الثلاثاء 18 مايو 2021 01:37 ص

مع اشتعال المواجهات في القدس وغزة، لا يتم التركيز على العنف العرقي المتصاعد بسرعة داخل إسرائيل (الخط الأخضر) حيث يمثل الفلسطينيون خمس السكان.

ويقدر عدد هؤلاء بـ 1.8 مليون فلسطيني، وهم مواطنون في دولة إسرائيل بالاسم فقط، وقد أمضوا الأسبوع الماضي في التنفيس عن إحباطهم وغضبهم من عقود من القمع الإسرائيلي الموجه ضد مجتمعاتهم داخل إسرائيل، وكذلك ضد الفلسطينيين الواقعين تحت احتلال أكثر وضوحا.

وبالفعل، قوبلت الاحتجاجات التي تجتاح المجتمعات الفلسطينية داخل إسرائيل، برد فعل عنيف ووحشي يمزج بين العنف الرسمي من قبل الشرطة الإسرائيلية وأعمال العنف من قبل العصابات اليهودية اليمينية المتطرفة.

وحذر السياسيون الإسرائيليون مما أسموه "المذابح العربية ضد السكان اليهود". ولكن مع تنامي نفوذ اليمين المتطرف الفاشي في إسرائيل، وكثير منهم من المستوطنين المسلحين وبعضهم له صلات بوحدات عسكرية، فإن الخطر أكبر بكثير بأن تكون المذابح ضد الأقلية الفلسطينية.

وكان المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل في قلب موجة الاحتجاجات في القدس الشرقية المحتلة التي بدأت قبل شهر مع بداية شهر رمضان. وبمساعدة بطاقات الهوية الإسرائيلية وحرية التنقل النسبية، سافر العديد منهم إلى القدس الشرقية في قوافل حافلات منظمة، وساهم هؤلاء في تعزيز الأعداد في مظاهرات "الشيخ جراح"، كما شاركوا في الدفاع عن المسجد الأقصى.

لكن في نهاية الأسبوع الماضي، عندما امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع لاقتحام الشرطة للمسجد الأقصى مع متطرفين يهود، اندلعت احتجاجات داخل إسرائيل. وكانت هناك مظاهرات ليلية في البلدات الفلسطينية الكبرى، بما في ذلك الناصرة وكفر كنا وكفر مندا وأم الفحم وشفا عمرو وبئر السبع. وردت الشرطة بإطلاق قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع وحملة اعتقالات واسعة.

نقطة الغليان

ومع ذلك، فقد وقعت أعنف الاشتباكات في أماكن أخرى، في مجتمعات وصفتها إسرائيل بشكل مضلل بأنها "مدن مختلطة". وقدمت إسرائيل تقليديا هذه المدن، مثل اللد والرملة ويافا وحيفا وعكا، كأمثلة على "التعايش اليهودي العربي"، لكن الحقيقة كانت مختلفة جدا.

وفي هذه المدن، يعيش المواطنون الفلسطينيون على هامش مدينة فلسطينية سابقة تم تطهيرها عرقيا عند تأسيس إسرائيل عام 1948.

ويتعين على الفلسطينيين المقيمين في هذه المدن أن يتعاملوا يوميا مع عنصرية العديد من جيرانهم اليهود. كما يواجه هؤلاء تمييزا مؤسسيا صارخا في قواعد التخطيط المصممة لطردهم لصالح اليهود، الذين يكونون غالبا أعضاء في الحركة الاستيطانية أو طلاب متدينين متطرفين. ويحدث كل هذا فيما يخضع هؤلاء الفلسطينيون لرقابة مشددة.

ويتراكم الاستياء والغضب بشكل مطرد منذ أعوام، ويبدو الآن أنهما وصلا إلى نقطة الغليان. ولأن "المدن المختلطة" هي من بين الأماكن القليلة في إسرائيل التي يعيش فيها مواطنون يهود وفلسطينيون في مكان قريب نسبيا (حيث تم اتباع الفصل في معظم المجتمعات الأخرى بشكل صارم من قبل إسرائيل) فإن احتمال حدوث عنف طائفي مرتفع بشكل خاص.

وترتفع احتمالات انتفاضة فلسطينية جديدة في المناطق "المختلطة" من إسرائيل. وكلما احتجت الأقلية الفلسطينية على التمييز المنهجي الذي تواجهه، زادت مخاطر تأجيج مشاعر اليمين اليهودي المتطرف.

ويجد هؤلاء اليهود الفاشيون المزيد من المساحة بعد فوز أحزابهم بـ 6 مقاعد برلمانية في الانتخابات الإسرائيلية في مارس/آذار. وينظر إليهم على أنهم جزء لا يتجزأ من أي حكومة ائتلافية قد يشكلها رئيس الوزراء المؤقت "بنيامين نتنياهو".

طرد الفلسطينيين

ومنذ أعوام، يحاول اليمين الاستيطاني إخراج العائلات الفلسطينية المتبقية من "المدن المختلطة"، خاصة تلك الموجودة وسط البلاد، بالقرب من تل أبيب. وتلقى هؤلاد المتطرفون مساعدة من الدولة لإنشاء مدارس دينية متطرفة في وسط الأحياء الفلسطينية.

والآن تحت غطاء الاحتجاجات، لدى اليمين المتطرف فرصة لتعزيز موقفه. وقد زعم العضو الجديد بالكنيست "إيتمار بن غفير" أنه يتم منع الشرطة من التعامل مع الاحتجاجات بحزم كاف. وكانت الرسالة من وراء ذلك هي أن اليمين المتطرف يحتاج إلى أن ينفذ "القانون" بيديه.

والأكثر إثارة للدهشة، أن وزير الشرطة "أمير أوحانا" ردد قول "بن غفير"، الذي دعا "المواطنين الذين يحملون السلاح" للعمل نيابة عن السلطات من خلال "القضاء الفوري على التهديدات والخطر". كما ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي دعوات من ناشطين لتسليح أنفسهم ومهاجمة المجتمعات الفلسطينية في إسرائيل.

ويوم الأربعاء، كانت نتائج التحريض واضحة للغاية. فقد عمدت عصابات يهودية إلى تحطيم ونهب المحلات التجارية وأكشاك الطعام المملوكة للعرب جنوب تل أبيب. وقام طاقم التلفزيون الإسرائيلي بتصوير المئات من المتفرجين وهم يشاهدون سائقا تم إخراجه بعنف من سيارته وضربه بشدة. وبالرغم أن التوتر كان مستمرا خلال جزء كبير من المساء، إلا أن الشرطة لم تكن متواجدة في الصورة.

وحاليا يحاول الفلسطينيون في المدن المختلطة تنظيم دوريات دفاعية في أحيائهم. ولكن مع وجود العديد من أعضاء اليمين اليهودي المتطرف المرخص لهم بحمل الأسلحة النارية، فإن الحقيقة هي أن المجتمعات الفلسطينية لديها طرق قليلة لحماية نفسها بشكل فعال.

وظهرت بعض أسوأ المشاهد في اللد، حيث يعيش الفلسطينيون (السكان الأصليون) في عدد قليل من الأحياء المعزولة التي تقطعت بها السبل وسط ما أصبح الآن مدينة يهودية بجوار تل أبيب.

قبضة حديدية

وخلال مواجهات الإثنين، أطلق يهودي الرصاص على الفلسطيني "موسى حسونة"، وهو أب لـ 3 أطفال. وفي اليوم التالي، تحولت جنازته إلى تظاهرة شهدت اشتباكات بعد أن حاولت الشرطة إغلاق طريق المعزين. 

وفي زيارة للمدينة، ندد "نتنياهو" بالأحداث ووصفها بـ "الفوضى"، وحذر من أن إسرائيل ستستخدم "القبضة الحديدية إذا لزم الأمر".

ومساء الأربعاء، تم فرض حظر تجوال على المدينة، وفي ظل حالة الطوارئ انتقلت السيطرة من المجلس المحلي إلى الشرطة. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" إنه كان يعمل على تجاوز العقبات القانونية لمنح الشرطة سلطات أكبر.

وفي ترديد لكلام "نتنياهو" والأحزاب اليهودية الفاشية، قال مفوض الشرطة الإسرائيلية "يعقوب شبتاي" إن انفجار الاضطرابات الفلسطينية نتج عن كون الشرطة كانت "ناعمة للغاية".

وخلال الأيام القليلة الماضية، كانت هناك هجمات عنيفة متبادلة، الأمر الذي خلف العشرات من الجرحى. لكن الادعاءات بوقوع "حرب أهلية" وشيكة في أماكن مثل اللد، كما وصف رئيس البلدية اليهودي الوضع هذا الأسبوع، تشويه للحقائق وتوازن القوى.

فحتى لو أراد الفلسطينيون ذلك، فليس لديهم وسيلة لمواجهة قوات أمن مدججة بالسلاح وميليشيات يهودية.

اندلاع الغضب

ويعد ما تفعله الدولة في اللد والمجتمعات الأخرى، عبر الشرطة أو المستوطنين، درسا لجيل جديد من المواطنين الفلسطينيين في التربية المدنية للدولة اليهودية، والذي يقول: "ستدفعون ثمنا مؤلما للغاية للمطالبة بالحقوق التي نتظاهر أمام العالم أنها لديكم بالفعل".

ويبدو أن "نتنياهو" ليس لديه اهتمام حقيقي بتهدئة الوضع، خاصة وأن العنف بين المواطنين اليهود والفلسطينيين يأخذ مكانه في الصفحات الأولى بدلا من محاكمته. كما أنه يغذي رواية يمينية من المرجح أن تخدمه بشكل جيد إذا عادت إسرائيل، كما هو متوقع، إلى انتخابات عامة أخرى في غضون أشهر قليلة.

لكن المسؤولين الإسرائيليين الآخرين يؤججون التوترات أيضا، بما في ذلك الرئيس "رؤوفين ريفلين"، الذي من المفترض أن يكون شخصية داعية للسلام والوحدة على عكس "نتنياهو". وندد الرئيس الإسرائيلي بالمواطنين الفلسطينيين واصفا إياهم بـ "الغوغاء العرب المتعطشين للدماء"، واتهمهم بتنفيذ ما أسماه "مذبحة" في اللد.

وعلى مدى عقود، حاولت إسرائيل الترويج لفكرة لدى الجماهير الغربية مفادها أن مواطنيها الفلسطينيين، الذين أعادت تقديمهم على أنهم "عرب إسرائيليون"، يعيشون بسعادة على قدم المساواة مع اليهود في "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط".

وحجبت إسرائيل بعناية تاريخ هذه الأقلية كفلسطينيين تشبثوا بأراضيهم خلال عمليات التطهير العرقي الشامل التي شنتها إسرائيل عام 1948. كما حجبت معاناة هؤلاء من التمييز المنهجي من قبل دولة يهودية معلنة من جانب واحد.

نتيجة لذلك، فإن اندلاع الغضب في المجتمعات الفلسطينية داخل إسرائيل يصعب على إسرائيل تبريره وفق سردية معقولة.

المعاملة كعدو

ومنذ أن تم تخفيف قبضة الحكومة العسكرية في أواخر الستينيات، نظمت الأقلية الفلسطينية احتجاجات مستمرة. لكن المظاهرات الضخمة في جميع أنحاء البلاد اندلعت مرة واحدة فقط خلال كل جيل، ودائما ما يتم سحقها بوحشية من قبل القوات الإسرائيلية.

وتم إجبار المواطنين الفلسطينيين، الذين كانت دماؤهم مستباحة، على التراجع إلى حالة من السكون التعيس والمؤقت.

وكان هذا ما حدث في سبعينيات القرن الماضي خلال يوم الأرض، عندما شنت المجتمعات الفلسطينية أول إضراب عام ليوم واحد احتجاجا على السرقة الجماعية التي قامت بها الدولة لأراضيهم الزراعية التاريخية حتى يمكن إقامة مجتمعات يهودية فقط عليها. وقد أطلقت المدرعات النار علي المحتجين وقتلت 6 فلسطينيين.

وعادت الاحتجاجات في أكتوبر/تشرين الأول 2000، مع بداية الانتفاضة الثانية، عندما خرجت الأقلية الفلسطينية إلى الشوارع تضامنا مع الفلسطينيين تحت الاحتلال الذين قُتلوا بأعداد كبيرة في الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة.

وفي غضون أيام، قُتل 13 متظاهرا بالرصاص، وأصيب مئات آخرون بجروح خطيرة؛ حيث استخدمت الشرطة الإسرائيلية الذخيرة الحية والرصاص الحي والمطاطي كخيار أول للسيطرة على الحشود.

وخلص تحقيق قضائي لاحق، من قبل "لجنة أور"، إلى أن الشرطة تعتبر الأقلية "عدوا".

تمييز مزدوج

ويعرف الجيل الجديد المحتج هذا الأسبوع أحداث أكتوبر/تشرين الأول 2000 بشكل رئيسي كما يرويها آباؤهم. وهم يكتشفون بأنفسهم كيف تغيرت ممارسات الشرطة العنصرية في العقدين الماضيين.

وفي الواقع، كانت التساؤلات حول دور الشرطة الإسرائيلية وعلاقتها بالمجتمعات الفلسطينية داخل إسرائيل في طليعة المناقشات السياسية التي احتدمت بين المواطنين الفلسطينيين على مدى العامين الماضيين.

ولطالما عانت الأقلية الفلسطينية من نهج تمييزي مزدوج من قبل قوات الأمن الإسرائيلية. فمن ناحية، تهربت الشرطة من دورها في المجتمعات الفلسطينية في إسرائيل. وقد سمح ذلك للعناصر الإجرامية بالتمدد في الفراغ الناجم عن هذا الإهمال. وبلغت جرائم القتل وإطلاق النار هناك أعلى مستوياتها على الإطلاق.

ومن ناحية أخرى، تسارع الشرطة في اتخاذ إجراءات صارمة عندما ينخرط المواطنون الفلسطينيون في معارضة سياسية. وتعد الاعتقالات الحالية وعنف الشرطة الواضح جزءا من نمط مألوف.

ولم تختف العديد من العوامل التي أخرجت الفلسطينيين إلى الشوارع عام 2000. وقد استمرت أعمال الشرطة العنيفة والقمعية. ولا تزال سياسات هدم المنازل والتخطيط العنصري قائمة. ولا يزال التحريض من قبل السياسيين اليهود مستمرا. ولا يزال القادة الفلسطينيون في إسرائيل مستبعدين من الحكومة والمؤسسات الإسرائيلية الرئيسية.

((7))

الطبقة الدنيا دائما

لكن الأمور تدهورت أكثر في الأعوام الأخيرة. ويعني إقرار قانون الدولة القومية لعام 2018 أن الموقف القانوني للأقلية الفلسطينية أصبح أسوأ رسميا. لقد حصر القانون صراحة المواطنين الفلسطينيين في فئة دنيا دائمة، فهم ليسوا مواطنين على الإطلاق، ولكن عمال ضيوف غير مرحب بهم في دولة يهودية.

علاوة على ذلك، فإن اليمين المتطرف اليهودي الصاعد لديه شكوى متزايدة ضد الأقلية الفلسطينية لوقوفها في طريق تأمين أغلبية انتخابية في الانتخابات على مدى العامين الماضيين. ويُنظر إلى نجاح الأحزاب الفلسطينية على أنه منع فعلي لـ "نتنياهو" من قيادة ائتلاف مستقر لليمين القومي المتطرف.

ومع ابتعاد حل الدولتين تماما عن الطاولة بالنسبة لجميع الأحزاب اليهودية في إسرائيل، فإن المواطنين الفلسطينيين أمام طريق مسدود سياسيا ودبلوماسيا. وليس لديهم أمل في الخروج من ظل نموذج أمني إسرائيلي ينظر إليهم على أنهم طابور خامس، أو حصان طروادة فلسطيني داخل الدولة اليهودية.

وهذا هو النموذج نفسه الذي يتم استخدامه حاليا ضدهم، ويتم من خلاله تبرير عنف الشرطة والمستوطنين في أماكن مثل اللد ويافا وعكا.

المصدر | جوناثان كوك/ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد