الثلاثاء 20 أبريل 2021 08:37 م

خلال نحو ثلاثين عاماً، زرع "أبو علي" البطاطس في أرضه في شرق لبنان. لكن في ظل الانهيار الاقتصادي المتسارع وتداعياته على القطاع الزراعي الضعيف أساساً، استبدل البطاطس بنبتة أكثر شهرة في المنطقة هي الحشيشة.

ويقول "أبو علي" (57 عاماً) في مقابلة عبر الهاتف "لا محبة بالحشيشة، لكن كلفة زراعتها أقل ويسمح إنتاجها بحياة كريمة لنا".

ومنذ عقود، تزدهر زراعة الحشيشة في منطقة البقاع، رغم حظرها من السلطات التي أقرت في أبريل/نيسان 2020 قانون تنظيم زراعة القنب الهندي للاستخدام الطبي فقط، على اعتبار أن من شأن ذلك أن يوفر مئات ملايين الدولارات للخزينة، لكنه لم يدخل قيد التنفيذ بعد.

ومع تسارع الانهيار الاقتصادي المتواصل منذ أكثر من عام ونصف العام، قرّر مزارعون صغار في المنطقة أن يحذوا حذو معارفهم، وأن يبدأوا بدورهم زراعة الحشيشة. لكن كثيرين منهم يخشون التحدث عن الموضوع خشية الملاحقة الأمنية.

ويقول "أبو علي" الذي بدأ عام 2019 بزراعة الحشيشة في أرضه في منطقة بعلبك "كنت أزرع البطاطس بكميات كبيرة والحمص والفاصولياء.. لكنها زراعة خاسرة اليوم".

أما الحشيشة فأمرها سهل، خصوصاً أنها "بعكس الزراعات الأخرى، لا تحتاج إلى أسمدة ومواد كيميائية" وباتت تباع بالدولار أو حسب سعر الصرف في السوق السوداء الذي تخطى عتبة 12 ألفاً للدولار الواحد.

ويتحدث "أبو علي"، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، عن فلاحين اضطروا لبيع منازلهم أو أراضيهم لسداد ديون تراكمت عليهم للمصارف أو حتى للمرابين.

ويقول الأب لطفل يبلغ 11 عاماً "حين كنا نزرع البطاطس، لم يكن بوسعنا حتى شراء المازوت لنتدفأ خلال فصل الشتاء". أما اليوم فهو ينتج في الموسم نحو مئة كيلوغرام من الحشيشة التي يزرعها على أرض تمتد مساحتها على 20 دونماً.

ويتوقف سعر كيلو الحشيشة على جودتها، ويتراوح بين مليون وخمسة ملايين ليرة، أي بين أقل من 100 و416 دولاراً، حسب سعر الصرف في السوق السوداء.

ويقول "أبو علي" "لا أعيش بترف، لكني بتت متوسط الدخل، وقادراً على إعالة أسرتي".

((2))

وتزرع الحشيشة مطلع الربيع وتحصد في سبتمبر/أيلول. وتجفّف بعدها تحت أشعة الشمس قبل أن يتم تبريدها، ثم دقّها أو طحنها في معامل صغيرة في منطقة البقاع (شرق).

وفي بلدة اليمونة القريبة من بعلبك، يدافع أصحاب الأراضي عن زراعة الحشيشة التي تحقّق لهم مداخيل كثيرة. ويقول نائب رئيس البلدية حسين شريف لفرانس برس "تخلّى مزارعون كثيرون في منطقة بعلبك – الهرمل عن زراعات أساسية وباتوا يزرعونها (الحشيشة) لأن كلفتها أقل.. ويحققون ربحاً بغض النظر عن سعر البيع".

ويُعد لبنان، وفق الأمم المتحدة، رابع منتج لعجينة الحشيشة في العالم بعد أفغانستان والمغرب وباكستان. ويجد المنتج اللبناني بشكل أساسي أسواقاً له في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً في سوريا والأردن ومصر وإسرائيل وقبرص وتركيا.

وبغض النظر عن عدم قانونيتها، يُزرع اليوم نحو 40 ألف هكتار من الأراضي على الأقل بالحشيشة في لبنان، وفق تقرير لمكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة لعام 2020.

وفي خضم الانهيار الاقتصادي، أقرت السلطات قبل سنة تشريع زراعتها للاستخدام الطبي حصراً، بأمل أن يتيح ذلك إدخال عملة صعبة إلى البلاد عبر بيع الزيت المستخرج من الحشيشة. لكنه لم يطبّق بعد في ظل شلل في المؤسسات وأزمة سياسية واقتصادية ضخمة.

ويشرح وزير الزراعة "عباس مرتضى" في مقابلة أنه كان مفترضاً أن يحقّق القنب الهندي مدخولاً بقيمة 350 مليون دولار في السنة الأولى، على أن "نصل إلى مليار دولار"بعد خمس سنوات.

ويضيف "نحن بحاجة ماسة لأن تتشكل حكومة.. حتى نشكل هيئة ناظمة تصدر عنها المراسيم التطبيقية".

وتدير البلاد منذ أكثر من ثمانية أشهر حكومة تصريف أعمال، في انتظار أن تتفق الأطراف السياسية الرئيسية الغارقة في سجالات وانقسامات، على حكومة جديدة.

ويتحدث وزير الزراعة عن تعاون مع مؤسسات المجتمع الدولي من أجل إنعاش "قطاع الزراعة الذي عانى من إهمال على مدى عشرات السنين".

وكسائر القطاعات اللبنانية، لم تسلم الزراعة من تداعيات الانهيار الاقتصادي. وتتحدث منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" عن "تراجع كبير" في الإنتاج الزراعي العام الماضي، وفق تقديرات غير رسمية حصلت عليها.

ويقول ممثل المنظمة في لبنان موريس سعادة "قد يسوء الوضع أكثر في العام 2021" مشيراً إلى ارتفاع أسعار المواد التي يستخدمها المزارعون مثل السماد والبذور.

ويتحدث عن مزارعين "يغرقون أكثر وأكثر في الديون" وآخرين توقفوا عن العمل أساساً أو يستخدمون "بذوراً قديمة وبالتالي ينتجون محصولاً أقل".

ولتشجيع الزراعة، ستوزّع المنظمة على نحو 30 ألف مزارع مبلغ 300 دولار لكل منهم لمساعدتهم على شراء المواد الأولية اللازمة.

لكن بالنسبة لكثيرين، لم يعد هناك طريق للعودة إلى الخلف. ففيما الزراعات التقليدية تخسر، تبقى الحشيشة هي الحل.

ففي العام 2018، وبعد أكثر من 20 عاماً من زراعة البطاطس، قرّر محّمد (60 عاماً) أن الوقت حان لكسب المزيد. وحول ذلك يقول "خرّبت زراعة البطاطس بيتي، تعود علي بالربح لعام واحد، وأخسر منها ثلاثة أعوام… أما زراعة الحشيشة فلا خسارة فيها".

ويزرع "محّمد" الذي استخدم اسماً مستعاراً 10 دونمات من أرضه بالحشيشة. ويمدّ جيرانه بالمياه من بئر جوفي لديه مقابل أن يحصل على جزء من إنتاجهم من الحشيشة أو مقابل مادي. ويقول "لولا زراعة الحشيشة، لما وجد الناس ما يأكلونها".


 

المصدر | أ ف ب