الأحد 18 أبريل 2021 10:53 ص

انقلب السحر على الساحر.. فمن حيث لا يدري أعاد النظام المصري من جديد، للأذهان تفاصيل مجزرتي الفض المروعتين في ميداني "رابعة العدوية" و"النهضة" بحق أنصار الرئيس الراحل "محمد مرسي"، في 14 أغسطس/آب 2013، عقب الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز من العام ذاته.

وما بين ترويج حكومي لحلقة الفض التي جرى بثها دون فواصل إعلانية، وانتقادات صاخبة لمسلسل "الاختيار 2"، عاد الجدل من جديد حول تفاصيل جريمة الفض، التي توصف بأنها أكبر مجزرة بشرية في تاريخ مصر الحديث.

وانتقل الجدل من شاشة التلفاز، إلى موقع التواصل "تويتر"، وسط صراع بين وسمي "#الاختيار2" و"#رابعة" الأكثر تداولا في مصر، وانتقادات للأخطاء المتعمدة في توثيق التاريخ، وتقديم رواية بهذه الحساسية من منظور واحد، في وقت لا يزال فيه من عاصروها واكتووا بنيرانها، شهودا على قيد الحياة.

منتج مخابراتي

بالنظر إلى شركة "سيرنجي" المنتجة للمسلسل بجزئيه الأول والثاني، فإن العين لا تخطئ سيطرة الدولة على صناعة الدراما والسينما خلال السنوات الأخيرة، حيث تتيع الشركة مجموعة "إعلام المصريين" المملوكة لجهاز المخابرات العامة المصرية.

وجسد الجزء الأول من مسلسل "الاختيار" ملامح من سيرة قائد الكتيبة 103 صاعقة في القوات المسلحة المصرية، العقيد "أحمد المنسي" الذي يقدمه الإعلام المصري باعتباره "أيقونة قوات الصاعقة" إثر مصرعه في عملية إرهابية استهدفت كتيبته في شهر رمضان العام 2017.

وأغرى نجاح الجزء الأول الذي جرت معظم أحداثه في شبه جزيرة سيناء، الشركة المنتجة، لتقديم جزء ثان يبيض صورة ممارسات الأمن المصري خلال عملية فض "رابعة" التي راح ضحيتها 632 قتيلا، منهم 8 فقط من عناصر الشرطة، وفق تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان (حكومي).

وبينما قدرت مؤسسة الكرامة الدولية لحقوق الإنسان (غير حكومية)، عدد الضحايا بـ985 شخصا، أعلن التحالف الداعم لـ"مرسي"، حينها، أن إجمالي الوفيات في فض اعتصام رابعة وحده بلغ 2600 قتيل.

وتجاهل المسلسل روايات شهود العيان عن المجزرة، وأسر الضحايا، والمصابين، وتقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش"، الذي وصف مجزرة الفض بأنها "واحدة من كبرى وقائع قتل المتظاهرين في العالم في يوم واحد، في التاريخ الحديث"، مؤكدة ضلوع الجيش المصري في المذبحة، وتعمد قوات الأمن استهداف المستشفيات الميدانية، وإشعال الحرائق في مسجد رابعة.

تزييف التاريخ

ويبدو أن النظام المصري يعتمد نهجا يستند إلى أن تأثير المسلسل يصل إلى 20 عاما، والفيلم السينمائي 50 عاما، مقابل 7 أيام فقط لحلقة التوك شو، بحسب الناقد الفني "حسام الغمري".

ويرى "الغمري" أن النظام يحاول تزييف التاريخ اعتمادا على الدراما وتأثيرها في الوجدان، خاصة أن قراءة قطاع عريض من الشعب للتاريخ والتوثيق تعتمد على الدراما.

لكن الباحث السياسي "أحمد مولانا"، في حديثه لـ"الجزيرة"، يرى هدفا آخر للمسلسل، بعد انكشاف سياسات النظام الحاكم، التي طالت تبعاتها السلبية من أيدوه، وتنامي الشعور بالخديعة لدى المواطن المصري.

ويضيف "مولانا" أن النظام عاد من جديد لإعادة إنتاج سرديات عام 2013 عن طريق أعمال مثل "الاختيار 1 و2" و"السرب" وغيرها، وبالتالي استغلال دور الجانب الفني والإعلامي في إعادة رسم وتجديد الصورة.

وهناك من يربط بين توقيت المسلسل واستحضار المذبحة من جديد؛ كمحاولة لاستعادة التعبئة ضد جماعة "الإخوان المسلمون"، وقطع الطريق على أية محاولة للمصالحة معها، أو التقارب السياسي، بعد التهدئة مع قطر وتركيا.

بينما يلقي الفنان "هشام عبدالله" بالمسؤولية على عاتق المعارضة المصرية، قائلا لموقع "عربي 21"، إنه دعا لتوثيق مجزرة رابعة من خلال عمل درامي محترف على مستوى عالمي يطوف العالم ويكشف حقيقة ما جرى، ولكن لم يجد للأسف أذنا صاغية، وبدلا من ذلك تلقفتها السلطات المصرية وصنعت محتوى معاكسا تماما.

انتقادات حادة

على غير ما كان يأمل منتجو المسلسل، فإن العمل الدرامي نكأ الجراح القديمة، وأعاد التذكير بالأفلام الوثائقية التي وثقت المجزرة مثل "عمارة المنايفة"، و"كانوا جرحى"، و"بعد الخامسة والنصف"، و"كنت هناك".

وزاد الأمر سخونة، انطلاق مبادرات منها "وثّق"، لفتح المجال أمام توثيق شهادات من حضروا مجزرة رابعة، وكشف حجم التدليس والتزييف في مسلسل "الاختيار2"، إضافة إلى دعوات لإنتاج أعمال درامية توثق حقيقة المجزرة.

ويصف أستاذ العلوم السياسية، الدكتور "سيف عبدالفتاح"، الجدل الدائر بأنها معركة وعي تدور حول الذاكرة والتوثيق لأحداث الثورة المصرية وما تلاها من توابع.

ويحذر "عبدالفتاح"، في تصريح لـ"الجزيرة مباشر"، من خطورة ملء الفراغ بالمسلسلات والأفلام التي تروج لسردية النظام الزائفة التي تحاول أن تطمس وتكتم سردية أخرى.

وعلقت الناشطة الحقوقية "منى سيف"، بالقول: "‏مش قادرة أستوعب إن فيه حد كبير مسؤول عنده مخ اختار يستحضر كل الغضب والعنف والتشاحن والتروما الجماعية دي ويخلي نفس الكلام المعفن اللي بيستسهل فرم مئات من الناس في ثانية، ونفس الغل في الهجوم والرد، ونفس العنف اللي دمر صداقات وعلاقات يطفو للسطح من تاني، شيء في منتهى الانحطاط والقسوة".

وأضافت: "ممثلين كتير من اللي شاركوا في العمل ده أولادهم هيبقوا مكسوفين وهو بيتدرس زي ما بروباجاندا هتلر (الزعيم النازي الألماني) بتدرس دلوقتي ومذابح بينوشيه (قائد انقلاب شيلي 1973) بيتضرب بيها المثل".

ونشرت زوجة القيادي الإخواني "محمد البلتاجي"، "سناء عبدالجواد"، صورة ابنتها الراحلة "أسماء" التي لقيت حتفها في عملية الفض، معلقة: "سامحيني يا أسماء إذ اضطررت يومًا أن أنشر صورتك تلك، ولكن دعي عينيك تخبرهم بجريمتهم؛ ففي عينيك كل الأدلة".

ولم يتوقف سيل الأخطاء التاريخية عند مسلسل "الاختيار 2"، بل طال مسلسل "الملك" المقتبس عن قصة "كفاح طيبة" للأديب المصري العالمي "نجيب محفوظ"، والذي تقرر وقف عرضه، بعد تداول أخطاء فادحة في مظهر وملابس شخصيات المسلسل.

كذلك احتوت مسلسلات أنتجتها شركات تابعة لأجهزة سيادية، على أخطاء تاريخية وإملائية وفنية، وصور مغايرة لأجواء وأحوال صعيد مصر، خاصة في مسلسلي "موسى" و"نسل الأغراب"، الذين يعرضان على قناتي "دي إم سي" و"أون تي في"، والقناتين مملوكتان للاستخبارات المصرية التي باتت مهيمنة على سوق الدراما، وتفرض رؤيتها على مجمل الأعمال الفنية المعروضة على الشاشات المصرية.

المصدر | الخليج الجديد