الأحد 11 أبريل 2021 04:50 م

صعّدت "أرض الصومال"، الجمهورية الانفصالية المعلنة من جانب واحد في شمال الصومال، من سياستها الخارجية في عام 2020، بعد سنوات من الضغط من أجل الاعتراف الدولي.

واستفادة من موقعها الجيوسياسي، تبنى قادة أرض الصومال مساعي جديدة لحلفاء إقليميين ودوليين العام الماضي. ومع ذلك، فإن استراتيجية الرئيس "موسى بيهي عبدي" الجديدة مصممة لبناء علاقات جديدة مع قطع العلاقات الأخرى أيضًا. وهو ما يجعلنا ننتظر نتيجة دبلوماسية "سياسة حافة الهاوية".

انفصلت جمهورية "أرض الصومال" عن الصومال في عام 1991. وقد وصل نزاعها الذي دام 10 سنوات ضد مقديشو إلى مستويات مروعة من العنف، مثل قصف هرجيسا في مايو/أيار 1988. لذلك، عندما غرقت الصومال في حالة من الفوضى، قام قادة أرض الصومال بفصل منطقتهم في الشمال.

واستمرت أرض الصومال في فرض حكمها الذاتي في تحد صريح لمقديشو. وجرت الجولة الأخيرة من المحادثات بين مقديشو وهرجيسا الصيف الماضي في جيبوتي، لكنها سرعان ما فشلت. وساهمت سياسة أرض الصومال الخارجية بشكل غير مباشر في هذه النتيجة. والآن، مع الأزمة الدستورية الصومالية يستبعد التوصل إلى اتفاق بين الطرفين.

منافسة بحرية بحضور إماراتي

إن أرض الصومال هي المستفيد من المنافسة على السلطة في البحر الأحمر وخليج عدن. ومع تزايد اهتمام القوى الإقليمية بهذا الممر المائي الاستراتيجي، أصبحت الموانئ محاور اقتصادية وأمنية.

وقد عبرت الإمارات خليج عدن وهبطت في مدينة بربرة الساحلية التاريخية بالتوازي مع جهودها في اليمن. وبالرغم من الحظر من الحكومة الفيدرالية الصومالية، وقعت شركة موانئ دبي العالمية التي تسيطر عليها دبي، امتيازًا لمدة 30 عامًا مع سلطات أرض الصومال لتطوير وإدارة الميناء. وفي مارس/آذار 2021، عينت أبوظبي دبلوماسيًا محترفًا في مكتبها التجاري في هرجيسا؛ ما يشير إلى رغبتها في الحفاظ على علاقات قوية مع السلطات المحلية.

في مارس/آذار، سلمت موانئ دبي العالمية 3 رافعات جسرية إلى بربرة كجزء من برنامجها لرفع قدرة الميناء إلى 500 ألف حاوية، وبالتالي تجاوزت محطة الحاويات في جيبوتي بسعة 350 ألف حاوية مكافئة.

استغلال الخلافات

حتى الآن، تحتفظ جيبوتي بزمام الأمور نظرًا لبنيتها التحتية الفائقة التي تخدم الميناء وعلى وجه التحديد، خط سكة حديد جيبوتي - أديس أبابا، ومنطقة التجارة الحرة المتطورة، وميناء دوراليه الصيني متعدد الأغراض، والذي تم افتتاحه في عام 2017. ومع ذلك، فإن ميناء بربرة سيعزز قدرته التنافسية بعد استكمال منطقة التجارة الحرة من قبل الشركة الإماراتية والطريق الذي يربط بربرة بالحدود الإثيوبية في عام 2022.

تعتمد أديس أبابا على منفذ جيبوتي الصغير في 90% من وارداتها البحرية. لذلك، قررت تنويع طرقها التجارية من خلال الاستثمار في ميناء بربرة.

ومنذ عام 2016، امتلكت الحكومة الإثيوبية 19% من حصة الميناء. لكن القرارات الأخيرة وضعت أديس أبابا وهرجيسا على خلاف. وكجزء من مشروعها لإقامة نظام إقليمي، أقام رئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد" علاقات مع الحكومة المركزية الصومالية في مقديشو. ومع ذلك، كان يُنظر إلى هذا التغيير غير المسبوق في الاستراتيجية بـ"العداء" في أرض الصومال، والذي جاء رد الفعل عليه من خلال الاستفادة من خط الصدع الرئيسي في إثيوبيا (نزاع سد النيل).

بعد أن خفضت الحكومة الإثيوبية العلاقات الدبلوماسية مع هرجيسا لصالح مقديشو، استضاف رئيس أرض الصومال وفدًا مصريًا لمناقشة التجارة والاستثمارات في يوليو/تموز 2020. وبحسب ما ورد، ناقش الطرفان استئجار قاعدة عسكرية مصرية أيضًا.

وأثارت الزيارة انزعاج أديس أبابا؛ لأن الوجود المصري في دولة مجاورة سيمثل تهديدًا استراتيجيًا لإثيوبيا، وكان ذلك كافياً لإقناع "آبي أحمد" بإرسال وفد لإعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة في ذلك الشهر.

في سبتمبر/أيلول، وصل وفد آخر من كبار المسؤولين الأمنيين إلى هرجيسا لمناقشة المزيد من التعاون، وربما إنشاء قاعدة بحرية إثيوبية بدلاً من المصرية.

وربما نجت أديس أبابا من تجنب تهديد وجود قاعدة مصرية على أعتابها في الوقت الحالي، لكن مع ذلك، سيكون من الصعب بشكل متزايد تحقيق التوازن بين التحالف مع الوضع الجديد لمقديشو وأرض الصومال.

وإلى جانب الخلاف حول سد النيل، أبدت سلطات أرض الصومال دهاء في استغلال الانقسامات الإقليمية والدولية لتعزيز مكانتها في الخارج، من خلال حالة أخرى هي الخلاف الأخير بين كينيا والصومال، الذي يدور بشكل أساسي حول الحدود البحرية، ذات الصلة بالفصل في حقول النفط والغاز البحرية، ودعم كينيا لدولة جوبالاند الحدودية الصومالية، المعادية حاليًا لمقديشو.

في منتصف ديسمبر/كانون الأول، زار الرئيس "بيهي" كينيا واستقبله الرئيس "أوهورو كينياتا" كأي رئيس دولة آخر. خلال الاجتماع الثنائي، اتفق الرئيسان على فتح قنصلية في هرجيسا، وإقامة رحلات جوية مباشرة، وإطلاق مبادرات تعاون في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والطاقة، وكذلك بين مينائي مومباسا وبربرة.

رداً على ذلك، قطعت حكومة مقديشو العلاقات الدبلوماسية مع نيروبي، مما يشير إلى استعدادها لفعل الشيء نفسه مع أي دولة أخرى تبني علاقات مع أرض الصومال.

لكن الخطوة الأكثر إثارة للدهشة التي اتخذها الرئيس "بيهي" هذا الصيف؛ كانت الاعتراف بتايوان، وذلك في الأول من يوليو/تموز، عندما أعلن وزير خارجية تايوان الاتفاق بين البلدين.

وبموجب هذا الترتيب، اتفقت الإدارتان على فتح مكاتب تمثيلية وتعزيز التعاون عبر مختلف القطاعات. ردت الصين بسرعة بإرسال سفيرها في الصومال، "تشين جيان"، إلى هرجيسا، وفقا لتقارير، وقدمت الوفود الصينية سلسلة من التنازلات، بما في ذلك حزم استثمارات كبيرة في البنية التحتية وافتتاح مكتب تمثيلي. ومع ذلك، رفض الرئيس "موسى بيهي" العرض، وتلقى انتقادات قاسية من الصين وتهديدات غير مباشرة.

تعتبر "صوماليلاند" هي أول كيان أفريقي يتحدى بكين بشكل علني، وبصفتها كيانًا غير معترف به، لا تستطيع أرض الصومال إصدار سندات دين في الأسواق الدولية؛ لذلك، لا تعتمد على الصين في تمويل الديون مثل الدول الأفريقية الأخرى، وخاصة جيبوتي وإثيوبيا المجاورتين.

وكان الصيد المكثف للصين قبالة سواحل أرض الصومال (الذي أذنت به مقديشو فقط) سبباً وجيهاً للاستنزاف، لكن عوامل أخرى دخلت في الحسابات، حيث أصبحت جيبوتي محور تغلغل الصين في القرن الأفريقي؛ وقد يؤدي ذلك إلى خروج الولايات المتحدة من جيبوتي يومًا ما مع الاحتفاظ بقاعدة عسكرية بالقرب من باب المندب.

وحظي الاتفاق مع تايوان بتأييد هام من واشنطن، وعلى هذه الخلفية، تُظهر أرض الصومال ملاءمتها كشريك جيوسياسي للولايات المتحدة.

حافة الهاوية

ظهر مؤخرا انقسام آخر، وهو الأزمة الدستورية في الصومال؛ حيث تحول المأزق إلى أزمة في 8 فبراير/شباط، عندما انتهت ولاية البرلمان الصومالي والرئيس "محمد عبد الله فارماجو"، دون اتفاق بشأن الانتخابات المقبلة بين الحكومة الفيدرالية والدول الأعضاء.

وكان من بين القضايا المطروحة على الطاولة، تعيين مندوبي أرض الصومال، الذين يجب أن يصوتوا للبرلمان والرئيس في الانتخابات ويمكن لدورهم أن يكون حاسما في إعادة انتخاب (أو هزيمة) الرئيس "فارماجو". ولكن هرجيسا ليس لها رأي في تعيين هؤلاء المندوبين ولا تشارك بشكل مباشر في المواجهة.

ومع ذلك، فإن عزلة حكومة مقديشو وانشغالها يصب لصالح أرض الصومال التي تعمل على توسيع نطاق انتشارها الدبلوماسي عبر أفريقيا، وقد رحبت مؤخرًا بوفود من ملاوي وزامبيا لمناقشة التعاون الثنائي.

تهدد استراتيجية "حافة الهاوية" في أرض الصومال بمزيد من زعزعة الاستقرار في منطقة مضطربة بالفعل. ومثل دول أخرى في القرن الأفريقي، استغلت هرجيسا الانقسام بين محاور الإمارات -السعودية وقطر- تركيا، وقد حصلت على شراكة مثمرة مع المحور الأول.

ومع ذلك، فقد نأى الرئيس "بيهي" أيضًا بأرض الصومال عن الصين ورسى في المجال الأمريكي. ويعتبر هذا القرار غير مسبوق في منطقة القرن الأفريقي، حيث فتحت جميع الدول الأخرى، إلى حد ما، أبوابها للصين في ظل تراجع واشنطن التدريجي عن المنطقة.

إن هذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر. حيث تتواجد الصين اقتصاديًا وعسكريًا في خليج عدن، وكذلك في جميع جيران أرض الصومال، بينما لا يُتوقع من الولايات المتحدة مضاعفة مشاركتها في المنطقة؛ وهو ما يترك مجالاً واسعاً للانتقام من بكين.

علاوة على ذلك، تعقّد هرجيسا علاقاتها مع حلفائها لأن الإمارات وإثيوبيا تتمتعان بشراكات قوية مع الصين. كما سيتعين على إثيوبيا، على وجه الخصوص، التنافس على النفوذ في أرض الصومال مع ألد أعدائها؛ مصر، مع الحفاظ على علاقات قوية مع جيبوتي والصومال في نفس الوقت.

وبالإضافة إلى الخلاف بين الصين وأرض الصومال، سيتعين على الإمارات إدارة التوترات المتزايدة بين أرض الصومال ودولة بونتلاند الصومالية، وهي حليف إماراتي آخر في الصومال. اشتبكت بونتلاند وأرض الصومال منذ فترة طويلة حول منطقتي ساناج وسول، ويظهر تصاعد العنف في الآونة الأخيرة أن الوضع مستمر في التدهور.

باختصار، تخاطر الدبلوماسية الجديدة في أرض الصومال بتعميق الاستقطاب حول المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وتكثيف الأعمال العدائية بين الجهات الإقليمية الفاعلة في القرن الأفريقي.

المصدر | كوك كورادو/إنترناشونال بوليسي دايجست - ترجمة وتحرير الخليج الجديد