الأحد 11 أبريل 2021 08:53 م

ازدهرت الإمارات لأعوام عديدة نتيجة لقدرتها على جذب المواهب من الخارج. وفي 30 يناير/كانون الثاني 2021، أعلن الشيخ "محمد بن راشد آل مكتوم"، نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، على موقع "تويتر"، تعديلا قانونيا يهدف إلى جذب الأجانب والاحتفاظ بهم من خلال السماح لمجموعة مختارة من الوافدين ليصبحوا مواطنين إماراتيين دون التنازل عن جنسيتهم الأصلية.

وبالرغم من أن هذا الإعلان احتل عناوين الصحف، إلا أن الجدل حول منح الجنسية لمجموعة مختارة من المغتربين ذوي المهارات العالية ليس جديدا. وفي عام 2013، كسر "سلطان سعود القاسمي"، المعلق السياسي الإماراتي البارز والعضو في الأسرة الحاكمة في الشارقة، "محرمات الجنسية" من خلال الترويج لفكرة أن السماح لغير المواطنين بالحصول على الجنسية الإماراتية من شأنه أن يشجع الاستيعاب الثقافي، ويعزز القاعدة الضريبية، ويعالج شيخوخة السكان المتزايدة، ويساعد في تنويع اقتصاد الإمارات قبل بدء حقبة ما بعد النفط.

  • كوفيد والمنافسة على المواهب الأجنبية

ويعد التعديل الأخير أحدث مظهر من مظاهر السياسة التي تم سنها لجذب الوافدين الباحثين عن إقامة طويلة الأمد في الإمارات. ويوفر برنامج التأشيرة الذهبية، على سبيل المثال، إقامة لمدة 10 أعوام قابلة للتجديد للمستثمرين ورجال الأعمال والرؤساء التنفيذيين والعلماء والطلاب المتميزين الذين يستوفون متطلبات محددة.

وفي حين أثبتت التأشيرة الذهبية في البداية أنها ناجحة في توفير قدر أكبر من الاستقرار لأولئك الذين يسعون إلى بناء وظائف طويلة الأجل في الإمارات بعد طرحها عام 2019، فقد أبرزت جائحة "كوفيد-19" حدوده الجوهرية.

ومع زيادة القيود المفروضة على التنقل وتدهور الأوضاع الاقتصادية، أدى عدم وجود شبكة أمان اجتماعي للوافدين إلى إجبار العديد من العمال الذين قد يستفيدون من البرنامج على مغادرة البلاد.

ووجد تقرير حديث لشركة "ستاندرد آند بور" أنه بسبب التداعيات الاقتصادية للوباء والانخفاض المصاحب في أسعار النفط، انخفض عدد سكان منطقة الخليج بنسبة تزيد قليلا عن 4% في عام واحد، من يناير/كانون الثاني إلى ديسمبر/كانون الأول 2020، بشكل أساسي نتيجة تدفق المهاجرين.

وانخفض عدد سكان دبي بنسبة 8.4% في عام 2020، وهو أكبر انخفاض في منطقة الخليج. ويُعزى هذا عموما إلى ركود العام الماضي، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أعداد البطالة، وبالتالي أجبر العديد من الوافدين الذين ترتبط تأشيرات إقامتهم بوظائفهم على العودة إلى ديارهم.

كما تقوم حكومات دول مجلس التعاون الخليجي بشكل متزايد بتنفيذ سياسات لتعزيز مشاركة المواطنين في القطاع الخاص، ولا سيما من خلال الإجراءات التي تحد من توظيف العمالة الوافدة. وتشير توقعات "ستاندرد أند بور" إلى أن عدد المغتربين في المنطقة سيستمر في الانخفاض، حتى لو عاد البعض بمجرد انتعاش الاقتصاد.

وبالنظر إلى أن الأجانب يشكلون 90% من سكان الإمارات، فإن شبح الهجرة الجماعية للعمال يشكل مصدر قلق كبير. ويرتبط توقيت إعلان قانون الجنسية، كما يشير "روهان أدفاني"، كبير مساعدي السياسة في مؤسسة "سيشري" للأبحاث، "إلى حد ما بالتوقعات الاقتصادية والسياسية غير المؤكدة للاقتصاد العالمي"، ويرتبط بشكل خاص بالتزام الدولة "بالاحتفاظ بالعمالة ذات المهارات العالية في الإمارات وعدم المعاناة من احتمال انتشار هجرة الأدمغة في أعقاب الوباء".

وقد لا يكون عرض الجنسية "وسيلة للحفاظ على العمالة الماهرة في الدولة" فحسب، بل قد يكون أيضا أداة لإبقائهم "مستهلكين ومستثمرين".

وتلح الحاجة للمستثمرين، فقد بذلت الإمارات قدرا كبيرا من الجهد والمال في برنامج التطعيم ضد فيروس كورونا الجديد بهدف تسريع الانتعاش الاقتصادي. وسوف يشمل جزء من هذا التعافي جعل البلاد آمنة للعمال الأجانب للعودة إليها، وما يزيد الضغط المنافسة مع دول الخليج الأخرى.

ووضعت السعودية والإمارات سياسات تنويع اقتصادي على مسارات مماثلة، لا سيما فيما يتعلق بمشاريع التكنولوجيا الفائقة والأعمال التجارية والسياحة.

ويشير "جيم كرين"، من معهد "بيكر" للسياسة العامة، إلى أن "اندفاع التنويع" أدى إلى بيئة "تشتعل فيها المنافسة على المواهب الأجنبية"، معتبرا أن مبادرة المواطنة في الإمارات قد تمثل محاولة لإنشاء "طبقة من النخب المدنية المتعلمة التي يمكنها دفع القطاع الخاص إلى التفوق في الأداء على نظرائه في البلدان المجاورة".

  • علامة على التسامح أم المزيد من الانقسام؟

وتندرج مبادرة المواطنة ضمن سرد التسامح والتعددية الثقافية التي أصبحت إحدى السمات المميزة للخطاب العام لدولة الإمارات في الأعوام الأخيرة. وعززت الدولة مجتمعا أكثر صداقة مع المهاجرين، وسلطت الضوء على مساهمات المغتربين والمهاجرين في بناء الدولة والتنمية الاقتصادية، في استجابة لانتقادات من الدول الغربية والمنظمات غير الحكومية.

وقالت الدكتورة "ناتالي كوتش"، من كلية "ماكسويل" للمواطنة والشؤون العامة بجامعة "سيراكيوز" في ولاية نيويورك، إن هذه الخطوة لا ينبغي أن يُنظر إليها على أنها مفاجأة بل "اعتبارها امتدادا منطقيا لجهود الحكومة الإماراتية لتشجيع أصحاب الثروات العالية من الأفراد للاستثمار والإقامة في دولة الإمارات".

وبالرغم من "قشرة التسامح" في المبادرة، تلفت "كوتش" الانتباه إلى انتقائية المبادرة، وقالت: "من الواضح أنها تستهدف النخب وليس الأشخاص العاديين الذين يقيمون في الإمارات منذ أجيال".

وتؤكد "نيها فورا"، عالمة الأنثروبولوجيا في كلية "لافاييت" ومؤلفة كتاب "مواطنون مستحيلون: الشتات الهندي في دبي"، على الطبيعة النخبوية للمبادرة، قائلة: "لا تزال تفضل المواطنة الاقتصادية على أشكال الانتماء الأخرى، وسوف تؤثر فقط على النخبة من المهاجرين، الذين لديهم بالفعل امتيازات قائمة على الثروة"، ويترك ذلك بلا إجابة قضية "الأطفال غير المواطنين الذين ولدوا ونشأوا في الخليج".

ويرجع هذا الشعور بعدم اليقين، وفقا لـ "جيمس ساتر"، الخبير في الهجرة والمواطنة في جامعة مالطا، إلى "اتخاذ قرار تعسفي وأمني متطفل سيبقى دائما في أذهان السكان، حول أنفسهم وأطفالهم؛ حيث تحتفظ الإمارات أيضا بالحق في سحب الجنسية من المواطنين غير المرغوب فيهم، وقد قامت بالفعل ببناء آلية قد تجعل أي شخص عديم الجنسية فجأة".

  • موقف الإماراتيين تجاه المواطنة

وتعتبر مسألة الجنسية حساسة ليس فقط بين الجاليات المغتربة، ولكن أيضا داخل المجتمع الإماراتي. ومثلما تنقسم القوى العاملة في الإمارات إلى حد كبير على أسس وطنية وإثنية وعرقية، هناك أنواع مختلفة من المواطنة بين المواطنين.

والفئة الأولى هي "مواطن إماراتي كامل"، وتتألف من أولئك القادرين على تتبع نسبهم إلى العائلات الأصلية التي كونت الدولة في وقت تأسيسها، ومن يملكون دفتر عائلة أو "خلاصة القيد".

والفئة الثانية هي أولئك الذين أصبحوا مواطنين عن طريق الزواج، وتنطبق بشكل أساسي على الأجنبيات المتزوجات من رجال إماراتيين، فيما تشمل الفئة الثالثة أولئك الذين حصلوا على الجنسية عن طريق التجنس.

وهناك أيضا مواطنون محليون يحملون جواز سفر لكنهم لا يملكون "خلاصة القيد" أو البدون من سكان الإمارات، الذين لا يمتلكون جواز السفر ولا "خلاصة القيد".

ويجوز منح حاملي جوازات السفر الذين ليسوا مواطنين كاملين بعض أو كل المزايا من قبل كل إمارة يقيمون فيها، ولكنها ليست مضمونة بأي حال من الأحوال.

ويعد الإبقاء على "المواطنة الإماراتية الحصرية" أمر حاسم ليس فقط في الحفاظ على ولاء المواطنين، بل وأيضا في إضفاء الشرعية على الدولة باعتبارها الحامي النهائي للسكان الأصليين.

وقد تؤدي مبادرة "بن راشد" الجديدة أيضا إلى دعوة لإصلاح قوانين الجنسية الحالية للإماراتيين. وكما أشارت الشيخة "جواهر القاسمي"، زوجة حاكم الشارقة، في تغريدة على "تويتر"، فبالرغم من أن المرأة الإماراتية قادرة على نقل الجنسية لأبنائها إذا تزوجت من أجنبي، يتعين على هؤلاء الأطفال التقدم بطلب للحصول على الجنسية الإماراتية في سن الـ 18، مع نتيجة غير مضمونة.

ويتناقض هذا مع الرجال الإماراتيين المتزوجين من أجنبيات، الذين يمكنهم نقل الجنسية إلى أطفالهم بسهولة. ونظرا لمعدلات الطلاق المرتفعة نسبيا بين المواطنين، وانخفاض معدل المواليد، وصغر حجم الأسرة بشكل متزايد، فإن الحفاظ على التماسك الاجتماعي واستقرار الأسرة يمثل أولوية لحكومة الإمارات.

لذلك، من المرجح أن يتم قياس تنفيذ مبادرة المواطنة الجديدة، وتحديدها، والسيطرة عليها، من أجل الحفاظ على النسيج الاجتماعي الإماراتي.

ومصدر قلق آخر بشأن مبادرة الجنسية هو أنه نظرا لأن الإمارات تقدم خدمات رعاية اجتماعية ومزايا اجتماعية سخية جدا للإماراتيين، فإن زيادة عدد المواطنين قد يمثل عبئا ماليا على النظام.

ومع ذلك، كما يشير "ماركو فالنتا" من قسم الخدمة الاجتماعية في الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا، فإن "أولئك الذين يكتسبون الجنسية هم أشخاص لديهم مهارات وموارد. وتعلمنا التجارب من البلدان الأخرى أن إشراك السكان بالموارد مقابل تعزيز رأس المال البشري لا يشكل عبئا على نظام الرفاهية".

  • كيف يحقق تعديل قانون الجنسية أهداف سياسة الإمارات؟

وبالرغم من إمكانية الحصول على الجنسية الإماراتية الآن للمغتربين، فلن يتم اعتبار الجميع مؤهلين، وستكون العملية صعبة حتى بالنسبة لمجموعة النخبة من المستثمرين والعلماء والمهندسين والفنانين الأثرياء المستهدفين في المبادرة. ولا يضمن استيفاء شروط الأهلية منح الجنسية الإماراتية تلقائيا، ويبقى القرار النهائي للحكومة المركزية حصريا.

وستُعهد عملية فحص المواطنين المستقبليين إلى حد كبير إلى قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية، التي ستقيّم ما إذا كان المرشح قد أظهر "ولاءا" للإمارات، مع القليل من الشفافية حول كيفية تحديد ذلك.

وعلى عكس البلدان الأخرى، حيث يساعد المحامون المتخصصون الأفراد خلال عملية التجنس، لا يوجد محامون في الإمارات يعملون على مساعدة الأشخاص على اكتساب الجنسية.

ويبدو أن السلطة التقديرية المطلقة للحاكم في منح الجنسية تؤكد من جديد وجهة النظر العامة التي تتبناها حكومات دول مجلس التعاون الخليجي، بأن الجنسية هي تنازل من جانب واحد من قبل الملك لرعاياه. وفي هذا الإطار، لا يكون حقا ممنوحا للأفراد، بل هو هدية، أو كما تؤكد "زهرة بابار"، "امتياز ممنوح لعدد قليل".

وأيا كان النظام الذي تم إنشاؤه لمبادرة المواطنة الجديدة هذه، فإن ما هو مؤكد هو أن هذا الجهد، على حد تعبير "أدفاني"، "جزء من عملية مركزية أوسع، تحدث غالبا أثناء الأزمات".

لذلك فإن إصلاح المواطنة في الإمارات أقل ثورية مما قد يبدو للوهلة الأولى، وهو يتناسب مع السرد الإماراتي للتسامح الذي ترعاه الدولة ويؤكد استمرار اتجاهين يميزان الخطاب السياسي لدولة الإمارات؛ منح الجنسية باعتباره امتيازا أحادي الجانب من أعلى إلى أسفل قائم على "الترشيح الحكومي"، والتطور والنجاح الاقتصادي للمواطنين الإماراتيين كأولوية للدولة، مع منح الجنسية لفئة معينة من المغتربين فقط للحفاظ على هذا النظام.

ولابد أن يواجه المسؤولون الإماراتيون تحديات كبيرة في الموازنة بين الحاجة إلى جذب المغتربين لدفع عجلة التنمية والتنويع الاقتصادي مع الحفاظ على المكانة المرتفعة والحصرية للمواطنين الإماراتيين، الذين يعارضون بشدة أي تعديل أو تنازل.

المصدر | كريس أليكسندر وليوناردو جاكوبو/معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد