الأحد 2 مايو 2021 08:54 م

بدأ السودان الحديث يتشكل مع الغزو المصري في أوائل القرن التاسع عشر، وأدت عقود من الحكم المصري، إلى ترك ندبة لا تمحى على العلاقات بين البلدين، حتى يومنا هذا.

وغالبًا ما يصف المسؤولون المصريون العلاقات بين الطرفين بأنها "ودية"، مؤكدين أنهما يشتركان في الشعور بالشراكة كدول المصب على نهر النيل.

لكن في أغلب الأحيان، تعتبر تفاعلاتهم محفوفة بالشك، وانعدام الثقة الناجمين عن علاقة غير متكافئة.

تعود التوترات بين البلدين، إلى غزو مصر للسودان، في عام 1821، حيث جعلت القوات المصرية الغازية الخرطوم مقرًا لها، وبعد 13 عامًا، احتلت أيضًا دارفور.

وفي عام 1881، ظهرت حركة الإصلاح الديني "المهدي" في السودان، وسرعان ما أنهت الحكم التركي المصري في البلاد.

بعد ذلك بعام، غزا البريطانيون مصر، وقهروا "المهديين" في السودان عام 1899، وأقاموا حكمًا أنجلو-مصريًا مشتركًا على البلاد، والذي استمر حتى عام 1956.

في ذلك الوقت، أبلغ البريطانيون مصر، أن الشعب السوداني سيُمنح حق تقرير المصير.

لكن "محمد نجيب"، الذي أصبح رئيسًا لمصر عام 1953، أراد إعادة توحيد البلدين، بعد خروج بريطانيا من السودان.

وكونه نصف سوداني، كان "نجيب" مفاوضًا موثوقًا ونجح في تشكيل تحالف واسع من السياسيين السودانيين لصالح تطوير علاقات أقوى مع مصر، بما في ذلك إمكانية الوحدة بعد الاستقلال.

لكن الإطاحة المهينة به من قبل رئيس الوزراء، آنذاك "جمال عبدالناصر" في عام 1954، صدمت السودانيين وأثنتهم عن التفاوض على علاقة ما بعد الاستقلال.

وأدى الكشف عن تورط مصر في تمرد "توريت" عام 1955، من قبل قوات جنوب السودان، إلى إضعاف فرص التوحيد، وخلق حالة من عدم الثقة الدائمة بمصر في السودان.

واستمرت العلاقات بين البلدين في المد والجزر بعد استقلال السودان.

وكانت مصر أكثر ميلًا للعمل مع الأنظمة العسكرية في السودان، لأن الحكومات الديمقراطية "أقل مرونة".

على سبيل المثال، صوت البرلمان السوداني في عام 1958 على إلغاء اتفاقية مياه النيل لعام 1929، والتي أعطت مصر الحق في 48 مليار متر مكعب من المياه سنويًا مقابل 4 مليارات متر مكعب في السودان.

لكن الجنرال السوداني "إبراهيم عبود"، الذي صعد إلى السلطة بعد انقلاب عسكري عام 1958، وقع اتفاقية لتقاسم المياه مع مصر عام 1959، دون إشراك دول المشاطئة الأخرى.

كما وافق على التعاون في بناء بحيرة ناصر، خزان السد العالي بأسوان، مما أدى إلى إغراق مدينة وادي حلفا بالقرب من الحدود المصرية، وهو الأمر الذي أدى إلى نزوح آلاف النوبيين على جانبي الحدود وإعاقة التجارة.

وقال "ناصر" إن مصر ستزود السودان بالكهرباء من السد لكن مصر نكثت فيما بعد بوعده.

لم يغفر الشعب السوداني "لعبود" أبدًا استسلامه لـ"عبدالناصر" ونظموا تظاهرات أدت إلى الإطاحة به بعد 5 سنوات.

وفي عام 1969، أطاح انقلاب عسكري آخر في السودان بحكومة حزب "الأمة" القومي، ووصل "جعفر النميري" إلى السلطة، وأقام على الفور علاقات وثيقة مع "ناصر" ومع خليفته "أنور السادات"، بعد عام.

لكن في عام 1985، تمت الإطاحة "بالنميري"، مما أدى إلى إعادة الحكم المدني. لكن بعد 4 سنوات فقط، قام "عمر البشير" بانقلاب عسكري وأصبح رئيسًا.

وتحسنت العلاقات بين مصر والسودان في البداية، لكنها سرعان ما ساءت بعد أن تحالف "البشير" مع "الجبهة الإسلامية الوطنية"، التي أرادت أن يحاكي السودان الثورة الإسلامية الإيرانية.

وفي عام 2019، أطاح الجيش السوداني بـ"البشير" بعد انتفاضة شعبية استمرت 8 أشهر طالبت بالإصلاح السياسي والحكم الديمقراطي.

وشرعت القيادة السودانية الجديدة في حملة لإبعاد البلاد عن هويتها العربية وإغراقها في الشؤون الأفريقية.

وفي عام 2020، طبعت السلطة الجديدة علاقات السودان مع إسرائيل، كما غيرت موقفها من "سد النهضة" الإثيوبي الكبير.

لسنوات، دعم السودان المشروع، بحجة أنه سيساعد في تنظيم تدفق المياه وتزويد السودان بالكهرباء الرخيصة.

انحازت الحكومة الانتقالية إلى إثيوبيا ورفضت التوقيع على إعلان المبادئ الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، والذي كان يهدف إلى المساعدة في حل النزاع حول حقوق المياه.

كما رفضت الموافقة على مطالبة جامعة الدول العربية، بأن تحترم إثيوبيا حقوق مصر التاريخية في نهر النيل.

لكن في أواخر العام الماضي، غير رئيس المجلس الحاكم في السودان "عبدالفتاح البرهان"، موقفه.

ودفع صراع على السلطة بين "البرهان" ورئيس الوزراء "عبدالله حمدوك" الأول لقبول الموقف المصري من القضية، معتقدا على الأرجح أنه بحاجة إلى دعم القاهرة للتغلب على "حمدوك".

وأيدت الحكومة السودانية موقف "البرهان" الذي يطالب باتفاق ملزم يحدد حصص المياه لكل دولة على ضفاف النهر لحل الخلاف على سد النهضة.

بالإضافة إلى انحيازه إلى جانب مصر، فقد استغل "البرهان"، حرب إثيوبيا في تيجراي لإرسال قوات سودانية للاستيلاء على منطقة متنازع عليها تعرف باسم "الفشاجة".

كما دعا مصر للمشاركة في مناورات جوية في شمال السودان، مما أرسل إلى إثيوبيا رسالة قوية مفادها بأن البلدين سوف يتحدان إذا استمرت أديس أبابا في تجاهل مطالبهما بمياه النيل.

تنبع مظالم السودان أيضًا من مزاعم سوء معاملة السودانيين في مصر.

ويعيش ما يقرب من 2 إلى 5 ملايين سوداني في مصر، بشكل دائم أو مؤقت - وهو عدد كبير بالنظر إلى قيود السفر المفروضة في مصر بعد انقلاب عام 1952.

وتعد مصر وجهة مفضلة للعديد من السودانيين الباحثين عن علاج طبي أو عمل، أو كمحطة عبور في طريقهم لطلب اللجوء في مكان آخر.

ومع ذلك، يقول العديد من السودانيين في مصر إنهم تعرضوا للتهميش وأجبروا على قبول مستويات معيشية سيئة.

لم تنفذ القاهرة بعد اتفاقية "الحريات الأربع" لعام 2004 - التي تغطي حرية التنقل والعمل والإقامة والملكية للسودانيين- بسبب مخاوف أمنية.

وفي عام 2005، قتلت قوات الأمن المصرية 20 سودانيًا شاركوا في اعتصام خارج مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالقاهرة احتجاجًا على ظروفهم المعيشية المزرية والمطالبة بإعادة توطينهم في بلد ثالث.

وفي عام 2015، قتل الجيش المصري 6 سودانيين كانوا يحاولون العبور إلى إسرائيل من سيناء.

جاء الحادث بعد أسبوع واحد فقط من العثور على 15 أفريقيًا، معظمهم من السودان، قتلى في المنطقة الحدودية جنوب مدينة رفح المصرية.

وجدد وزير الخارجية المصري بعد ذلك التزام بلاده بتعزيز العلاقات مع الخرطوم وضمان سلامة ورفاهية الزوار والمقيمين السودانيين.

وساءت العلاقات المصرية السودانية بعد اغتيال "أنور السادات" عام 1981 وأصبح "حسني مبارك" رئيسًا جديدًا لمصر.

وفي عام 1984، نشر "مبارك" القوات المصرية في مثلث حلايب الغني بالمعادن، وهي منطقة متنازع عليها على الحدود بين البلدين، وطرد القوات السودانية من المنطقة.

دفعت خسارة السودان للجنوب الغني بالنفط إلى السعي لاستعادة حلايب، لكن مصر رفضت التنازل عن المنطقة وأنشأت شركة شلاتين للتعدين في المنطقة في عام 2012 لتقرير مصيرها.

عارضت مصر بروتوكول "مشاكوس" لعام 2002، الذي اعترف بحق جنوب السودان في تقرير المصير، خشية أن يضر بموقف مصر بشأن النيل.

وحتى عندما انحازت حكومة الخرطوم الانتقالية إلى جانب مصر، كانت لدى القاهرة شكوكا حول نواياها الحقيقية.

ويرجع ذلك جزئيًا إلى وقوف "البشير" إلى جانب إثيوبيا بخصوص سد النهضة لسنوات، ليس بسبب الاعتبارات الفنية أو المصالح الجيوستراتيجية للسودان ولكن لأن أديس أبابا عارضت تحويل "البشير" إلى المحكمة الجنائية الدولية لدوره في الإبادة الجماعية في دارفور.

كما تناولت القاهرة مشكلة تهريب الأسلحة إلى حكومة الوفاق الوطني الليبية والمتمردين في سيناء.

وقد دفع تهريب الأسلحة ومزاعمهم المتنافسة على مثلث حلايب الحكومة المصرية، التي تركز على الأمن، إلى إنشاء منطقة عازلة على طول الحدود السودانية يتراوح عرضها من 25 إلى 110 كيلومترات.

وفي العام الماضي، افتتح الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" مجمع برنيس العسكري على البحر الأحمر، وهو مشروع يرى العديد من السودانيين أنه يمثل تهديدًا حيث يضم المجمع الذي تبلغ مساحته 150 ألف فدان قاعدة جوية وقاعدة بحرية ووحدات قتالية خاصة وميدان تدريب.

يريد الجمهور السوداني أن تنأى القيادة السياسية في الخرطوم بنفسها عن القاهرة.

وفيما يتعلق بسد النهضة، يرون أنفسهم عالقين في صراع بين إثيوبيا ومصر يمكن حله وديًا مع أديس أبابا.

كما أنهم ينظرون إلى جارهم الشمالي على أنه خصم متعجرف تدخل في شؤونهم الداخلية في الماضي. (على سبيل المثال، زودت مصر، المتمردين في دارفور بالأسلحة لسنوات).

وقد تجنبت القيادة السياسية المصرية حرق الجسور مع السودان بالكامل، تاركة الباب مفتوحًا للتعاون في المستقبل. لكن العلاقة غير المتكافئة بين البلدين أدت إلى نفور السودانيين وأرست إرثًا راسخًا من عدم الثقة.

المصدر | هلال خشان/جيبوليتكال فيوتشرز – ترجمة وتحرير الخليج الجديد