومع ذلك، فإن المسؤولين الأمريكيين، الذين يدركون أن الحملة البحرية الإسرائيلية تهدف إلى الإضرار بالمحادثات النووية، سوف يحذرون القادة الإسرائيليين من الاستمرار في هذا الأمر.

المصدر | يوسي ميلمان/ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد